نـثر اللحـظة.. قراءة في مجموعة (كـذبة مثـل أرواحـنا)*

[1] تعتمد المنظومة الشعرية العربية بشكل رئيسي على الزمن كوحدة إيقاعية ضابطة، بحيث ينضبط البيت على مجموعة من التفعيلات أو الوحدات الزمنية المتكررة، بالتالي فالنص الشعري التقليدي منظومة زمنية ثابتة، وبالتعبير الرياضي معادلة بارامترية ثابتة، ويعود ذلك لثبات الوحدة الزمنية المتمثلة في مجموعة الوحدات الزمنية في البيت، وهي عامة وحدة متكررة تحقق الثبات، حتى ونحن نناقش الموشح، فكونه يعـتمد وحدة إيقاعية ثابتة يظل أسير التكرار، والشكل الثابت.

بالنظر لقصيدة النثر، نجد أن الأمر يختلف حد التعقيد، فنحن نقف أمام منظومة شعرية لا تعتبر نظاما زمنيا ثابتا، إنما نمطاً زمنية لا محدداً، لا محدوداً، غير ثابت، هذا يمنح النثر قدرة الخروج عن الثبات، واحتياجنا إلى معادلة بارامترية لتمثيله رياضيا، ولن يكون من السهل، الحصول على هذه المعالة، دون العمل على أكثر من معادلة في ذات الوقت.

– هل يمنح هذا قصيدة النثر تميزاً عن القصيدة العربية التقليدية؟

حقيقة، نحن لا نبحث في تميز النص عن نص، فالنص خارج التنظير حشد لغوي، ونسـقٌ أدائي محددٌ في مجموعةٍ من العباراتِ والجُـمل، لغاية متقصاة. إنما القـصد محاولة البحث في ما يمكن للنص، ومن أشكالِ الإمْكان الزمن كمكون تفصيلي لقياس درجة توتر النص، وانفعاله. فالقاعدة بشكلها البسيط إن الوحدة النغمية/ الإيقاعية هي في وجهها الآخر وحدة زمنية تقاس على السلم الموسيقي، وتعني مقدار ما يأخذا النغم من مقدار، ويمكن إطالة الزمن بتحفيز النغم، وفي القصيد العربي التقليدي يتمثل هذا في الانتقال بين الحركة والسكون، وضبط هذه الحركات في صورة وحدة هي البيت وهو في ذاته يمثل مجموعة من الانتقالات تعرف الواحدة منها تفعيلة، وهي التي استغلت بشكلٍ واضح في تجربة الشعر الحر (قصيدة التفعيلة)، التي حاولت أن تعتمد الوحدة الأساس كنظام ضابط للنص، الأمر من بعد اختلف في قصيدة النثر التي لم تعول على هذه الحركة الإيقاعية، بالتالي اختفت من النص الوحدة الضابطة، وهذا ما أوحى بسهولة قصيدة النثر، وبينما تتخلى قصيدة النثر عن الانضباط/ الزمن، تمسكت أكثر بالنـثر وعملت على مكونها الجدير الحالة/ الصورة/ المشهد وهي صورة لوحدة زمنية تقريباً تساوي صفر (أو أقرب للصفر)1.

[2] لكن قصيدة النثر وهي تستثمر النثر لصالحها، أوجدت معادلتها الزمنية الخاصة المتمثلة في تفتيت اللحظة، أو استخدام السرد محفزٍ للتداعي، وهنا يستهلك الشاعر لحظته بتفصيلها، خاصة وأن الشاعر الحديث، شاعرُ لحظته الراهنة، شاعرٌ يحاصره الزمن بالسرعة فلا يعود له إلا لحظته، يتأملها في عزلته، فالشاعر الحديث لم يعد يملك الوقت للوقوف، أو الاستذكار عليه فقط التقاط لحظاته، وإعادة إنتاجها في لحظة عزلة قصيرة ليعود من بعد.

[3] ونبدأ الدخول لهذه المجموعة، لنصوصها الـ7، والتي لم تشغل الكثير، ولم تذهب بعيدا في القصر، إنما اختارت أن تكون قصيدة نثر بشكل يخالف السائد، فلم تنزع لتكون في فقرات أو مفصلة في أرقام أو حروف، إنما اختارت أن تكون قصيدة نثر مرسلة، بالتالي لا تحاول حبس نفسها في لحظة، بقد ما تختار أن تستفيد من الزمن، هنا تتحقق للنص فرصة أكبر للاستفادة من الزمن كمحور أفقي للحركة، والذهاب في الحركة عموديا، هذا النمط أو الشكل العمودي للنص يوفر حرة أكثر للنص، وحرية في الإرسال، التي لا تعول على الانضباط، إنما: استهلاك الزمن، وتفتيته (نثره). وعلينا ونحن نقراء الزمن كأحد مكونات/ محركات النص، إدراك أن النص إعادة إنتاج اللاوعي لحدث فعلي، أو عمل اللاوعي في إنتاج حدث مبيّت، والنص في الوجهين يستهلك من الزمن ما يريد، حتى وهو يعمد لتفتيت اللحظة (اللحظة كوحدة زمنية).

