معزوفات السندباد

الشاعر الليبي الراحل علي الفزاني

بداية

تعود علاقتي بالشاعر “علي الفزاني”، إلى مجموعته الشعرية (الرقص حافياً) والتي تعرفت من خلالها إلي شاعر ليبي على درجة كبيرة من الشاعرية، وكان أو شاعر أركز في قراءته. ومن بعد تحصلت على مجموعته الشعرية الكاملة، إضافة إلى ما كان ينشره عبر مجلة (الثقافة العربية)، حتى جمعتنا صحيفة (الجماهيرية). وكنت أتمنى أن ألتقيه، لكن الموت كان أسرع.

كتبت حول تجربته الشعرية، وعبر موقع (بلد الطيوب) أطلقت موقع (السندباد) الذي حاولت من خلاله أن يكون لهذا الشاعر الكبير مكان على العالم.

صدفة

الصدفة وحدها جمعتني بالدكتور الفاضل “محمد وريث”، بمكتب صاحبة (مكتبة طرابلس العلمية العالمية)؛ السيدة فاطمة حقيق، حيث علمت أن المكتبة تعد لطباعة كتاب للدكتور وريث عن الشاعر علي الفزاني. لحظتها لم أخف سعادتي، وانتظرت صدور الكتاب، ووصوله، فاقتنيه قبل أيام وشرعت في قراءته.

وهنا من الضروري أن أشكر الشركة العامة للكهرباء وسياسة طرح اﻷحمال الرشيدة، التي مكنتني الثماني ساعات لانقطاع الكهرباء، للانتهاء من هذا الكتاب في يوم واحد.

الكتاب

العنوان الرئيسي للكتاب (معزوفات عابر السبيل)، أما العنوان الفرعي فهو (علي الفزاني وتجربته في الشعر)، للأديب والباحث الدكتور محمد أحمد وريث.

الكتاب من القطع المتوسط ويقع في 201 صفحة، وهو من إصدارات العام 2019م عن مكتبة طرابلس العلمية العالمية.

تبدأ علاقة الكاتب بموضوع الكتاب، الشاعر “علي الفزاني” من إهداء الكتاب للصحفي “سمير عطا الله”، الصديق المشترك بينهما.

كتاب معزوفات عابر السبيل للدكتور محمد وريث.

ولتأكيد هذه العلاقة، يسرد الكاتب رحلة الكتاب التي بدأت قبل 11 عاما، عندما وقع عقد النشر للمرة الأولى في 2007م، وانتهاء أجل الاحتفاظ بالنشر دون أن ينشر، ثم ليعاود المحاولة مرة أخرى في العام 2013م، لتتكرر ذات التجربة، قبل أن يبصر النور من خلال مكتبة طرابلس، والتي من الواجب أن نقدم لها التحية في هذا المقام لما تقدمه من دعم للثقافة الليبية، في ظل غياب دور المؤسسة الثقافية.

عن هذا التأخير يقول الدكتور “وريث”: (لقد أضرت هذه الأعوام الأحد عشر بالكتاب، ولكنني انتفعت بها، إذ جعلتني أعيد النظر فيه بعين الناقد، فراجعته ونقحته، بأن حذفت منه بعض الآراء وأبدلت بها آراء خرى جدت لي خلال غيبته الطويلة وانقطاعه عني، وهان ما حدث فما باليت به ولا أسيت عليه، ورب ضارة نافعة).

في استهلال الكتاب يبين الكاتب سبب اختياره (عابر سبيل) عنواناً للكتاب، كون هذا التعبير وصف به الشاعر نفسه في أكثر من نص، وبأكثر من شكل، أما (معزوفات) فهو ما سنكتشفه لاحقاً!!

نقطة أخيرة هنا، تتعلق بالعنوان الفرعي للكتاب، فمعرفتي بالدكتور “وريث” التي تعود للعام 2000م، تجعلني على يقين أنه يقصد كل كلمة يكتبها ويعنيها لدقته ولتجربته الأدبية الكبيرة.

والنقطة التي توقفت عندها جملة العنوان الفرعي، والتي في الغالب تكون لبيان موضوع الكتاب وإضاءته؛ فعلى غلاف الكتاب وردت جملة (علي الفزاني وتجربته في الشعر)؛ ليقفز إلى رأس مباشرة هذا السؤال: لماذا (… وتجربته في الشعر) وليس (… وتجربته الشعرية)؟ التي اعتدنا على قراءتها على أغلفة الكتب أو في الدوريات من خلال الموضوعات التي تتناول تجربة أحد الشعراء.

اﻷمر الأول؛ الذي أخبرني به هذا العنوان، أن موضوع الكتاب سيكون مميزا، بالاعتماد على صياغة العنوان ومعرفة سابقة بالكاتب، سواء شخصيا أو من خلال ما نشر من كتب ودراسات وأبحاث ومقالات ونصوص أدبية.

الأمر الثاني؛ وهو ما وصلت إليه من خلال تحليلي الشخصي؛ أن جملة (تجربته في الشعر)، ستركز أكثر على الشاعر وعلاقته بالنص الشعري، وتطور تجربته، وأثرها في نصوصه الشعرية، بدلا من أن يكون التركيز على النتاج الشعري للشعر، والوقوف على جمالياته وتقنياته الفنية، وهو ما يحدث عادة.

