حكايتي مع القلهود مفتي ليبيا

كتاب مفتي ليبيا العلامة عبدالرحمن القلهود

اقتراب أول…

عبر الفيسبوك، شاهدت لأول مرة صورة للشيخ “عبرالرحمن القلهود”، وبجانبها مجموعة من الأسطر التي تعرف به، ومن بينها كونه شغل منصب مفتي ليبيا. والحقيقة إن لقب (القلهود) يرتبط في ذاكرتي شرطيا بكلية الهندسة، وتحديدا الفصول الأولى، وبشكل خاص بمادتي (الاستاتيكا، والديناميكا)، وبشكل أكثر تحديدا بالدكتور “لسان الدين القلهود” الذي كان يدرس المادتين، والذي حتى وإن لم تكن ضمن طلابه، ستجد نفسك في أحد محاضراته، لا تسألني كيف؟ لأن الأمر يحتاج شرحا مطولا، أنما ما جمع بين الاثنين هو لقب (القلهود)، فإن كنت أجهل “القلهود” المفتي، إلا أني عرفت “القلهود” الدكتور المهندس، المميز في طريقة تدريسه وكلامه، والذي كان يستوقفني كثيرا اسمه غير الدارج في الأسماء الليبية، “لسان الدين” مما أكد فكرتي حول عراقة وأصالة عائلته وحظوتها من العلم.

اقتراب ثان…

عندما أعلنت مكتبة الكون عن كتاب يتناول شخصية الشيخ “عبدالرحمن القلهود”، عادت إلي ذات موجة الأفكار، وتابعت التسجيل الذي بثته المكتبة عبر صفحتها حول الأمسية التي تناولت فيها من خلال بعض الضيوف هذه الشخصية، من أكثر من جانب.

الرابط العجيب

هو ليس برابط عجيب، لكن عندما وصلتني نسخة من كتاب (مفتي ليبيا)، وكل الشكر لمكتبة الكون، اكتشفت العلاقة بين القلهودين؛ الشيخ والدكتور. فالدكتور المهندس “لسان الدين” هو ابن الشيخ العلامة “عبدالرحمن القلهود” والذي اعتمده الكاتب كأحد المصادر الأساسية.

الشيخ والمفتي والعلامة…

عن مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة، ومؤسسة كلام للبحوث والإعلام، صدر كتاب (مفتي ليبيا العلامة عبدالرحمن القلهود -رحمة الله عليه- 1911-1976)، للأستاذ الدكتور “محمد عزالدين الغرياني”، في 123 صفحة من القطع الصغير. وتقوم على توزيعة مكتبة الكون، القاهرة.

الكتاب يقدم ويعرف بأحد الشخصيات الليبية المهمة والمؤثرة على أكثر من مستوى؛ اجتماعي وديني ونضالي، وهو ما نحن في أمس الحاجة إليه للتعريف برجالات الوطن ممن كان لهم حضورهم الكبير والمؤثر في المجتمع، والذين تم ظلمهم والتعتيم عليهم، خلال أكثر من أربعين عاما من حكم نظام القذافي، الذي غيب الكثير من سير رجالات ليبيا الأفذاذ وطمس ذكرهم، حتى لا يكونوا قدوة للشباب.

الكتاب يعكس جهد وأمانة الكاتب العلمية في البحث والتعريف بهذه الشخصية، والكشف عن جوانبها المشرقة ومشاركتها في النضال الوطني والقيام بما أنيط بها من مسؤوليات، كما أعجبتني جدا لغة الكاتب السلسة والصافية التي صاغ بها هذا الجهد العلمي المميز.

مصادر الكتاب

جمع الباحث مادته العلمية، والتي تخص الشيخ “القلهود” من أشخاص تربطهم صلات مباشرة معه، فهي إما رابطة دم، أو رابطة صداقة، أو علم. حيث نجده اتصل بأبناء الشيخ “القلهود”، وهم:  الأستاذ الدكتور “لسان الدين”، الدكتور “محمد ياسين”، الدكتور “أحمد طلعت”. وممن اتصل بهم الباحث، تلميذ الشيخ، الشيخ “محمد عريبي”، وكذلك الدكتور “محمد جيران”. كما اتصل بالباحث “الطاهر محمد عبدالسلام الزنتاني”، والدكتور “محمد التركي التاجوري”، الأستاذ “المنصف عبدالسلام الدعماش”، الشيخ “رمضان السعداوي”، السيد “عبدالحميد عكريم” والذي عمل غفيرا بدار الإفتاء.

هذا بالإضافة إلى مجموعة من المراجع والكتب التي دعمت مادة الكتاب، سواء للتعريف بشخص الشيخ العلامة “عبدالرحمن القلهود” أو لتقديم ما يفيد متن الكتاب من معلومات.

تقسيم الكتاب

للإحاطة بكل جوانب الشيخ العلامة “عبدالرحمن القلهود”، قسم الباحث كتابه إلى ثلاثة فصول أو مباحث؛ فخصص المبحث الأول للتعريف الشخصي، والمبحث الثاني اختص بالبيئة العلمية للشيخ، أما المبحث الثالث والأخير، فتناول فيه الباحث النشاطات الاجتماعية والفكرية والسياسة.

