عصفوران بحجر واحد

ورقة مقدمة ضمن احتفالية توقيع كتاب (أما للكره والبغضاء حد)، الهيئة العامة للثقافة، مسرح وزارة السياحة – طرابلس / 27 أكتوبر 2020م

كتاب أما للكره والبغضاء حد للكاتب يونس الفنادي

اقتراب أول…

الجميل في هذا اللقاء أنه يضرب عصفورين بحجر واحد، العصفور الأول هو شيخ الشعراء الدكتور “عبدالمولى البغدادي”، أما العصفور الثاني الكاتب والإعلامي “يونس شعبان الفنادي”، أما الحجر ففي أساسه قصيدة ذات معان سامية تحولت إلى كتاب، هو قراءة نقدية تحت عنوان (أما للكره والبغضاء حد)*.

اقتراب ثان…

قبل أن أدخل للكتاب، اسمحوا لي أن أتوقف قليلا عند أحد العتبات المهمة في أي تجربة إبداعية؛ شخصية أو عامة، ونقصد النقد، والذي تبدو صورته مشوشة وغير ثابتة في تجربتنا الإبداعية في ليبيا، التي يُعد النقد فيها الحلقة الأضعف، فلا تحتفظ ذاكرتنا الأدبية أو الإبداعية؛ باسم ناقد متخصص اشتغل على الإنتاج الأدبي الليبي، من خلال منهج نقدي علمي. وهنا اسمحوا لي بالقول: إنه خارج دائرة الدراسات الأكاديمية (رسائل الماجستير والدكتوراه)، أكاد أجزم أنه لا يوجد اشتغال نقدي منهجي، علمي، وهذا الجهد يظل حبيس أرفف الجامعة، إلا ما رحم ربي.

والملاحظ أن أكثر من عمل في النقد، أو من قدم جهدا نقديا، إما كاتب أو أديب، كـ: علي مصطفى المصراتي، نجم الدين الكيب، أمين مازن، الطاهر عريفة، وغيرهم (مع حفظ الألقاب). أو ممن يمارسون الكتابة الإبداعية، كـ: كامل المقهور، محمد الفقيه صالح، عمر الكدي، مفتاح العماري، منصور أبوشناف، وغيرهم (مع حفظ الالقاب). أو قد لا يكون ممن ذكرنا؛ كالتجربة المميزة للناقد “عبدالحكيم المالكي”.

وقد أشرت في مقالة بالخصوص أن هذا العمل هو محاولة منهم لإكمال المشهد النقدي الليبي وإكسابه بعض الخصوصية المحلية، وهنا أخص محاولات؛ محمد الفقيه صالح، إدريس المسماري (رحمهما الله)، منصور أبوشناف، وعمر الكدي، الذين رصدوا أهم الحركات والانتقالات في تجربة الأدب الليبي وبشكل خاص التجربة الشعرية.

وحتى يتم الخروج من إشكالية التصنيف بين المبدع والناقد؛ تم اجتراح مصطلح (القراءة) أو (القراءة النقدية) لتوصيف وتصنيف هذا الجهد.

بالتالي؛ فإن هذا الاشتغال النقدي، اعتمد بشكل مباشر على الذائقة الفردية (تذوق النص) والتراكم المعرفي لكل منهم (أي ممن ذكرنا أعلاه وغيرهم)، وبشكل غير مباشر على قدرتهم على فهم آليات النقد والاتصال بمناهجه ومدارسه ومحاولة تطبيقها، لذا فإن أغلب الإنتاج النقدي في ليبيا هو ما يمكن تسميته (النقد الانطباعي)، والذي يسميه البعض (النقد التأثري)؛ وهو النقد الذي تكون الدوافع الذاتية هي التي تتحكم فيه بشكل مباشر، بمعنى أن يكون تقويم الناقد للعمل الأدبي مبنياً على أساس ما يبعثه في نفسه (مدى تأثير النص)، ومدى ما يستثير من ذكرياته وعواطفه الكامنة في ذاته. فهو -أي النقد الانطباعي- يعتمد إلى حد كبير على الخلفية الاجتماعية والثقافية، والعوامل المؤثرة في تكوين شخصية الناقد وحده.