الفزاني وتجربته في الشعر

يمكننا تقسيم الكتاب إلى ثلاث أقسام؛ تعكسها موضوعات الكتاب، حيث يبدأ القسم الأول ببداية العلاقة بين الدكتور “وريث”، الكتب؛ الذي كان يبحث عن مكان له في الحياة الثقافية، فكانت صحيفة (الرقيب) ببنغازي، والتي احتفت بشاعر شاب يتلمس طريقه في دروب الإبداع، لتنشأ علاقة استمرت حوالي 38 عاماً. كما يعرض الكاتب في هذا القسم، لسيرة الشاعر “علي الفزاني”، حتى تاريخ وفاته.

علي الفزاني وثقافة جيله؛ في هذا القسم الثاني، يتناول الكاتب المناخ الثقافي الذي شكل ثقافة الشاعر ورسم الخطوط العامة لتجربته الإبداعية، هذا القسم يمكن إسقاطه على المناخ الثقافي الليبي بشكل عام، كشخوص وأجواء. وفي عناوين فرعية فصل الكاتب معالم هذا المناخ أو أجوائه؛ بداية من ثورات الشعوب التي عاشها العالم، إلى التدفق الثقافي بين الشرق والغرب، ثم التوقف مع تأثير لشاعر “ت.إس.إليوت”، وصولا إلى أثر الثقافة والأدب الشعبي وشعر الوطنية، ليختم بالشعر ملحمة الجموع، والتي تناول فيها تجربة الفقهاء الشعراء، وقراءة رفيق المهدوي لديوان بن زكري**.

ويؤكد الدكتور “وريث” أهمية هذا القسم، بتناوله أول معجم شعري للشعراء الليبيين، ويقصد كتاب (الشعر والشعراء في ليبيا) لـ”محمد صادق عفيفي”، الصادر في العام 1957م، ويرصد ريادة شعر التفعيلة في ليبيا، من خلال قصيدة (مواكب الجياع) للشاعر “رجب الماجري” كأول قصيدة تفعيلية تنشر.

القسم الثالث، أو هذا ما رأيت الكتاب عليه، يفسر أولاً اختيار الكاتب استخدامه (معزوفات) في عنوان الكتاب، ويجيب لماذا في العنوان الفرعي (… وتجربته في الشعر)؟، حيث يتناول الكاتب في هذا الجزء الذي يمثل حوالي 85% من مادة الكتاب، تجربة الشاعر “علي الفزاني” في الشعر، من خلال مجموعة من العناوين الراصدة الناقدة، حيث يمارس الدكتور “وريث” ما يمكن تسميته (النقد الثقافي) من خلال تتبع تجربة “الفزاني” في الشعر، بحيث يكشف لنا الكثير من جوانب هذه التجربة سواء من خلال المؤثرات الخارجية والداخلية في نص الشاعر، على المستويين الثقافي والإبداعي.

37 عنواناً رصد فيها الكاتب كل ما يخص الشاعر وتجربته في الشعر، بداية من التكوين ودراسة علم العروض، إلى مصادره الثقافية، والمؤثرات على صعيد التجربة الشعرية الموازية والتجربة الثقافية. ولا أعتقد أنه ثم ما يمس تجربة الشاعر “الفزاني” إلا وتناوله الكاتب بالرصد والنقد، والتحليل في بعض الجوانب.

37 عنوانا شرحت نص الشاعر “علي الفزاني” وكشفت سيرة الشاعر في نصه، ووقفت بنا على عتباته ولحظاته المتوقدة، ومنابعه، وتناصه. حتى ليمكنني القول أن “الفزاني” هو الشاعر الوحيد الذي حظي شعره بهذا العمل التشريحي الكبير.

وفي نهاية القسم، يعرض الكاتب لمجموعة من صور للشاعر الراحل “علي الفزاني”، وبعضا من نماذج من نصوص شعرية مكتوبة بخط يده.

الدكتور محمد أحمد وريث

ختاماً

في ظني أنه لولا العلاقة التي جمعت الدكتور “محمد أحمد وريث” بالشاعر الراحل “علي الفزاني” ووقوفه على بداياته وتشكل تجربته الشعرية، لما كان هذا الكتاب الذي هو أقرب لحديث الصديق العارف، الذي خبره وخبر أسراره، فكان هذا الكتاب الشيق الذي كتب بلغة سلسة بعيدة عن تعقيد نظريات النقد ومناهجه ومصطلحاته المعقدة.

وتتمثل أهمية الكتاب، في مسألتين:

المسالة الأول؛ قرب الكاتب من الشاعر، فكانت المعزوفات الـ37 التي تناولت تجربة الشاعر بالرصد والنقد، في إضاءات مهمة يمكن أن تكون مفاتيح وبدايات لدراسات أكثر عمقاً، وفرصة للدارسين لتناولها من خلال أطروحاتهم العلمية.

والمسألة الثانية؛ هو المقدمة التي تناول فيها الكاتب المناخ الثقافي الذي تكون فيه الشاعر، وهو الذي أشرت له بالقسم الثاني، فبالرغم من حجمه مقارنة بمادة الكتاب؛ قدم الكاتب من خلاله صورة عامة عن المشهد الثقافي الذي عاشه المبدع الليبي خلال منتصف خمسينيات القرن الماضي، والذي أثر في كل مثقفي تلك الفترة.

قبل النهاية؛ أتمنى أن نرى كتاب الدكتور “محمد أحمد وريث” والمعنون كمخطوط (الكناية في التعابير العامية الليبية السائرة) للوجود قريباً.

_______________________

* د.محمد أحمد وريث (معزوفات عابر السبيل.. علي الفزاني وتجربته في الشعر)، مكتبة طرابلس العلمية العالمية، ط1، 2019م.

** المقصود الشاعر مصطفى بن زكري، صاحب أول ديوان شعر مطبوع في ليبيا.

معزوفات السندباد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.