الكتابة من الدّاخل

الصورة: عن الشبكة.

يحسب للإنترنت تحقيقه لما يمكن تسميته بـ(ديمقراطية المعرفة)، وعدم الاعتراف بالمسافات، أو الحواجز، بل إنه من خلال منصات التواصل الاجتماعي، صار لكل متصفح أو صاحب حساب، أن يكون جهازاً إعلامياً مستقلاً.

في أكثر من مناسبة، شفاهية أم مكتوبة، إن منصات التواصل الاجتماعي، وبشكل خاص الفيسبوك، أعاد إحياء بعض الأشكال الإبداعية، والتي اختفت لبعض الوقت، عندما انتهي عصر المنتديات، ومن بعدها المدونات، كالخواطر، والشذرات، والصور القلميّة، والكتابة النثرية الحرة، وهي وإن تشابهت فيما بينها، إلى أن ما يجمعها هي إنها أشكال كتابة أدبية، تمكن من التعبير المباشر عما يدور في النفس، أو يعتمل في الفكر، وهي أشكال بسيطة يمكن لمحبي الكتابة ممارستها، دون أن يكون ثمة قواعد أو قوانين أو أنماط تجبر على الكاتب اتباعها، كالشعر أو القصة -على سبيل المثال-.

بالمناسبة هذه الأشكال الإبداعية في الكتابة، هي أشكال كثيرا ما كانت تنشر عبر الصحف والمجلات، وعبر بعض البرامج الإذاعية، وثمة أسماء كان لها حضورها في كتابة الخاطرة، وللأسف خانتني الذاكرة في استحضار أحد هذه الأسماء، لأحد الأخوات التي كالعادة كانت ترسل نصوصها مذيلة باسم مستعار.

هنا سأتوقف مع تجربة كاتبة، كان الفيسبوك مكان اللقاء، ولازال، تكتب نصوصا أدبية بين الخاطرة والصورة القلمية والشذرات. وبشكل مباشر أستطيع القول أن أكثر ما استوقفني في نصوصها، هو صدقها، فهي لا تكتب نصوصا تحاول من خلالها إبهار القارئ، بقدر ما تسعى إلى إدخاله ذمن دائرته، ومشاطرته ما يحمل من هموم، أو أفكار، وهي تؤكد ذلك بقولها عندما تقول:

(كتاباتي قد تتحدث عن الحزن، عن الوجع، عن البؤس، عن الفقر، فهل كل هذه الصفات تمثلني؟ ليس بالضرورة أن كل ما أكتبه هو أنا، أو إنه يمثلني، فوالله في بعض الأحيان، تدخل بعض صديقاتي على الخاص لتسألني ما خطبي؟ وما الذي حدث معي لمجرد الفضول لا أكثر؟ فأشعر في تلك اللحظة بالحزن لأنني لا أستطيع أن ألتقي فكريا بهم.)

هذا الربط بين الكاتب وما يكتبه، وإسقاط كليهما على الأخر، حقيقة يواجهها الكثير من الكتاب، وغالب من يستخدم الفيسبوك للكتابة من خلال المنشورات، وأرجع هذا لسببين؛ الأول طبيعة العلاقة بين كاتب المنشور (الكاتب) والقارئ، فالصفة التي تجمعهما على منصة التواصل (صديق)، والثاني هو مقدار الصدق والحقيقة فيما ينشره الكاتب (أو الكاتبة).

ونعود لكاتبتنا التي تؤكد: (أنا أكتب عن كل شيء! وأناضل من أجل أشياء تستحق أن أناضل من أجلها.)، وتضيف: (وفي نفس الوقت أقول لكم؛ بعض كتاباتي هي أنا، تشبهني، تجسدني، تمثلني، ولكن لتبقى غامضة!).

تقول في أحد كتاباتها (وأحيانا يمر في ذاكرتي طيفٌ حالمٌ يداعب ذكرى قديمة تسكنني، فتستيقظ الروح، وبها لهفة عارمة لمحاكاة تلك الذكريات بشغف، وتتحرك المشاعر لتخرج من سباتها الذي افتعلناه لها.. هي ليست بميتة! ولكن نحن في كثير من الوقت نحاصرها نكبتها..) وفي نص آخر تقول (كنت عندما أطلب من التلاميذ كتابة موضوع التعبير أو الإنشاء، أحدثهم بأنه يجب وأن تكون هناك رسمة جميلة تحاكي الموضوع. أي أن يكون الموضوع مكتوباً ومرسوماً، لأنني أوقن جيداً بأن هناك من يستطيع أن يقول من خلال الرسم ما لا يستطع قوله من خلال بعض أسطر سيكتبها، فاعتبرت رسمة كل طالب بالنسبة لي كمعلمة تتحدث عن أشياء قد لا يقولها من خلال كتابته للموضوع، وأستطيع أن استشف ذلك من خلال الرسم.) من الخيال إلى الواقع ومحاولة تحريك خيار التلاميذ؛ تتحرك الكاتبة “فائزة محمد بالحمد” أصيلة مدينة المرج، وابنة أحد الشعراء الفحول في الشاعر الشعبي “محمد بالحمد“، حبها للكتابة جعلها تداوم على الكتابة وتثابر من أجلها، بالرغم من طبيعة الحياة الاجتماعية المحافظة، حافظت “فائزة” على شغفها وحبها للقراءة والكتابة، شاركت من خلال النشاط المدرسي وتفوقت، ونشرت في الصحف المحلية، وبغيابها غابت، حتى استطاع الفيس أن يعيد اكتشافها من جديد.

“فائزة بالحمد” تكتب نصها وهي تتكئ على رصيد من القراءات وتجربة متصلة بالتراث الشعبي، وبمحيطها الصغير، إلى الدائرة المحيطة الأكبر وطنيا وإقليميا. صدقها وشفافيتها تجعل من نصوصها تتسلل بسهولة إلى داخل القارئ، هذا ومع تركيزها لفكرتها في نصوص قصيرة مقسمة إلى فقرات، بلغة بسيطة جعلت نصوصها مناسبة لمنشورات منصات التواصل، وبشكل خاص الفيسبوك، ما جعل القارئ يرتبط بها وبنصوصها، وأيضا بناء علاقة جيدة مع منشوراتها، دون أن يشعر بالملل أو التكرار.

“فائزة بالحمد” كاتبة مميزة، تنوع في أساليب كتابتها ومفرداتها، وهنا أدعوكم لقراءة نصوص الكاتبة إما عبر حسابها على الفيسبوك، أو من خلال موقع بلد الطيوب؛ فوقتا ممتعاً!!

الكتابة من الدّاخل

4 تعليقات على “الكتابة من الدّاخل

  1. سالمة الغالي يقول:

    نشكر الأستاذ رامز النويصري على هذه القراءة الماتعة التي اقترب فيها من نصوص بنت المرج الأستاذة فائزة محمد بالحمد. وهي كاتبة وإن كانت غير معروفة للجميع إلا إنها تمتلك قلما مميزا وقادرا على نقل المشاعر والأحاسيس.

اترك رداً على رامز رمضان النويصري إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.