وهذا الأسلوب في النقد هو الذي نشأ مع الإنسان، وغلب على حياته الأولى. ويرى مجموعة كبيرة من المختصين في الدراسات الأدبية، أن (النقد الانطباعي) هو الأساس لكل عملية نقدية.

اقتراب ثالث…

مما تقدم، يمكننا القول إن صديقنا “يونس الفنادي”، يسير على ذات الطريق النقدي الذي سار عليه الكثير ممن سبقوه في هذا الجهد، فهو مبدع يمارس الكتابة الشعرية، ويمارس العمل الإعلامي من خلال إعداده لمجموعة من البرامج الإذاعية والتلفزيونية، يتكئ على رصيد معرفي راكمه اطلاعه ومثابرته على القراءة، خاصة وإنه أكاديمياً لا علاقة له بالأدب؛ فهو متخصص في الأرصاد الجوية.

و”الفنادي” يمارس النقد الانطباعي، وقد قدم العديد من القراءات النقدية التي تناولت أكثر من جنس إبداعي، سواء محلي أو عربي أو عالمي. أما ما يميز “الفنادي” في عمله النقدي، أنه كثيرا ما يلجأ إلى مرجعيته الأكاديمية لقراءة بعض النصوص، وأعني هنا القراءة الإحصائية، حيث يتحول النص إلى مجموعة من الإشارات والظواهر التي يقوم “الفنادي” على قراءتها نقديا بشكل إحصائي، على ضوء ما يمده به النص.

وتعتمد تقنية “الفنادي” في الاشتغال النقدي على:

  • الدخول من خلال إحاطة عامة بالنص وأجوائه، وما يحيط به، وهي قراءة خارجية.
  • قراءة النص داخلياً من خلال التركيز على فكرة النص، أو إبراز رسالته.
  • ومن ثم؛ إبراز الملامح الفنية والإبداعية فيه.

ومن الملاحظ ابتعاد “الفنادي” عن استخدام المصطلحات النقدية (الرنانة)، الأمر الذي يجعل من القراءة النقدية نصاً موازياً.

وقبل أن نقترب من الكتاب، أود القول إنه من وجهة نظر شخصية، أني أميل إلى النقد الانطباعي (ممارسة وقراءة) لمجموعة من الأسباب، أهمها:

  • أن النص هو المحرك في هذه العملية النقدية،
  • وهو نقد حر، يعتمد على ذائقة الناقد، وبالتالي فهو لا يُخلص لأي منهج أو مدرسة تملي قواعدها.
  • كما إنه مباشر، وسهل وغير متعب في القراءة،
  • ولا منهج أو أسلوب يحكم طريقة كتاباته،
  • وأنه للنص الواحد تتعدد القراءات بتعدد النقاد.

اقتراب رابع…

في قراءته لقصيدة (أما للكره والبغضاء حد)، يعتمد الناقد “يونس الفنادي” كما في أغلب كتاباته أو قراءته النقدية على قراءة النص في عمومه؛ شكلياً وحسياً، قبل أن يبدأ قراءة النص نقديا من الداخل. والغاية هو أن يمهد للقارئ (أو لنفسه) قبل أن يدخل عوالم النص مستكشفاُ.

لذا فهو هنا؛ يحكي عن علاقته بالنص، وبصاحب النص، والمؤثرات التي حفت لإنتاج هذا النص الشعري، قبل أن ينتقل للحديث عن النص بشكل عام؛ موضوعه، بنائه شعراً ولغةً، ومن بعد دعوته لتوطين رسالة القصيدة لما تحمله من معاني وطنية سامية.

