بـــدايـــة كسولة

طـرابـلـس 1

كسولةٌ هي. الساعة الـ09:30 صباحاً، طرابلس لا زالت نائمة على غير العادة، وحده عمي “رجب”1 يظل محافظاً على توقيته، وبعدَ المرورِ به، أطلق لقدمي الحرية في التجول والانطلاق في شوارع المدينة، بداية من شارع (امحمد المقريف) حتى أصل (ميدان الشهداء/الساحة الخضراء)، أنعطف يميناً، باتجاه (الكورنيش) القديم، أتكئ على السور، أحاول تذكره كيف كان من خلال الصور الكثيرة التي كان والدي يلتقطها لنا، أحاول ويصعب علي. أستمر، أقف أمام بوابة (متحف السرايا الحمراء)، تعودُ الذاكرة بي لحظة كنا نعبره لنستقل حافلة العودة لحينا (بن عاشور) صحبة ابن عمتي. وأستمر، أدخل السوق ماراً من أمام جامع (أحمد باشا)، لا أحد هناك، انتهي حتى (برج الساعة) وأقفل راجعاً.

يستقبلني شارع (عمر المختار)، لأتوقف عند بداية شارع (الرشيد)، ولا شيء هنا أيضاً، أستحضر زحامه الذي أعشق وأندسُ فيه، أقطعُ الطريق للجانب الآخر، متسرباً من أحد الشوارع الفرعية، باتجاه (جنان النوار)، ومنه لشارع (مـيزران)، صعوداً باتجاه شارع (النصر)، ومنه للبيت.

إلى حدٍ ما، أحاول الحفاظ على هذه الجولة الصباحية بشكلٍ يومي قدر الإمكان، حال وجودي في طرابلس2، محاولاً تغيير المسار في كل مرة. ثمة أماكن خاصة في المدينة ارتبطت عندي بذكريات ومواقف، أراقبُ كيف تتبدل وتتغير، وحتى وهي تختفي، وحالي من يقف على الأطلال، لكن دون بكاء، ولا أصحاب.

كسولة هي. الساعة الـ10:00 صباحاً، الشمس ارتفعت للحد الذي قصر معه ظل المباني، وصار بالإمكان استشعار حرارتها. الشوارع شبهُ خالية، السيارات قليلة في شوارع اعتادت صوت منبهاتها، وازدحامها، وزعيق سائقيها.

المحلاتُ والدكاكين مغلقة، حتى ذلك الدكانُ الصغيرُ، الذي كنت أبتاعُ كلما مررت به، قطعة من الشوكلاتة مخلافة لأوامر زوجتي، وجدته مغلقاً، وحدها المقاهي حافظت على عادتها، ولأني لست من روادها، فإني أمرّها سريعاً ولا ألتفت. وإن كان ضمن برنامجي الصباحي المرور بالمصرف، فإنه يتوجب علي التخلي عن جولتي للتوجه مباشرة إليه والانتظار حتى يفتح أبوابه، وفي حال ابتسم الحظ في وجودُ سيولة، أكون ضمن الواقفين في الطابور لصرف الـ500 دينار، هي ما يمكننا سحبه من أرصدتنا، أو الانتظار حتى يتم جلبُ المال، قد يستغرق الأمر 4 ساعاتٍ أو أكثر، وقد يعيدني هذا الانتظار بخفي حُنيْن.

كنتُ قد استيقظتُ الساعة الـ07:00، وبعد نصفِ ساعة خرجتُ من البيت قاصداً المخبز. اتجهتُ إلى أقربها، كان مغلقاً، الثاني مغلق، والثالث كذلك، أزمة عمالة، يبدو إنّا لا نجيدُ الخبز، لأجدني في طابورٍ طويل أمام آخر مخبز بالمنطقة، يقولُ رفيق بالطابور:

– بارك الله في الشباب، يعملون منذ الصبح تطوعاً.

