الحكايات في مسك الحكاية.. قراءة في (مسك الحكاية) للشاعرة: جنينة السوكني

 

[1]

النص الشعري، نص يمثل المرحلة، بمعنى أن النص الشعري نتاج مرحلته، تقولها ويقوله، من هذه النقطة يمكننا فهم آلية الشعر الحديث، والوقوف على عتباته ومساربه الكثيرة التي يرتادها بحب. ووعينا بهذا المدخل يؤهلنا لدخول النص الحديث دون أيٍ من أنماط التقليدية أو حكايات الشعر القديمة.. فالشاعر الحديث يدرك أنه لا يتعامل مع آليات جاهزة، ولا يتعامل مع قوالب تفترض أن يتعامل معها بما تريده هي لا ما يريده أو يراه هو.. هذه الأسطر أتخذها مدخلاً أول.

 

مدخلي الثاني.. ألمح فيه لمجموعة من الكتابات كنت كتبتها حول الكتابة النسائية (دون أي نية للتجنيس)، كون الشاعرات اندفعن في تجربة النص الحديث، واستطعن أن يكن نسيجاً مميزاً في تجربة الشعر الحديث في ليبيا، ومحاولة الشاعرة أن تمارس حريتها من خلال النص، حريتها التي تريد دون أي من أشكال الوصاية، فالكثير من الأسماء تؤكد حضورها، وتعمل بجد من خلال نصها.. نقطة أخرها ألتقطها، البوح ورغبة الكشف المتمكنة من نص الشاعرة، التي تقود رحلة اكتشافها الكبيرة.

 

 

[2]

أما موضوع قراءتنا هذه فهو (مسك الحكاية)* للشاعرة “جنينة السوكني” –رحمها الله-، ولأنها المجموعة الأولى، وعادة ما ابتني علاقتي مع النص، فإني أنطلق من مرجعية علاقتي بنص الشاعرة خارج المجموعة (ما كان ينشر لها في الدوريات المحلية)، بنية أن لا تكون قراءتنا موقوفة على المجموعة فقط.

بداية أجيز لنفسي أن أصنف هذا النص، في الخانة (ب)، وأقصد أن النص (وبالتالي الشاعرة) ينتمي إلى النص الهادئ، فلقد عمدت ذات مرة إلى تقسيم تجربة الكتابة النسائية في ليبيا إلى: أ/ نص صاخب، ب/ نص هادئ.. ولكي تتحقق الصورة أتمثل تجربة الشاعرة “حواء القمودي” صديقة الشاعرة مثالاً للصنف أو الخانة (أ)، فعلى خلاف تجربة “حواء” الضاجة الصاخبة التي تستنطق كل المفردات، وتبثها ثورتها، وتصرخ في الآخرين بقوة، وفي الكثير تلعب على الملموس فينا.

يأتي نص “جنينة” نصاً هادئاً ومنساباً بلا ضجة، يتسلل بهدوء، يناغي أكثر ما يناغي فينا الحس، وما يثيره من تواطؤ على مستوى الشعور، بمعنى أن النص يبحث في المحسوس، نص لا يغرم بالضجيج، والاجتماع حوله، يذهب إلى من يريد، بنية الإيناس.. ولنقتنص بعضاً مما احتواه الغلاف الخلفي:

كأني أخسر كل شيء

وكأني أتلذذ خسارتي

جرح ثملٌ بملحه

يراقص خيبات

كم عمرك يا خرائط كفي.

كم شجبت مقعدي في هذا المسرح الكئيب؟..1

 

مخافة الذهاب بعيداً، أوجه نظري مباشرة إلى المقابلة الحادثة (أخسر/أتلذذ) فالشاعرة لم تكتفي الخسارة، حتى يكون التلذذ ما يقابل هذه الخسارة.. نظرة أخرى (ثمل/يراقص) فالثمل في أحد تجلياته تجربة راقصة، حالة تدفع للرقص، وحتى يؤكد النص أنه لا يتجاوز أفعاله، فإن طاقة ما يستطيعه هو الشجب، مجرد الاعتراض دون دفاع (كم شجبت مقعدي في هذا المسرح الكئيب؟)، وفي النهاية يعود النص ليؤكد أنه لا يحتمل إلا ما يمكنه، فيكون الوداع الصورة المثلى، نقرا: (أعلنت الوداع/ كأني أخسر كل شيء/ وكأني أتلذذ خسارتي)، النص يحتفي بالخسارة دون أي محاولة للدفاع مقابل حالة الفقد.

 

حكاياتنا يا صديقتي

تنمو كتلك الشجرة

تألف السكون العابث

وحين تغضب

تصرخ برفق

وإن تفاقم الغضب

تنفجر في صمت..2

 

لو حاولنا مراقبة نمو الشجرة، لوجدنا أن (السروة) تطاول السماء في هدوء، وأنها تستمر مادامت لها الحياة -بطبع الهدوء-، وهي حتى في الريح ينتهي صوتها في عصفها، ولحظة أن تتأكد أنها لن تقدر المجالدة، مجرد فرقعة تكون بعدها ممدة، هذه الصورة بالصخب الذي تحمله الحياة فيها، أعاد النص إنتاجها كما يريد في هدوء.

