شِـجْ وأخـواتِها -جـديد اللهجة الليـبية-

 

[1]

من المتفق عليه أن اللغة في نشاتها الأولى، إنما كانت مجموعة الأصوات العشوائية للتعبير عن الحاجة، فيما بعد اتفقت المجتمعات على تعريف الحاجة أو الدلالة إلى صوتٍ معين، كذا نشات اللغة واختلفت، وصار لكلٍ منها تاريخها الخاص. وفي تطور المجتمعات لم تعد اللغة مجرد حاجة التواصل، إنما التعبير عن الأفكار، والتي عملت بجد على اللغة لتطوير وتنويع أساليب خطابها. ومن بعد تتحول اللغة إلى كائن حي يحيا في حياة المجتمع، ويموت بموته، وهي الصورة التي تتطور بها وتستمر. وتستطيع اللغة أن تقدم صورة حقيقية للمجتمع أو تكشفه، فغيرة المجتمع على لغته يعطينا صورة أكثر من مجرد الاعتزار، إنها الهوية وصورة التعبـير، ودخول كلمات أجنبية لها أمر ليس بالسهل.

إن نظرة للغتنا العربية، تقدم صورة واضحة عن حالة الضعف التي يعيشها مجتمعنا العربي، ومدى تفككه، كما وتفضح اللهجات العربية عمق الهوة الحادثة، والهزيمة التي تعانيها نفس المواطن العربي، فكيف نفسر إصراره على استخدام المفردة الأجنبية بدل العربية لداعي التباهي، أو نعت اللغة العربية بالفقر لأن المصطلح الأجنبي سهل التعامل، والمشكلة هي جهلنا الحقيقي بلغتنا العربية وتراثها الكبير، إنا نكتفي بمعرفتنا الضحلة لإصدار الأحكام بضعفها وتخلفها عن الالتحاق بركب الحضارة، وتناسوا أن العالم كان عليه تعلم العربية للتخلص من جهله، ثم العودة من جديد. والمجتمعات العربية في لهجاتها الكثير من الخروج، فإن كان المختصون بشؤون اللغة يؤكدون أن اللهجات العربية هي صور للغة العربية الأم، فالواقع يحكي صورة مختلفة عن لغة هجين، فيها من العربي والأجنبي والمولد وهو موضوعنا خاصين به اللهجة الليبية. ونلمح أن أكثر من مختص يؤكد ما للأجيال الحديثة من أثر في إيجاد الكثير من هذا المولد في اللهجات العربية.

[2]

تمثل اللهجة الليبية حلقة وصلٍ بين لهجات الشرق العربية بسهولتها وانفتاحها، ولهجات المغرب العربي بانغلاقها وحدتها. وهي كأي لهجة تتمتع بمجموعة من الخصائص التي تميزها عن عن غيرها من اللهجات، لكنا في داخل ليبيا نجد أنفسنا أمام غنى لغوي كبير، فنحن نستطيع أن نقسم اللهجات الليبية تقسيما جغرافياً إلى: شرق، غرب، وسط، جنوب. هذه التـقسيمات الجغرافية تحتمل أكثر من لهجة في داخلها، حتى على صعيد المناطق.

بشكلٍ عام تتمتع اللهجة الليبية بمخارج حروف واضحة/ صافية إلا من ثلاث حروف: القاف ينطق جيم خفيفة (مصرية)، الثاء ينطق تاء، والذال ينطق دال. بعض الحروف عند التقائها يتغير نطقها إلى الحرف الأقوى، فـ(جنزور) تتحول على الألسن الليبية إلى (زنزور)/ و(جوز) بمعنى ثنائي أو اثنان إلى (زُوُز)/ و(الجازية) إلى (الزازية)، أو الاتكاء على السماعي فـ(إسماعيل) تتحول إلى (إسماعين) و(جبريل) إلى (جبرين) خاصة في المنطقة الشرقية، أما أهم ما يميز اللهجة الليبية عن بقية اللهجات العربية –أو هذا ما لاحظته- هو التصغير، فالليبيون مغرمون بالتصغير، بشكلٍ لا نراه بهذا الغنى في اللهجات الأخرى، فهو حتى يستخدم في الأشياء التي لا يمكن أن تصغر خاصة عند الطلب: فيقال مثلاً (دحيّه) بدلاً من (دحيه) وهي البيضة عند طلبها/ و(نفيص) بدلاً من (نفص) وهو السنداوتش، وها أنا أقع في المحظور، والسبب علامات الاستفهام التي ستظهر عن قراءة (شطيرة) أو (شاطر ومشطور…)، أما الأسماء فحدث ولا حرج: جمال= جميل/ إبراهيم= رهومة-برهوم/ محمد-أحمد= حميده/ حواء= حويوه/ عائشة= عويشة/ خديجة= خدوجة/ سالمة= سويلمة، وغيرها من الأسماء كثير: قط=قطوس، كلب=كليب، جرو=جريو، فحل=فحيل، حمامة=حميمة، عصفور=عصيفير. وهي تستخدم للتسمية بشكل مستقل، ونلاحظ أن تصغير الأسماء يخص بشكل أكبر الأسماء الانثوية. ولقد جمعت في فترة مبكرة مجموعة كبيرة من أسماء التصغير في ليـبـيا، وصنفتها في أسماء أشخاص وأسماء عائلات، وصفات، ومازالت. ومما نلاحظ على اللهجة الليبية خلوها من الكلمات الأجنبية، فهناك حضور محتشم للغة الإيطالية ولا نراه إلى في مجموعة من التسميات تخص بعض الأدوات المنزلية (كاشيك=ملعقة/ فركيتا-شوكا/ كوجينا=مطبخ/ لوفندينو= حوض الغسيل…) ومسميات الأماكن (سبيتار=مستشفى/ كياس=طريق/ جردينا=حديقة/ مرشا بييدي= رصيف…) وأيضاً قطع السيارات والميكانيكا وهي كثيرة مقارنة بالكلمات الإيطالية في اللهجة الدارجة (فرينو= فرامل/ شراتوري=المعجل/ فرينو مانو= فرامل اليد/ كوشينيتي= المدحرجات/ كمبراسوري= ضاغط/ جمويستي= مصلح الإطارات…)، كما والتصقت بعض المفردات الإيطالية وصارت من اللهجة كـ(فرتونه =حظ) حد استخدام الأمثال وأشهرها (مارس المجنون). وأتوقف لأعود لموضوعنا الأساس.

[3]

شهد المجتمع الليبي في السنوات الأخيرة، بداية من عشرية التسعينيات دخول مجموعة من التعابير الجديدة إلى لغته اليومية –الدارجة-، التي تجلت بشكلٍ واضح في جيل الشباب الذي لم يتردد في استخدامها عاكساً فيها أفكاره وما عاشه، وهذا لا يعني أن اللهجة الليبية لم تعرف مثل هذه المفردات والتعابير، إنما كانت تتداول وتستخدم بشكل أكثر تحفظاً داخل المجموعات الشبابية، لا أن تستفحل وتطرق السمع دون خوف، ويمكننا تقسيم هذه المفردات والتعابير _دون محاولة لحصرها_ في:

> تعابير منحوتة: والنحت هنا ذاته المعرّف في اللغة العربية. وأشهر هذه التعابير (شـج)، وهي نحت السؤال (شن الجو؟)، إذ يُستعار الجو للسؤال عن الأحوال، والسؤال في الأصل (ما شأن الجو عندك؟). وشج تستخدم بين الشباب بشكل كبير ومن بعد خرجت لتستخدم بشكل أكبر خاصة بين الفتيان والفتيات. ومن النحت الجميل (فك) وهي في الأصل (فكنا منه) بمعنى (دعنا منه)، وتستخدم في الدارج (فكنا).

> الاستعارة من اللغة الأنجليزية: وهذه نراها بين الشباب المستخدمين للكمبيوتر بشكل خاص، وهي تتمثل في استخدام المصطلح الأجنبي والتعامل كما لو إنها مفردة من اللهجة المحكية، فلو أخذنا مصطلح (Format) المترجم إلى (تهيئة)، فتتحول عملية التهيئة (Formatting) إلى: تفوريم، وإجابة ما تفعل؟: نفورم، وفورمت الجهاز.

ومع دخول النقال حياة المواطن الليبي، صار هناك: موبايل وموبايلات/ مسج ومسجات/ ومن بلوثوث: بلتت. أي: أرسل بلوتوث/ كليب وكليبات. وغيرها الكثير.

ملمح آخر للغات الأجنبية، يظهر عند عشاق الدوري الإيطالي، فتراهم يتحدثون عن مبارةٍ ما مستخدمين في نقاشهم الكلمات الإيطالية: فرتونا- حظ/ بورتا-مرمى/ جكاتوري-لاعب/ بورتيري- حارس مرمى.

> الاستخدام المجازي: ونعني به تفريغ المفردة من معناها إلا المتفق عليه _الذي تم التواطؤ عليه_، وهذا النمط يشكل القسم الأكبر من التعابير واستخداماتها، فالنأخذ مفردة (فوته) فاستخدامها العادي يعني فوات الشيء أو تفويته، أما هنا فتعني: دعك من هذا الشخص أو الأمر، ويقابلها في العربية (دعك منه).

هذا الاستخدام للمفردة تطور سريعاً لتقوية المعنى: فنسمع أحدهم يقول: فوته برابعة، بمعنى: دعك منه كما لو أنك تقود سيارة ومحول تروسها على الترس الرابع. ولا ننسى أن (فوته) تعني أيضاً تجاوزه، و(فوِّت) بمعنى مُر (أُعْـبُر).

ومن أجمل هذه المجازات استخدام (صقع عليك)، وهي للتعبير عن كون الأمر ليس بالسهل، الظرافة في هذا التعبير في مفردة (صقع) والتي تعني في اللهجة الليبية (البرد) وهي تحريف لـ(صقيع)، وهذا أروع تفريغ لمفردة من دلالته في اللهجة الليبية، فالتعبير كان يستخدم بدلالته الصريحة، بمعنى: الجو باردُ عليك –ولا يزال-. لكن المجاز حولها إلى الاستحالة (من معنى أن البرد من القوى بحيث لا تستطيع احتماله)، وصرت تسمع:

– شج؟

– الحمد لله.

– مشاء الله، نقال جديد؟.

– حاجة صقع عليك (أي من الصعب عليك اقتناءه)!!

– مش مشكلة، نلبسوله جرد.

وهذا الرد هو من التطور الموازي، فـ(الجرد) لباس تقليدي يلبس لاتقاء البرد، والمجيب يعني أنه يمكن الحصول على مثل هكذا نقال، وان الأمر يتطلب مساعدة.

كلمة أخرى وبذات معنى (دعك منه)، وهي (قُضَّهْ) تنطق القاف جيما مصرية، المعنى الحرفي لهذه الكلمة هي الفك (عكس التركيب): فَقضَّ الشيء= فكه. وتستخدم هذه المفردة في صيغة الأمر (قُضْ). ويبدو أن اللامبالاة لها الحظوة، فهي تعكس حالة القلق التي يعيشها المواطن أو الشاب الليبي، الذي وجد نفسه محاصراً ومطالبا بالكثير من العمل لإثبات الذات، لذا لم تتطور ثقته بينه وبين الجيل السابق، تعمّد التخلي عن عاداته، رأى الحياة في الكماليات (ملابس، سيارات، تدخين….)، يفسره البعض استلاب/ غزو ثقافي/عولمة، وللاستمرار عليه _كشاب_ التخلي عن كل شيء، ويضيف إلى قاموسه الجديد (خُط) وهي تستعمل في صيغة الأمر، وبصيغة أخرى (خط عليه) وتعبيرياً هي أقوى من (فوته) فـ(خط) تطالب السامع بأن يقوم بالخط فوق المعني (من معنى أن يتم الخط على الشي أو تسويده بالقلم)، فيقال:

– خط عليه ببيرو أحمر (البيرو هو القلم).

– خط عليه بخطاط (والخطاط هو قلم التلوين أو الخط العريض).

> ثقافات وافدة: وهنا نعني مجموعة من التعابير التي بدأت بدخول حدث ما للمجتمع، فبعد فترة من دخول الستالايت حياة الليبيين، نجدهم يقولون: (شَفَّرَه) بصيغة الأمر، بمعنى (خط عليه) أو غيّبه. أما لو سألت عن أحدهم وجاءك الرد: ديجيتال.

فإن صاحبك عال العال، ومتفاهم، وشبابي بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة. أو أن يصنف الناس: راس عربي، راس أوربي، مشترك.

والكثير من التعابير الدخيلة على الثقافة الليبية، والتي تسربت في البث الرقمي:

– تكت إيزي يا عزيزي (هون عليك، وهي من المصرية)، وتقال أيضاً:

– خلك إيزي يا عزيزي.

– موزّه (لوصف البنات، وهي من مصر).

– هاي فاميلي / هابي فاميلي.

ما عرضناه يمثل جزأ من كل، يحتاج دراسة واعية متخصصة في قراءة حركة المجتمع الثقافية، لما تعنيه هذه المفردات من كثير التغيرات الداخلية والتأثيرات الخارجية، ووقوفنا هذا هو وقوف الملاحظ لا غير، وأترك الفرصة لمن يريد.

مرةً في حديث مع أحد كبار السن من جيراننا، وهو شخصية طرابلسية معروفة، تحدث عن تبدلات اللهجة وكيف كانت اللهجة الطرابلسية مميزة عن باقي لهجات البلاد الليبية برقتها وجريانها على اللسان، خاصة في فترتها المتأخرة فقد اصطبغت لهجة أهل المدينة بدخول الكثير من الكلمات الإيطالية، ونبهني أن الأغاني الليبية –الأغاني الطرابلسية كما قال- مكتوبة باللهجة الطرابلسية، لكن لو نظرت إلى لهجة أهل (سوق الجمعة) ستجدها تختلف بعض الشيء عن لهجة أهل المدينة، كون (سوق الجمعة) كانت قرية لم تتداخل إلا في القليل مع الوافدين الأجانب.

قال لي وهو يبتسم، مرة طلبت من حفيدي أن يخفض من صوت التلفزيون قليلاً فقلت له:

– اقرص التلفزيون شويْ.

فوقف مبهوتاً، لا يدري من أره شيئاً. كما وفقت حفيدته مرة، عند طلبه:

– بيتي ضي السقيفة وانت طالعة.

أنا نفسي ما كنت لأفهم قصده، وإن مازالت الذاكرة تحفظ (زبرطعي، عسكر سوسة، زوفري، كساد، بعد هكي فساد، باطا باطا، سبيزا،…). وأترك الموضوع للباحثين.

شِـجْ وأخـواتِها -جـديد اللهجة الليـبية-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.