نص/ المسافة سبب:

كأنني على مشارفك

وأنت القريبة باتساع الفراغ

أخـبّئ سـرّي

تعريني الكلمات

تعريني العابرات –دونك-

اللواتي ينتظرن صنيعتي،

لكنني حين أضع يدي

على كتف أعرفه

لا أجد أحداً

الألفة تعرفني بك

التي لا تعني أصدقاء غادروا

أو أقرباء عادوا من سفرهم..

في المسافةِ من ظن الوقوف (كأنني على مشارفك) ويقين حفظ السّر (اخبئ سري)، إلى حصول المعرفة (الألفة تعرفني بك)، زمنٌ يستهلك الشاعر (تعريني الكلمات/ تعريني العابرات/ ينتظرن صنيعتي/ أضع يدي)، في مجموعة الأفعال المضارعة يستحضر الشاعر لحظته الكانت في الآن (الحاضر)، وتتابع الأفعال أو ترتيب حدوثها يعكس مقدار ما استهلكته من وقت، فلقد: عرته الكلمات، ومن بعد العابرات، اللواتي وقفن ينتظرن صنيعته، ثم في لحظة الانتظار الساكنة فعلاً المتحركة زمناً، يفتت الشاعر الزمن في استحضار: وضعه يده، واكتشافه أنه لا أحد. إدراكنا المنطقي يعرف أن الشاعر لم يغادر مكانه، وأن اللاوعي من يتحكم، والشاعر يعيد إنتاج المشهد، بصورة أخرى يفصل الشاعر المشهد من لحظة ثابتة (ثابت زمنياً) إلى حدث متحرك (متطور زمنياً). النثر يفتح الأفق للشاعر لنثر لحظته دون حاجة لضبط أجزائها (في شكل إيقاعي/تفعيلي).

نص/ أن لا أجدك:

علينا أن ننصت فقط،

وأن نختار الألفاظ حين نتكلم

ننظر إلى تردد أصواتنا

كيف تتشكل في الفراغ

ماذا

لو

لم

أجدك؟

وفقد عمدت حياتي لأجلك

دفء غادرني منذ أن سرنا باتجاهين.

النثر يفتح أفق النص، وأعني هنا البعد الأفقي للنص2، ومن ناحية يمكن الشاعر من التنويع في عمود النص، فلم يعد من حاجة لضبطه. النثر هنا يقطع السؤال (ماذا لو لو أجدك؟) دون النظر لجسده (سواء كان الجسد: سؤال/ جملة)، ويعيد نثر الأجزاء على عمود النص، هذا القطع صورة أخرى للزمن المستهلك، هدفها: بصورة مباشرة استهلاك طاقة السامع، وغير مباشرة تخفيف وطأة السؤال على السائل.

نص/ هبطنا خلسة ورحنا نفتش عن الروح:

أرواحنا

راحٌ وخمرُ في أكفنا

ساحة لاسم الوقت

ريحٌ للعادي وأوراق بيضاء

ربما كانت الريحان

ليلة فقدان الرزق

ربما جرحاً لا يشفى،

أو رواحاً بالعشية

ربما

كانت نحن

لو أعدنا صيغة المقطع في شكل رياضي لوجدنا (أرواحنا= راحٌ+ خمرُ+ ساحة+ ريحٌ+ أوراق+ الريحان+ جرحاً+ رواحاً+ نحن)، وهنا يعيد النثر إنتاج المعنى في صيغ متوازية، تحدد كل منها مستوى ما يقارب به الشاعر لحظته، هذا التوازي يحقق المعادلة في خاصية الجمع لحشد الدلالات صورة لاستهلاك المعنى في (أرواحنا).

[4] لا نحاول إضافة ميزات لقصيدة النثر، إنما قراءة أكثر تحديداً ورصدا لمجموعة الشاعر “فرج العربي” أستوقفتنا في مجموعة من التمظهرات عنونتها حالة من استهلاك اللحظة، أو الزمن: استمهلاً للحظة، تفصيلاً للمشهد، تفعيلاً للحدث. وهي أطوار تحول فيها نص “العربي”، اختار الهدوء حالة لا يعنيها الزمن (صورة لثبات الزمن)، وإن كان الشاعر يتفاعل في داخله/داخلها، فكانت طويلة، متباينة التواتر، واضحة المشاهد، في حضور لغوي ثري. هذه المجموعة هي الصورة الهادئة للشاعر، الصورة اليرحل فيها الشاعر لنقطة هناك (صورة الغلاف)، محاولة تأملٍ سماوية (7 نصوص رمزاً)، دعاء وتجلي (عناوين النصوص).

_______________

هوامش:

* كذبة مثل أرواحنا – فرج العربي.

1- هذا يعكس بشكل آخر انحياز قصيدة النثر في شكلها الحديث للقصر، والتكثيف.

2- بمعنى: أن النثر لا يقيد إطلاق النص بشكل أفقي، بالعكس من نظام القصيد العربي المقيد في البيت والحر المعتمد على نظام التفعيلة.

نشر بموقع صحيفة ليبيا اليوم

نـثر اللحـظة.. قراءة في مجموعة (كـذبة مثـل أرواحـنا)*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.