 

لمليكة تفوق الخرافة

هادئ

يبدو هياجي

واحتجاجي،

يغمره السكون.. 3

 

إن ما يتداول داخل هذه الدائرة (المغلقة) هو الهدوء، هو التسرب برفق. فالنص لا يعترف بالمواجهة، أو الصراخ معلنا احتجاجه، إنه يبحث كيف يتسلل برفق إلى الداخل، يناغي إحساساتنا، يشاغبه. (المليكة) التي تفوق الخرافة وتجاوزها، تغرينا بالتقدم (هادئ يبدو هياجي)، وأننا عندها لن نخذل ولن نصدع (واحتجاجي يغمره السكون).

 

 

[3]

إن الحكايات في (مسك الحكاية) حكاية أنثى تبحث عن مكانٍ هادئ لها في هذا العالم الصاخب، إنها تنشد السكون لنفسها، وتهندسه. فهي تراه حالتها وسلمها، وحياتها القادرة على البذل من خلالها (أهكذا/ أقبض كفاً مبسوطة/ حملتها الصّباحات/ دفء الصبية؟!!)4، هذا البحث عن الراحة/ السكون/ الهدوء عمل على إثارة مفردات النص باتجاه ما يريد بلوغه من سلام مع النفس وتوحد، فلم يحفل بداخله لم يحفل بالبحث في المفردات الشخصية، بمعنى أن النص لم يكتب نفسه، تخطى جسده (الجسد ككيان قابل للطرح) للأفق الأكثر رحابة، حيث تنتفي الصور المادية المحسوسة، إلى ما يمكن مخالطته والانتشار به (أنسيتني/ أن أغمس لعبتي/ في سحابة الوجل/ وأعيش أياماً لي/ وأياماً..)5.

 

الشاعرة لم تحتفي بما هو لها، بما تملكه وتتمكن منه/ويتمكن منها، لم تغامر به، اختارت أن تغامر بعيداً عن رهانه، بعيداً عن رهان الجسد (هذا يعيدنا لحسبة تصنيفنا في بداية القراءة)، إنها تختار لغة تشترك فيها والأخر، دون أن يعنينا هذا الآخر، لأنها تنتظر فينا مشاركتها هذه الرسائل، هذه النصوص، نشوة إعادة قراءتها.

فلم يحاول النص الزج بنا في صور مركبة، ولا أن يخاتل فينا معناه، لقد أشركنا مباشرة وإياه ما يريده، هذا نراه يتجلى في تركيب الجملة الشعرية، فهي جملة تحاول أن تستوعب لحظتها، رغم إجراءات القطع الممارسة عليها.. (أم كنت تدري أن السحر/ الذي أودعته القلوب/ ستأخذه وهدة القفر)6، هذا النص الذي ترثي فيه الشاعرة الراحل “جيلاني طريبشان” تعمد الشاعرة إلى قطعه دون أن ترسل الجملة تامة (أم كنت تدري أن السحر الذي أودعته القلوب ستأخذه وهدة القفر)، وهذا إجراء تحاول فيه موافقة ما أسمية بـ(أدائية النص)، وهي محاولة إيجاد صيغة نظم وتوقيع للنص، وهي صيغة محسوسة تعتمد أداء أو فعل قول النص.

ملاحظة أخيرة أقفها تتعلق بمرجعية الشاعرة في تكوين تراثها الشخصي الذي يظهر في مجموعة من المفردات (الصبا/ السراب/ المقدس/ الطوفان/ الخرافة/ …)، وأيضاً يظهر في خطاب النص (ليست لي تلك الموائد الباذخة// يفك أزرار الحكمة ليطلع على صدر الإله المخبأ//…)، إنه يقدم لنا إرثها الذي يعود على كنز الرومانسية الكبير.

 

ويظل النص، فعل يستحق منا إعادته في كل مرة، فهو دالة لا تنتهي من القيم المفتوحة على المطلق، التي تدلنا أين هو الشاعر في داخل هذه اللعبة، فاتحة الأفق أما ما نريد، ويريد.. إن “جنينة” تقول نفسها كما تريد، وتسرب لنا أحلامها دون شعور بالوخز أو الانتشاء، فالشعر يظل أبداً حلقة من نقطتها البداية/من نقطتها النهاية.

____________

* جنينة السوكني (مسك الحكاية- شعر) منشورات المؤتمر / طرابلس-2005.

1- نص: الخسارة/ ص:12.

2- نص: حكاياتنا/ ص:13.

3- نص: مسك الحكاية/ ص:24.

4- نص: الأغاني تهجر الحناجر/ ص:28.

5- نص: أنسيتني/ ص:37.

6- نص: قميصك المشجر/ ص:55.

نشر بموقع صحيفة ليبيا اليوم

الحكايات في مسك الحكاية.. قراءة في (مسك الحكاية) للشاعرة: جنينة السوكني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.