هواجس السرد

قراءة في روية (هواجس الضفة الأخرى)، لـ”عبدالسلام سنان”.

رواية هواجس الضفة الأخرى للكاتب عبدالسلام سنان

لعل أهم ما يميز الرواية، كجنس أدبي، مرونتها وسقف التجريب العالي فيها، بالتالي فهي لم تتعرض لما تعرض له الشعر من نقد وهو يدخل الحداثة، وما بعد الحداثة، سواء على مستوى الشكل أو المضمون.

أقول هذا؛ لأن الكثير مما قراته خلال السنوات الأخير من أعمال روائية ليبية، هي ليست مجرد أعمال أدبية، بقدر ما هي محاولات للتجريب، والتجديد، والاختلاف، بداية من موضوع الرواية إلى تقنية كتابتها، وهو ما سأتوقف عنده هنا.

لن أتناول موضوع الرواية أو حبكتها، أو حتى الشخصيات، بقدر ما سأتوقف عند تقنية كتابة الرواية ذاتها، وفي ظني هي الركيزة التي عول عليها كاتب الرواية في هذا العمل الذي انتهيت منه قبل يومين. وهي رواية (هواجس الضفة الأخرى) * للكاتب “عبدالسلام سنان”، فما الذي اختلف مع هذه الرواية؟

ما اختلف في هذه الرواية، واعتبرته تجربة مختلفة، هو تقنية السرد التي اعتمدها الكاتب، بحيث لم يأتي السرد مجرد وعاء لحمل رسائل الكتب وأحداث الرواية، إنما كان السرد مشروعا إبداعيا إلى جانب أحداث الرواية، اعتمد فيه الكاتب على اللغة الشعرية، وهذا غير مستغرب من شاعر، يكتب قصيدة النثر إلى جانب السرد التعبيري التي أبدع فيه، وهو النص الذي عرفني إلى الكاتب “سنان”.

فما إن نلج الصفحات الأولى لهذه الرواية حتى نجد أنفسنا، أمام جهد لغوي واضح، عمل عليه الكاتب بجد حتى يكون السرد مميزاً وقادرا على شد القارئ وإدهاشه، واللعب على وتر التوقع. ويمكننا رصد هذا الاشتغال في ثلاث مستويات:

المستوى الأول؛ ويختص باللغة ذاتها، حيث نشهد في هذا العمل الكثير من المفردات ذات القدرة على الوصف والدلالة، وهنا كان لابد من الاستعانة بقاموس اللغة في ذلك، ومع هذا ابتعد الكاتب عن غريب اللغة ومهجورها ووحشها.

إنه يركز على ما تمنحه المفردة من دلالة وما تستطيعه من تحريك الراكد في ذاكرة المتلقي، القارئ للرواية، وما يتطلبه المشهد لتكتمل الصورة، بالاعتماد على ما يمكن للمجاز تحقيقه. ويبدو إن الكاتب قد وضع نصب عينيه القارئ، لذا كانت اختياراته على مستوى المفردات انتقائية في بعضها وموجهة لقارئ بعينه.

المستوى الثاني؛ يعكس اهتمام الكاتب ببناء الجمل، حيث يتحول الاهتمام إلى بناء نسق يمكن من صهر تجربة الشعرية، ونقصد قصيدة النثر، باعتماد الجملة الشعرية كوحدة بناء، وفي ذات الوقت تمكنه من الاستمرار بذات الإيقاع حتى نهاية النص.

فهنا تأتي الجمل كوحدات بناء أساسية يعول عليها الشاعر في إيصال الرسائل وحمل الدلالات، خاصة وإنها جمل تحاول أن تكون مكثفة ودقيقة الرصد. لذا فهي اختلفت في طولها واتصالها. وهنا استذكر تجربة الشاعر “عاشور الطويبي” في روايته (مرسى ديلة)، التي تأتي على الجانب الآخر من هذه الاشتغال.

في المستوى الثاني ألمحنا إلى مسألة استفادة الكاتب “عبدالسلام سنان” من تجربته الشعرية، فيما يخص بناء الجمل، الذي منحها بعدا رأسيا لتوقيع إيقاع النص، وهنا في المستوى الثالث؛ نشير إلى استفادته أيضاً من تجربته في كتابة ما يعرف بـ(السرد التعبيري)، من خلال الاعتماد على كتابة نثرية شاعرية، استطاعت أن تستفيد من براح الرواية بالتوسع أفقياً. بذا استطاع الكاتب “عبدالسلام سنان” أن يحقق معادلته في هذه الرواية. وربما هذا ما جعله يبدأ في كتابة عمله الروائي الثاني.

هذه المستويات الثلاثة هي أكثر ما اجتهد الكاتب في العمل عليه، في هذا النص الروائي السردي الخالص للسرد، الذي أكثر ما يبهرنا فيه ويشدنا إليه، ويستبقينا ويدهشنا هو هذا الاشغال اللغوي، ليكون الشاعر في موازاة الروائي. وفي ظني إن الشاعر كانت له اليد العليا!

عمل روائي مميز، يجعلني أؤكد التميز عندما يكتب الشعراء الرواية، لأن النتاج سيكون نصا قادرا على استحضار طاقة الشعر، وقوة الرواية.


* عبدالسلام سنان (هواجس الضفة الأخرى)، رواية، مكتبة طرابلس العلمية العالمية، طرابلس 2020م.

هواجس السرد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *