ليبيات 12.. ليبيا .. تحب تفهم ادْوخ

شعب الله المُختار

لسببٍ ما، وجدنا نحن الليبيون أنفسنا مختلفين عن الآخرين. حقيقة ما يفتَأ كل ليبي يكررها كل يوم، مع كل صلاة، وبين الوجبات؛ وهي مشروع –في ظني- عمل عليه نظام القذافي وأفلح فيه، وكأن الليبيون جنس مختلف ن أجناس الأرض، والعرب والأفارقة. وهو –أي المشروع- نسخة مشوهة عن مشروع “أدولف هتلر” للجنس الآري.

فنحن شعب الله المختار، نملك أفضل موقع، بوابة أفريقيا على العالم بساحل يبلغ 2000 كيلو متر، رمالنا ذهب، وجبالنا كنوز، نرقد على بحيرة من النفط، ونملك أحد أكبر عشر شبكة طرقات على مستوى العالم، نحن شعب المعجزة الثامنة، وشعب الثورة، أحفاد من قالوا لإيطاليا لا وأذاقوها الويلات.

لذا، لم ينجح أي مشروع تنموي، ولا مشروع بحثي، ولا مشروع استثماري. وكل مشاريعنا الزراعية فاشلة وغير ذات جدوى اقتصادية، ومصانعنا هي مصانع السنة الواحدة، وشركاتنا هي شركات الإفلاس، والافتلاس، والتفليس. وهذا تميز!!!.

حتى مشاريعنا الثقافية، مميزة وخارقة للعادة والمعتاد، فالمهرجانات الثقافية يخطط لها في الليل، وترصد في الصباح، وتنفذ في الظهيرة، عندنا صحف بلا صحافة، ومجلات تصدر لمرة واحدة، وأخرى يعلن عنها وتشكل، وتصدر ولا تصدر. مثقفون بلا هيكل، ورابطة بلا رابط، وأسماء بلا أسماء.

بالمناسبة ثمة أشياء لا تجدها إلا في ليبيا، أولها مقولة أبو التاريخ “هيريدوت”: (من ليبيا يأتي كل شيء غريب)، والتي قالها عندما وجد الليبيون يأكلون زهرة اللوتس. وليس بآخرها تعليق الشيخ “كشك” عندما قال: (ما أغرب أحوالكم يا أهل ليبيا، تسمون الفحم الأسودَ (بياضاً)، والسخان (براداً)، والأعمى (بصيراً)، والمدمر (معمر)). قد يكون الأمر على علاقة بمقولتنا السابقة (اللي ماجاش ليبي)، لكن من وجهة نظر فلسفية الأمر يختلف، لأن ما نتحدث عنه –هنا- يتعلق أكثر أو يلتصق بالمجتمع، ثقافة وسلوكيات. فهي من جهة تعكس حاجة المجتمع إلى الدعم النفسي أو الحسي (تفاؤلاً)، خوفاً مما قد يكون (تشاؤماً)، فيكون (الكمون أسود = كمون أسعد)،

ألم أقل لكم؛ نحن شعب الله المُحتار.

محاولة أولى للفهم

في ليبيا ثمة قاعدة تقول: (اتحب تفهم ادوخ). وهي مقتبسة من التراث التونسي الشقيق، لكنها صارت تستخدم في ليبيا بشكلٍ كبير، تعليقاً واستغراباً لكل ما يحدث في ليبيا، ولا يمكن تفسيره. ففي ليبيا الكثير من الأمور الغريبة العجيبة، منها إن الليبي يسير عكس ما يطلب منه، فقد حكى أحد كبار السن في مجلس: أن الإيطاليين عندما بدأوا في زراعة الزيتون، وبخبرتهم في الليبيين، كانوا يقولون لهم: ماتغرقلاش (أي لا تحفر عميقاً)، فما يكون من الليبي، لا أن يحفر للشتلة عميقاً، عناداً.

هذه القصة وجدتها متداولة بشكل كبير في المجتمع الليبي، وغيرها من الحكايات التي تعكس التفكير السلبي للمجتمع، الذي رغم إدراكه، لم يحاول تغيير مط وأسلوب تفكيره.

محاوله ثانية للفهم

كتبت قبلاً إن ثورة فبراير كشفت المجتمع الليبي على حقيقته، وقالها الكثير غيري، لكني في ساعة تفكر، وجدت نفسي أمام اكتشاف؛ المجتمع الليبي من يومه هكي، بس المرة هادي مافيش عصا. والأدلة كثيرة؛ فمن طبق (البيت لساكنه) و(شركاء لا أجراء)، التنقيز في الحياش،وكنت شاهداً على التنقيز في أحد عمارات (شارع بن عاشور) كان يسكنها أجانب، ومثلها عمارات الداخلي (بزاوية الدهماني)، هذا ناهيك عن؛ (رزق حكومة ربي يدومه)، و(عندي فيه حصه)، و(الطايح مرفوع)، و(لحسني ونلحسك)، و(صحة ليدة خدم على روحه بكري)، و(يا ودي صحة، زوز مليون طلع بيهم، غير كيف لو كان الواحد يدير زيه)، و(باركولي، حصلت خدمه في الضرايب)، و(سيارة الخدمة للقضية، ومشاوي الحوش). هذا غير تاريخ يزخر بالكثير والكثير.

هل المجتمع الليبي فاسد؟

أقول: إنه أفسد، وأعجبه الفساد، فاستمرأه!!!

وبالمناسبة أيضاً؛ يقال: اللي ماجاش ليبي.. فاته الجو كله.

أعتقد إن هذه المقولة أو التعليق لا ينطلق من فراغ، إنها نتيجة مباشرة لما يحدث في ليبيا، من تصرفات فردية أو على مستوى الجماعات، مناطقياً وقبلياً.

فمثلاً؛ ليبيا هي الدولة الوحيدة التي يمكنك فيها الرجوع للخلف بسيارتك في الطريق السريع. وهي أيضاً، الدولة الوحيدة في العالم، التي أنشأت فيها مدرسة وجهزت وصرفت مرتبات مدرسيها، على الورق، وهي –كختام- الدولة الوحيدة في العالم التي يطبق فيها المرتشي نظاماً لتسعيرة الرشاوى.

هذه المقولة بقدر سخريتها السوداء من الواقع الذي تعيشه، تعكس بصورة مباشرة، ما وصل إليه المجتمع الليبي من فساد وتفسخ انعكس بشكل واضح في المعاملات والسلوكيات، حيث لا يمثل القانون الرادع أو المعيار الأخلاقي أو الديني وازعاً.

هامش

يتهمني الكثير بالتشاؤم!!!

والحقيقة أني على العكس تماماً، متفائل وكلي أمنيات بغدٍ سعيد لليبيا، لكن المسالة أني أرى الأمور في سياقها الطبيعي، ولا أحاول التماس الأعذار للسلوكيات أو المظاهر الاجتماعية أو ما يرتكب باسم ثورة 17 فبراير.

ومالاخير.. تحب تفهم ادوخ

*

حفظ الله ليبيا

ليبيات 12.. ليبيا .. تحب تفهم ادْوخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.