بين الدقيقة والأخرى يصدر تعليق من أحدهم، أو تصدر ضحكة عن أحد اثنين كانا يتهامسان. النساء بدأن يصلن ويشكلن طابوراً مقابلاً، تململ أحد الواقفين (هي خودلك هي). بعد ساعة من وقوفي تحصلتُ على كيس خبز، كان علي ثقبة لأسمح للخبز التنفس بِحُرية.

لم يكن ثمة ما أفعله، غير الجلوس في البيت، إما لمتابعة التلفزيون لبعض الوقت أو لقضاء أكثره إلى الحاسوب، عملنا متوقّف لارتباطه بالطيران، ولم أجد ما يمكنني ممارسته من أعمال، حتى صاحبُ السوق القريب منّا اعتذر عن تشغيله لي، بحجة أني أستاذ، أحد محلات الحاسوب اعتذر كونه لم يعد قادراً على صرف مرتب الفني الذي يعمل معه، لكنه يعمل وفاءً للعِشرة، وأملاً في الغد، كما قال. لذا اكتفيت من هاتين المحاولتين، وقررتُ قضاء الوقت بقرب حاسوبي. أقسم الوقت بين اللعب والكتابة، وتطوير مهاراتي في استخدام بعض البرامج.

– النت قطع فيك؟

تعلق زوجتي، عندما تجدني أتامل شاشة الحاسوب، دون فعل شيء، فلقد انتهيت من مشاهدة ما لدي من أفلام مُحمّلة، وبرامج وثائقية. نعم انقطاع الاتصال بالشبكة أثر في، خاصة وإني كنت على موعد لإصدار عدد جديد من مجلة (المقتطف)، وما يتطلبه موقع (بلد الطيوب) من تحديث. هذا إضافة لأنه الوسيلة التي كنتُ من خلالها أتصل بأصدقائي، بشكلٍ دائم. آخر إيميل وصلني وقرأته كان من صديقتنا الإنجليزية، تتحدث فيه عن جزعها مما تبثه قنوات الأخبار، وإنها قررت وبعض الأصدقاء أن تكون صلاةُ الغد –الأحد- من أجلنا، ومن أجل ليبيا.

____________________

1- عمي “رجب الوحيشي” صاحب مكتبة المعارف.

2- طبيعة عملي لا تجعلني أتواجد بشكل دائم بطرابلس.

نشرت بصحيفة فبراير 24-09-2011

بـــدايـــة كسولة

6 تعليقات على “بـــدايـــة كسولة

  1. رامز النويصري يقول:

    سلسة من المقالات .. كتبت فترة الأحداث تحت عنوان عام “طرابلس” وعناوين فرعية لكل موضوع مستقل، وتنشر تباعاً بصحيفة (فبراير) بإذن الله تعالى.. تحياتي

  2. أخي رامز . . . أتعتقد أنّ طرابلس أصبحت متململة بعد الثورة ؟ . هل تحولت المدينة من المدينة الساهِرة على عتبات البحر المتوسط إلى المدينة التي تغط في النوم . آمل أن لا تكون . . . رُبما هي ترتاح لفترة وجيزة كيْ تطّل علينا من جديد بزحامها المزعج و الجميل . المزعج بسبب الزعيق و ضيق الوقت . الجميل لأنّه يتيح لنا التأمل في جسد الحسناء أويا .

    أعجبني – بلغة الفيس بوك – ^^

    1. رامز النويصري يقول:

      أخي: محمد النعاس
      أشكر مرورك الكريم
      ما أود الإلماح له، أن هذه المقالات كتبت في فترة الأحداث.. يعني خلال الفترة من شهر 3 إلى شهر 8.. كونها محاولة لرصد الواقع وقتها.. وآمل ألا تطول فترة راحتها نريدها كما عرفناها عفية وقوية… واسمح لي أن أقتبس الجملة الأخيرة من تعليقك في مقال قادم.

      تحياتي

  3. نبيلة يقول:

    فعلا ..كسولة هي تلك الساعات التي تمضي من أعمارنا ..
    أبدعت كعادتك دائما ..
    تقبل مروري وشكرا …يا عمو ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.