لو اعتبرنا ما تقدم من قراءة “الفنادي” للقصيدة العنوان مقدمة، سنجد إنه استخدم لغة خطاب مباشرة، لم يخفي فيها علاقته بالشاعر “البغدادي” وشعره، وانحيازه للوطن.

في الجزء الثاني من هذه القراءة، والتي تمثل المتن الأكبر من القراءة النقدية، والكتاب، يدخل “الفنادي” عوالم القصيدة، متحسسا جماليات النص وأبعاده النفسية، فيلجأ “الفنادي” إلى أن تكون قراءته النقدية هنا قراءة موازية للنص، بمعنى إنه قراءة تتابع وتقتفي حركة النص وتتوقف عند اللحظات المهمة، وتعمد إلى إظهارها والتعليق عليها، وبيان تركيب الصور الشعرية والاستخدامات البلاغية واللغوية.

يقول: (إنَّ معاناة الشاعر وأحاسيسه الوطنية الخاصة بكل تقلباتها وقلاقلها وهواجسها واضطراباتها وإحباطاتها، وواقعيتها المريرة غالباً وبعض تفاؤلاتها الباهتة أحياناً، ألقت بظلالها على هذه الأبيات وكانت الرحم الذي احتضن ولادة هذه القصيدة الجديدة الغاضبة منا، والمتمردة علينا، والثائرة في وجوهنا جميعاً، فرادى ومؤسسات على امتداد ربوع ليبيا كافة بشرقها وغربها وشمالها وجنوبها. وقد فاجأني الشاعر القدير والصديق العزيز الدكتور عبدالمولى البغدادي في إحدى الصباحات المبكرة في أيام العيد، حين أرسلها إلي بتاريخ 7 أغسطس 2020م وهي لازالت حينها تتخلق في فكره وعقله الباطني، عارضاً عليَّ أنْ أختار لها عنواناً مناسباً يليق بها) ص12.

عمد الناقد “الفنادي” في قراءته الموازية إلى تقسيم النص إلى مجموعة من الوقفات، في عناوين، وهذا التقسيم يعتمد بشكل مباشر على انتقالات الشاعر، واللحظات المتوترة في النص.

“الفنادي” هنا لم يكن مجرد الناقد، بل القارئ الشغوف بالأدب والشعر العربي؛ فذهب يبحث في أبعاد النص ومرجعياته ومصادر إلهامه ومجرى سياقاته؛ سواء من ناحية استلهم التراث، إلى الرموز والدلالات، إلى التناص، لنقف على حجم الجهد النقدي “للفنادي” في هذا العمل.

يقول “الفنادي”: (ونلاحظ أن معالقة قصيدة عبدالمولى البغدادي (أَمَا لِلكُرْهِ وَالبَغْضَاءِ حَدٌّ) لا تقتصر الرجوع إلى أحداث ماضوية وشخصيات التاريخ الأدبي العربي البعيد فحسب، بل نجدها حاضرة أيضاً في الأدب المعاصر والحديث، حيث تقتبس بتصرفٍ بسيط شطر بيتٍ من شاعر عربي معاصر، يتوحد في كيان أبياتها الشعرية شكلاً ومضموناً، متوافقاً مع إيقاعها الشعري المدوي. فالشطر الثاني من بيت الشاعر عبدالمولى البغدادي: ويُصْبِـــحَ كُـلُّـنَا غَـرْبًا وَشـَـــــــــرْقًـا            (جَرِيحٌ غَاصَ فِي دَمِهَ جَرِيحُ)

نجده في الأصل قد ظهر بصيغة (ذبيحٌ غاصَ في دَمِه ذبيـحُ) ضمن أبيات قصيدة (أيُّهَا الوَطَنُ الجَرِيحُ) للشاعر العراقي عبدالرزاق عبدالواحد (1930-2015) أحد نجباء الشعر العراقي، الملقب “شاعر القادسية”، و”شاعر القرنين”، و”المتنبي الأخير”،)، وهو يعكس وحدة الوجع واتصال التجربة الإبداعية) ص 37.

