أغـــــــــــــــانـــــيـــــنـــــا

طـرابـلـس 6

 

للأغنية أثرٌ كبير في وجداننا العربي، فهي الصورة الشعرية الحديثة، التي لا يُختلف على ما تحققه من تلقي. هذا الأثر الوجداني، يتحول بالنتيجة لأثر ثقافي ينعكس في معرفة وسلوك الإنسان العربي. ولا أعتقد بوجود مجتمعٍ عربي، ولا يمكن فصل المجتمع الليبي عن المجتمع العربي في ارتباطه بالأغنية. وليس لأن كل ما هو ليبي مميز، لكن لأن الذائقة الليبية تتفاعل بشكل تلقائي مع الشعر الشعبي، والأغنية الليبية قوية الصلة بالشعر الشعبي، والتراث الشعبي، وفي ظني إن الأغنية الليبية هي الصورة المغناة للنص الشعري الشعبي. وحتى الأغنية الحديثة استفادت بشكل كبير من التراث الشعبي الليبي. وعندما يتم التعامل مع الأغنية بشكل ممنهج/ مخطط/ مبرمج/ مُسيَّس، من أجل إيصال رسالة بعينها، أو نشر فكرة ما، أو تمجيدِ شخص. عندها تكونُ سِلاحاً فعالاً، وحتى وإن حققت الأغنية شروطها الإبداعية، فإنها تحت هذا المنهج، تكون أغنية صالحة للمناسبات، فقط.

 

وبدون كبير عناء، يمكن لمن يريد البحث، أن يُوجد علاقة مباشرة بين هذا الصنف من الأغنيات (الأغنيات الممنهجة)، والأحداث التاريخية في ليبيا، وهنا أعني المناسبات والمواقف التاريخية، والأحداث. ويدخل في هذا، الأغنيات غير الليبية التي تم استخدامها لذات الغاية. فعلى سبيل المثال؛ ترتبط أغنية (بالشفاء) التي غنتها الراحلة “ذكرى محمد” بذكرى تدفع مياه النهر، وفي المقابل، تستدعي قصيدة (أصبح الصبح) التي غناها الفنان السوداني الكبير “محمد وردي” ذكرى إطلاق السجناء في 1988. كما يمكن للباحث، بدراسة هذه الأغاني، الوصول لذات النتيجة في كل مرة، إنها في غالبيتها أغاني صنعت من أجل شخص، وحتى وإن لم تتغنى به، فهي تتغنى به بصورة أخرى، محاولة إعادة إنتاجه كرمز. وأبلغ أثر للأغنية في المجتمع الليبي، هو قدرتها على إثارة حالة من القلق في المجتمع، فبث أغنية بعينها وتكرارها، أو إعادة بث أغنية قديمة، كفيل بإثارة جملة من التساؤلات عن الغاية منها. في المقابل ثمة مجموعة من الأغاني تم إيقاف بثها، لأسباب تتعلق بأمن البلاد، خشية تأويلها.

كنتُ قد انتهيت من جولتي، واليوم بعدُ في أوله،عندما توقفت منتبهاً لأغنيةٍ مصدرها سيارة توقفت عند الإشارة الضوئية القريبة. كانت الأغنية مصاغة على طريقة أغاني (الراب)، لحن ثابت الإيقاع، وكلمات موزعة عليه. وجدتني أستحضر في تلك الوقفة ما يُبثُ من أغان، وكنتُ أتساءل عن السرعة في تنفيذ هذه الأغاني، من كتابة للكلمات وتلحينها وتأديتها. ومن بعد تجميعها ونشرها على أقراصٍ مضغوطة. وهذه الأغاني تتشابه بشكل كبير في موضوعها، الموجه، وطابعها الحماسي والتعبوي، متخذة من القوالب الغنائية ما يكفل تلبيتها لكل الأذواق، من الشعبي إلى الرّاب. كانت ثمة أغان تذاع بشكل كبير، وتطلب بشكل متكرر عن طريق البرامج الصباحية للإذاعة المسموعة، وأولى هذه الأغاني كانت (تمام سيدي)، تتلوها (ليبيا يا جنة). أما السبق في تقديم هذه الأغاني فكان لكل من؛ الفنان “خليفة الزليطني” والمطرب الشعبي “سمير الكردي”، هذا دون أن نسقط من حسابنا (نشيد الله أكبر) الذي يبث عند رأس الساعة.

من يجرى يقول/ هذا مش معقول

حال سماعي للحن، عادت بي الذاكرة لاستحضار ما غنته الراحلة “ذكرى محمد”:

كل عام نقولوا بنغزوا غزوة حطين/ نلقوا اللي يجينا يذكرنا بـ67

لكن الكلمات التي كان يبثها جاهز الإذاعة المرئية بأحد الأسواق، جاءت على غير ما توقعت:

اللي كبرته وربيته/ واللي علمته وقريته

واللي بعين وحده خليته بغشره عيون

حجم الغضب الذي حملته الأغنية، أكبر مما يمكن تصوره، فقاموسها اللغوي يعتمد على مجموعة من مفردات الخيانة والمن والحساب، وهي بقدر حدتها وضراوتها، تعكس حالة من الإحساس بالحصار والعزلة، حدّ اليأس. هي على العكس من طابع أغنيات المرحلة الحماسية التعبوية.

طرابلس لم تعد تفيق على “عُليّة” وهي تغني (أرض الزهر والحنة)، ولا الشيخ “قنيص” وهو يترنم (صباح الخير على بلدي)، ولا عذوبة “محمود كريم” وهي يصدح (تعيشي يا بلدي). لا وقت لقهوة الصباح ولا رائحة الزّهر، وهو ينتشر من حولها. صباح طرابلس معبأ ضاج:

بيت، بيت/ دار، دار

طهرها يا بوالأحرار

شارع، شارع/ زنقة، زنقة

غير انده يا بومنيار.

_____________________

تنويه: سلسلة المقالات هذه كتبت خلال الفترة من شهر مارس وحتى سبتمبر 2011. في محاولة لرصد أحوال طرابلس الحبيبة.

نشر بصحيفة فبراير 30-10-2011

أغـــــــــــــــانـــــيـــــنـــــا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.