رامز النويصري: نشأنا بانفصال تام عن تجربتنا المحلية

أنا أكتب الشعر ولا أحاول أن أمارس أي سلطة على النص

نصوصنا تميزت بذاتيتها وإخلاصها لتجاربها الشخصية

 

أجراى الحوار: محمد القدافي مسعود

* ألا توافقني بأن رامز مشتت بين الشعر والنقد والأعمال الأخرى، ولم يحقق حتى الآن في أحد هذه الجوانب ما يرغب في تحقيقه؟.

– يظل للإنسان ما سعى.. وكلما ظن أن الهدف قريب، اكتشف أن الكثير من العمل واجب التحقيق للقبض على الهدف (وما نيل المطالب بالتمني/ ولكن تؤخذ الدنيا غلابا).. وأحياناً على الإنسان العمل في اتجاهين، في اتجاهين متوازيين لأن التضاد يعني الاختلاف، وأنا أعتقد أن الشعر والنقد، متوازيان.

بدر شاكر السياب، أبوالقاسم الشابي، أدونيس، نازك الملائكة، هؤلاء الشعراء (كمثال) قالوا في الشعر الكثير، والبعض وصل مرتبة المنظر (أقصد أدونيس) والبعض قعد للتجديد (أقصد نازك الملائكة).. ومع هذا لم يسلبهم أحد الشعر، فالشعر شيء آخر.. شيء غير الجلوس بقصد كتابة مقال، أو قراءة، شيء يبدأ من الداخل، الداخل العميق، لا تحدد أنت وقته، ولا تفعل أياً من أجزائه.. أنت كشاعر عليك ممارسة فعل الترجمة، مستفيداً من أدواتك لأمانة هذه التجربة.

وعندما يدرك الإنسان، ويحدد ما يريد، فلن يكون مشتتاً.. ولأن السؤال موجهٌ لي.. فأنا لست مشتتاً.. عندما أكتب الشعر، لا أحاول أن أمارس ذائقة القراءة على ما أكتب، فأنا لا أشتغل على نصوصي، فالمولود حال ولادته لا يمكن إعادته بداعي القصور والتشوه.. وإن كنت مع الاشتغال على النص، لكني لست بالقادر على هذا الفعل، فأنا لا أملك الشجاعة لتشكيل هذا المخلوق.. فأتركه يقاوم الحياة بما يملك (كما جاء).

أما عند كتابتي للمقالة، أو القراءات، أو الدراسات، فأنا هنا أمارس فعل القراءة والاسترجاع، والكتابة.. محاولاً البحث في ما يقوله النص، لذا فإن النقد (من وجهة نظري) عملية استقرائية، لا عملية تقييمية، للقول بأن النص جيد/ غير جيد.. فالنقد قراءة أخرى للنص، قراءة مغايرة، قراءة بمستوى/ مستويات مختلفة، ومخالفة أحياناً، أنا أنطلق من هذه النقطة، وعلية يكون إخلاصي للنص فقط، ولا إخلاص لكاتبه، فأنا يهمني النص، الأثر الباقي، والنهائي، لا الكاتب المستمر المتغير، فالتعامل مع الثابت في الغالب أكثر سهولة من متابعة دالة متغيرة.

أما مسألة التحقيق من عدمها، فهذا أمر ليس بمقدوري عرضه.. ولا أعرف معنى التحقيق الذي قصدته.

شخصياً، أكتب نصي الشعري، أمارس فيه تحليقي وعربدتي، أجاوز فيه نفسي، مستهلكاً كل ذخيرتي برضا.. أما ما أكتبه من مقالات وقراءات، فهي تحقق التواصل، وإن بعد حين.. والمعنى أني راضٍ عن نفسي تمام الرضا.

* أنا أري أن رامز برز كناقد أكثر منه كشاعر، فهل تؤيد ما أرى أم تعارضه؟

– سؤالك هذا يلغى سؤالك السابق.. فإن كنت برزت كناقد (وإن كنت أراها كبيرة)، فهذا يعني أنني حققت شيئاً في جانب، وعلي الصبر لتحقيق النجاح في الآخر.

لكن ما علينا.. لك الحق في القول، ولي الحق في مواصلة تجربتي.. أنا أكتب الشعر ولا أحاول أن أمارس أي سلطة على النص.. أما النقد فالأمر مختلف.

أنا أعتقد (وهذا من وجهة نظري) أن النقد انتهى، بمعنى أن تكون هناك مدارس وتنظيرات، فالحادثات تؤكد في كل يوم، البعد عما تقوله التنظيرات، حتى خرج الأمر عن السيطرة، فالأشكال الحديثة صارت تهرب من الجاهزية، ومحاولات التنظير، فالناقد يحاول أن يحبس النص داخل دائرة معينة، ممارساً فيها كل ما تعلمه ولقنه.. عليه فأنا أتمسك أكثر وأستعمل مصطلح (القراءة) فهو وإن كان فضفاضاً (قليلاً)، إلا أنه يعين لتجاوز النظرة المسبقة للناقد المدجج بالنظريات والتنظيرات، وأدوات الهدم التي تنحت في جذر النص حد القلع.

أنا أمارس قراءاتي الخاصة وأكتبها، ما أكتبه هو تفاعلي الحقيقي والنص، فأنت لن تجد منهجاً محدداً، ولن تجد أياً من المصطلحات، أنا أصوغ ما أريد من مصطلحات، دون أن أدخل سبق الجودة في النص.. وأعتقد أني حققت بعض النجاح في هذا الجانب.

* ألا تري إن تضخم الأنا لدي عدد كبير من الشعراء والكتاب في ليبيا، صار شيئا لم نعهده سابقاً؟

– وألا ترى معي أن الأنا في أحد المراحل، كانت صنو التجربة الشعرية.

ومع هذا فإن الأنا ضمن حدود الذات شيء جميل، وممتع أن نحاور ذواتنا ونستخرج كـوامنها.. أما سبب هذا التضخم، فأعيده للمناخ الثقافي في بلادنا، وانفصال وحداته المكونة له، فالشعراء يعيشون حالة انفصال كبير عن بعضهم، ونحن نعلم أنه حتى هذه اللحظة لم يتكون اتجاه شعري أو مدرسة شعرية في بلادنا.. ولأن الشاعر يعيش في عزلة عن الآخر (الشاعر) وعن الآخر (المتلقي)، يتواصل من خلال القراءة فإن صورته مساحته في المرآة تظل تكبر كل يوم، حتى لا تعود تحتمله.. إن ما يحدث هو صنيعتـنا نحن، ونحن فقط من بيدنا الحل.

* من هو المتميز الحقيقي في رأيك؟

– المتميز الحقيقي!!؟؟.

من وجهة نظري، تحقيق الإيجابي في سواد السلبي.

* أين وصلت…؟

– أعتقد أني مازلت أسير، فكلما وصلت مكاناً ظننت فيه راحتي، اكتشفته باباً لدرب جديد.

* هل يمكن أن نعتبرك شاهدا على مرحلة ثقافية؟.. أم أنك جزء من هذه المرحلة؟؟

– للشاهد مجموعة من الضوابط، حتى نثق في شهادته، فلا يعني مجرد التواجد ضمن حدث ما أنه يمكن الثقة في شهادة المتحدث.

أما الإجابة: فنعم.. أنا جزء من هذه المرحلة، المرحلة التي أعايشها، ولا أستطيع أن أكون شاهداً على مرحلة مازالت لم تقبض على معالمها بالكامل، مرحلة غير واضحة المعالم، هي خليط موزع في مجموع.

أنا فقط، استطيع الحديث عن مرحلتي، وما يحفُ بها، دون أن اضطلع بمهمة الشهادة، لأني بكل مصداقية سأكون منحازاً، مما يفقدني أهم شروط الشاهد، الموضوعية.. وسأسميها قراءة، تهرباً وخيفة من الأحكام التي عادة ما تؤخذ في الشهادات، سأقول:

عندما بدأت الكتابة لم أجد أياً من شعراء ليبيا يحفني، لم أجد ظاهراً إلا: سميح القاسم، بدر شاكر السياب، بدوي الجبل، الجواهري، محمد الفيتوري،… ، وغيرها من كتب الشعر التي كنت أجدها في مكتبة جارنا، والتي كنت أستعيرها وأطالعها، حتى تعرفي فجأة على الشاعر “علي الفزاني” من خلال أحد أعداد مجلة (الثقافة العربية)، هو أول شاعر ليبي عرفته، كنت بعد في مرحلتي الثانوية، أحب القراءة وأفضلها على كتب الفيزياء والرياضيات، في تلك الفترة بدأت مراسلة برنامج (ما يكتبه المستمعون) للقاص “سالم العبار” وبدأت التعرف إلى مجموعة من الأصدقاء المهمين (بحق): مصباح البوسيفي، خالد شلابي، أم الخير الباروني،… ، وغيرهم من الأصدقاء الذين يؤسسون جيل التسعينيات في ليبيا.. في العام الدراسي 91-1992 دخلت الجامعة وبدأت الدراسة، وبدأت النشر في صحيفتي: الطالب، قاريونس.. ومن بعد مجلة: لا، الكفاح العربي، الشاهد.. كما لم تغب مشاركاتي في الأنشطة الثقافية الطلابية، خاصة الأمسيات التي كانت تقيمها (كلية الصيدلة) بإشراف الشاعرة “أم الخير الباروني”.. تعرفت إلى شعراء ليبيا وحاولت كجهد شخصي مني أن أحيط بهذه التجربة، ولمت نفسي كيف أظل هذا الوقت دون أن أعرف شعراء بقامة: علي صدقي عبدالقادر، علي الفزاني، حسن السوسي، راشد الزبير، مفتاح العماري، عبدالرحمن الجعيدي، فوزية شلابي، عاشة المغربي، وغيرهم الكثير، وعزمت ألا أقرأ إلا نتاجنا الشعري الليبي، من قديمه حتى حديثه (الآن).. وحاولت الإحاطة بكل ما كتب عنه.. وأستطيع أن أقول عن التجربة الشعرية في ليبيا كمرحلة أولى:

– إن تجربتنا الشعرية في ليبيا تجربة أصوات شعرية، ولا تمثل تجربة أو اتجاهاً شعرياً (تناولت هذا في أكثر من مقال، وفي سؤال سابق).

– بالتالي هذا يفترض أنـّا لا نستطيع التحدث على تجربة، بقدر ما نتحدث عن نتاج شعري، يقوم هذا النتاج الشعري/ الفردي على وصف/ وسم مرحلة ما، في تاريخ الشعرية الليبية.

– هذه التجربة تفتقد إلى التواصل، فهي تنشأ في أفرد (أصوات) موزعة، لا يؤثر فيها الزمان ولا المكان، كل مستكفٍ بنفسه عن البقية، مخلص للنهج الذي تربى وارتآه.

أما عن مرحلتي، التي عشتها:

– فنحن نشأنا بانفصال تام عن تجربتنا المحلية، وأقول انفصال حتى لا أعني إمكان الوصل، فهذا الفصل عاد للوصل من جديد، لكنه كان متأخراً، حتى بات من المستحيل إيجاد أثره في تجربتنا الشعرية، حتى الثمانينيات القريبة منا لم نجدها حاضرة، لنسمعها بشكل مبكر، لذا أسميتها (الثمانون الغائبة) وهي ورقة تناقش هذا الموضوع.

– ومنذ البداية لن تمت نصوصا لنصوصها السابقة بشيء، نصوص تخالف السائد، فهي تتقصى سيرة النص الحديث (وإن لم نكن نفهم ما معناه في البداية)، لكن أستاذنا الذي تتلمذنا عليه هو من نبهنا لهذا، فكلنا بدأنا بالنص التقليدي، وخرجنا للتفعيله، وقفزنا مباشرة للنص الحديث، قد لا تكون تجربتنا السابقة كبيرة، لكن المسائل لا تقاس بالتاريخ بقدر ما تقاس بالوعي (اليابان أكبر مثال لهذا)، ومع هذا فإنك تجد النص الحديث يجاور النص التقليدي، يجاور النص التفعيلي في ذات المجموعة.

– نصوصنا (واعذرني كوني أتكلم بالجمع)، تميزت بذاتيتها، وإخلاصها لتجاربها الشخصية، وهو وعي وتعويل مبكر على هذه الذات، وهو وعي فرضته المرحلة، وإنك لتجد هذا في النصوص التي نشرت بشكل مبكر، وستلاحظ إن العاطفي والوجداني لا يشكل متناً واضحاً في هذه التجربة.

– هذا الذات التي بدأت بالتشكل أخذت زخرفها وازينت، وتحولت إلى أسطورة يحكيها الشاعر ويعلنها على الملأ.. يتسلقها ويصنع من الحكايات الحافة متناً لهذه الأسطورة.

– هذه المجموعة كبرت، مع بدايات القرن الجديد بدأت المجموعة تكبر وتتسع مساحتها الشعرية على جغرافيا ليبيا العظيمة، وتحولت إلى صوت فرض نفسه وأكد حضورها وجدوى نصه، في أكثر من محفل، حتى استضافت رابطة الأدباء والكتاب الليبيين أمسية خاصة بهؤلاء الشعراء الشباب.

– قبل أن أختم رغم الكثير الذي يمكن قوله، أقول:

.. أني أستغرب مما أثير وأسماه البعض: حرق المراحل، قتل الأب، وغيرها، والذي حاول البعض من ورائه رد الحقيقة أو حجبها بغربال (واسع الفتحات).

.. وأستغرب أيضاً ممن يتحدث عن الشعراء الشباب في ليبيا ويذكر: مفتاح العماري، سالم العوكلي، محي الدين محجوب،…

.. وأستغرب أكثر، من استمرار هيمنة الخمسينيات، والستينيات والسبعينيات على الواجهة الثقافية في بلادنا، وعلى كل حال هذا ليس في ليبيا فقط، بل في الوطن العربي إلا ما ندر.

.. ويؤلمني أكثر انسحاب بعض المبدعين الشباب عن الساحة، من الذين حولتهم الحياة إلى ترس يعمل في اتجاه واحد: عبدالحكيم كشاد، معمر الزائدي، مصباح البوسيفي، خالد شلابي،…، الذين تميزوا بحق وكتبوا نصهم المميز.

نشر بمجلة أفق الإلكترونية.. بتاريخ: 28/06/2005

رامز النويصري: نشأنا بانفصال تام عن تجربتنا المحلية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.