وصولا لخاتمة القراءة النقدية، نستطيع القول إن “الفنادي” قدم نصا موازيا لنص “البغدادي”، وإن كان نقديا، نصاً استطاع أن يستكشف عوالم النص الشعري، ويفتح مغاليقه، ويلقي النور على أهم اللحظات النفسية للشاعر، ويبرز جمالياته الشعرية لغة وبناءً، ويربطنا بأبعاد النص ويقدمه لنا.

“الفنادي” قدم هذه القراءة بلغة غير متكلفة، ابتعد فيها عن المصطلحات النقدية، التي يحب الكثير استخدامها حد الإغراق، بل اكتفى بأن يقدم الأشياء كما هي في صورة بسيطة ويفصلها شرحا بأدوات من أساسيات اللغة والبلاغة لتكون قريبة منا.

ولو قمنا بجمع هذه القراءة، كرصيد، إلى قراءات “الفنادي” التي تناول فيها التجربة الشعرية للدكتور “عبدالمولى البغدادي”، سنقف على متن نقدي، يسبر أغوار هذه التجربة، ويكشف الكثير من دلالاتها وجمالياتها الفنية والشعرية.

اقتراب أخير…

أَرَى فِي العِـيـدِ طَـيْـفَ دَمٍ يَـلُــوحُ          يَـصِـيحُ بِـنَـا: أنا الوَطَـنُ الجَرِيـحُ!

أَنَا الشَرَفُ الذَّبِيحُ بِسَيْفِ أَهْلِي          لِمَـنْ أَشْكُـو دَمِـي وَلِـمَنْ أَبُـــــــوحُ

أتـحْـتَسِبُونَـه عِـيـــــــــــدًا سعِـيـدًا              وَطَعْمُ الكُرْهِ مِنْ دَمِكُمْ يَفُــــوحُ

أَمَا لِلـكـُـــــــــــرْهِ وَالبــغْـضَاءِ حَـدٌّ             وَأَيْنَ هُو المُسَامِحُ وَالنَّصُوحُ

ليس بالتاريخ وحده تكتب تسجل حوادث التاريخ، فالذاكرة تحتفظ بالكثير دون أن يكون للتاريخ فيها حضور، فقصيدة (ما بي مرض غير دار العقيلة) للشاعر “رجب بوحويش” ليست مجرد قصيدة بقدر ما هي رصد تاريخي لأحد الوقائع المهمة في تاريخ ليبيا الحديث، وهو اعتقال الشعب الليبي خلف الحبيلة (الأسلاك الشائكة)، أو قصيدة (رضينا بحتف النفوس رضينا) للشاعر “أحمد الشارف”، والتي توثق لجهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي، في ذات السياق تأتي قصيدة (أما للكره والبغضاء حد)، للشاعر الدكتور “عبدالمولى البغدادي”، فهي وثيقة مهمة تسجل الكثير من الوقائع، ولسان حال المواطن الليبي الذي يبحث عن الأمن والسلام. وحق لنا أن نحتفي بها، وبقصيدة (لا وقت للكره) للشاعر “محمد المزوغي” وأن تحولا إلى معلقتين على جدار السرايا.

حفظ الله ليبيا…


* يونس شعبان الفنادي – (أما للكره والبغضاء حد .. أنشودة الشاعر د.عبدالمولى البغدادي) – إمكان للطباعة والنشر والدعاية والإعلان – 2020.

** كتاب (قراءات أدبية: الصادق النيهوم قاصاً، وعبدالمولى البغدادي شاعراً – 2010) / كتاب (من وحي الثمانين.. قراءة في أطول قصيدة في الشعر الليبي – 2019).

عصفوران بحجر واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.