دق يدق دقاً

 دق

صديقي الذي ظل لأكثر من ثلاث سنوات رفيقي لحظاتي، ولم يفارقني إلا قليلاً، يعود.

نعم يبدو إنه عاد، وإنه يرسل إشارات وصوله. الذي لم تتوقف من ثلاث أيام.

عندما بدأت علاقتنا في أواخر 1999، لم أعره أي اهتمام، كنت لا ألقي له بالاً، كنت مشغولاً أقتل وقتي في العمل، والتنقل، والحركة بشكل دائم، لذا كنت أنساه في التعب، وكنت أتعجب من إصراره على ملازمتي.

بعد نهاية العام الأول، تأكدت أنه موجودٌ فعلاً، وأنه لا حل للهروب منه، خاصة وفي حضوره المعلن، ولم يعد من السهل تجاهله أو تناسيه، ومع هذا لم أحاول مواجهته، او اتخاذ أي إجراء ضده، فقط تركته يمارس لعبته الأثيرة في الدق.

استسلمت، أو ربما تحول الأمر إلى ما يشبه التعايش، هو يفرض نفسه، وليس لي من أمري شيئاً. وهكذا بعد العام الثاني تعلمت بعض الحيل والخدع لترويضه، فعندما كان يقطع أحلامي بضجيجه كنت أقوم مسرعاً إلى الراديو أشغله وأضع السماعات على أذني، وكانت القنوات التونسية والجزائرية و(مونتي كارلو) تفلح في حطه، وكتم الضجيج.

أما عندما يبدا زحفه المسائي، كنت أرده برواية، أو كتاب. أما إن عمد إلى لحظة النوم، فكان الشعر يملك قوة السحر بشكل غريب، وكان هذا الصديق، والذي سأنعته بالمزعج، يفضل ثلاث شعراء بعينهم؛ بدر شاكر السياب، وصلاح عبدالصبور، وأمل دنقل. وأذكر كيف أجبرني على تعليق (لا تصالح) و(الناس في بلدي) و(حفار القبور) على حائط حجرتي، وإزالة صور الطائرات التي كانت. بل إنه أجبرني تحت تهديد مطرقته بكتابة وصيتي وتعليقها على مكتبتي من الداخل.

أكثر من ثلاث سنوات، وهو يدق ويحفر. وكما ظهر، اختفى فجأة. حتى بدون أن يقول سلاماً، أو يترك أثراً.

وها هي أولى رسائله تدق من ثلاث أيام، فمرحباً أيها الصداع.

دق يدق دقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.