تناول المبحث الأول للتعريف الشخصي بالشيخ “القلهود”، من خلال سبعة مطالب؛ بدأت بالتعريف باسم ونسب الشيخ، والتعريف بوالديه، ثم التوقف عند زمان وولادة الشيخ ومكانه لمدينة طرابلس القديمة، ثم في المطلب الثالث الحديث عن النشأة والتربية والتي شملت التعريف بالمكان الذي نشاء فيه الشيخ وطبيعة الحياة فيه من الناحية المعمارية والاجتماعية في إلماحة إلى أثر هذا في شخصية الشيخ “القلهود”، للننتقل لمطلب الرابع والتعرف إلى شخصية الشيخ الخلقية والخلقية.

ثم يتوقف الباحث في المطلب الخامس مع أسرة الشيخ، والتعريف بها، ومن بعد وقفة قصيرة مع سجن الشيخ، ليختم هذا المبحث بالمطلب السابع في وفاة الشيخ والتي كانت في السابع من أبريل العام 1976م، بمدينة طرابلس.

في المبحث الثاني، والذي يمثل الجزء الأكبر -حجما- من الكتاب، قسم الباحث هذا المبحث؛ الخاص بالبيئة العلمية إلى خمسة مطالب؛ في الأول تناول الباحث دخول الشيخ “القلهود” كتاب الحومة، عند الشيخ “علي الزرقاني الترهوني”، وبشيء من التفصيل عرض الباحث لهذه المرحلة من حيث الدخول إلى طريقة التعليم، وما يتعلق بها من أدوات وأثر هذه البداية في التعليم في شخصية الشيخ.

في المطلب الثاني يتوقف الباحث مع المحطة التعليمية الثانية والأهم في مسيرة الشيخ “القلهود” بدخوله كلية أحمد باشا، فبدأ بتاريخ هذه الكلية وتأسيسها، ومكوناتها وطريقة ومستوى التعليم فيها، وأثر هذه الكلية في الشيخ على أكثر من مستوى. كما نبه الباحث للروافد العلمية الأخرى والمهنية التي نهل منها الشيخ “القلهود” فكان المطلب الثالث، أما المطلب الرابع فقد اختص بالمشائخ الذين درس عليهم الشيخ “القلهود” وتتلمذ على يديهم. ليكون الختام مع تلاميذ الشيخ.

الجميل في هذا المبحث كم المعلومات التاريخية والتوثيقية التي احتواها وعمد الباحث إلى إثباتها، خاصة وهي تتبع وترصد في جانب منها الحياة التعليمية والعلمية في طرابلس القديمة، وطرق التدريس. كما يعرفنا هذا المبحث بمجموعة من الأسماء المهمة في مجال التعليم الديني والتي كان لها إسهامها الكبير على مستوى التوعية ونشر العلم والتعليم.

المبحث الثالث في هذا الكتاب، خصص لنشاطات الشيخ “القلهود” الاجتماعية والسياسية والفكرية، وذلك من خلال ثلاثة مطالب. تناول المطلب الأول النشاطات الاجتماعية للشيخ، فقدم الباحث لبواعث هذه النشاطات، قبل أن يقدم مجموعة من الأمثلة لهذه الأعمال الاجتماعية. المطلب الثاني تعلق بالنشاطات السياسية والنضال الوطني للشيخ “القلهود” قبل وبعد استقلال ليبيا، هذا ولم يغفل الباحث المناصب الوزارية التي تولاها الشيخ القلهود. المطلب الثالث والأخير في هذا المبحث، عرض الباحث من خلاله النتاج الفكري للشيخ القلهود، فبدأ بالفتاوى، ومنهجه فيها وما يتصل بها، ثم البحوث العلمية التي شارك بها الشيخ في المحافل واللقاءات العلمية، ثم نشاطه في مجال التدريس، ثم الوعظ والخطب، وختاما مساهماته في تطوير التعليم.

في الخاتمة، عرض الباحث الدكتور “الغرياني”، لأهم النقاط التي عمل عليها الشيخ “القلهود” من أجل ليبيا ورفعتها ورقيها، لينتهي من بعد الكتاب بمجموعة من الصور للشيخ “القلهود” والتي تلقي الضوء على بعض من المناشط التي عاشها الشيخ.

ثم ماذا بعد؟

بالرغم من حجم الكتاب الصغير، إلا أنه قدم بشيء من التفصيل والمتعة أحد أحمد الشخصيات الليبية، الشيخ العلامة “عبدالرحمن القلهود”، والذي يعكس جهلنا بالشخصيات الليبية، والتي يحتاجها شبابنا قدوة تلهمهم وتغنيهم عن البحث عن نماذج خارج حدود الوطن.

ومن خلال هذه الأسطر، أتوجه بالتحية للأستاذ الدكتور “محمد الغرياني” الذي أمتعنا بهذا الكتاب، بلغته السلسلة، وبحثه الذي اجتهد في توثيقه والاهتمام بما يحتاج من مصادر.

كم أتمنى أن يكون هذا الكتاب متوفر في كل مكتبة، وأن تتبعه سلسلة للتعريف برجالات ليبيا في كل المجالات، فلا يطالهم النسيان.

حكايتي مع القلهود مفتي ليبيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.