شأن ثقافي

من أعمال التشكيلي وليد المصري.
من أعمال التشكيلي وليد المصري.

ولأن حديثي لأكثر من 6 مقالات تركز حول المثقف! في محاولة للوقوف على دوره، وحضوره في المجتمع! ستكون وقفتنا هنا ثقافية أيضا، لكنها هذه المرة؛ ستكون من جانب العمل الثقافي، وهي إعادة صياغة لإجابتي عن سؤال: أليس من الأصح أن يدير المثقفون مؤسسة الدولة الثقافية؟

هذا السؤال جاء عبر حديث هاتفي، حيث جنح بنا السياق للتوقف عند مؤسسات الدولة الثقافية، وخاصة الهيئة العامة للثقافة ودورها في تفعيل المناشط الثقافية، والمثقف.

كانت إجابتي المباشرة؛ لا!!!

فأن لست مع الرأي القائل بأن من يعمل بالثقافة لابد أن يكون مثقفا، إنما قد أقبل بأن من يكلف بملف الثقافة وزارياً، أن يكون مثقفاً أو مبدعاً، والسبب ما تحققه شخصية المثقف من حضور يخدم هدفه من العمل الثقافي، وعلى ذات المستوى مسؤولي المكاتب الثقافية في المدن؛ أو بحسب النظام المتبع. وهنا أفتح قوسين لأقول: (في أغلب بلدان العالم لا توجد وزارة للثقافة بالمعنى الذي نعرفه في عالمنا العربي، ولا دخل للجهاز الحكومي في الثقافة وآليتها وأشكالها). أما المهام والإدارات والأقسام والوحدات الثقافية، فهي عمل إداري بحت، لا جدوى من أن يكون من يتولاه مثقفا؛ كما عرفناه في مقالنا بالخصوص. كونها أعمال روتينية يتم العمل عليها سلفا وضمن خطة ثقافية تقرها وتدعهما الدولة وتوفر لها سبل النجاح -أو هذا ما يفترض-.

نعم!! نحن نحتاج إلى شخص إداري لتنفيذ الخطط والبرامج الثقافية، وفي ذات الوقت امتلاكه روح لابتكار والمبادرة، فالأولى تضمن سير الخطة أو البرنامج في سياقه الموضوع له، والثانية ضمان درجة عالية من الجودة والإبهار.

وحتى يتمكن هذا العنصر الإداري من العمل بشكل جيد، وعلى درجة من التميز والاحترافية، ثمة سمات وصفات لابد أن تكون فيمن يطلع بهذه المهام؛ وهذه الصفات يمكن أن تكون ذاتية، كما يمكن اكتسابها، وتطويرها بالتدريب. فهناك مجموعة من المهارات الأساسية، على سبيل المثال؛ كإدارة الوقت، والعمل الجماعي، وإدارة المهام، وإدارة المشاريع، حل المشاكل، والتفكير الابتكاري، وغيرها الكثير. كما إنه من المهم للمسؤولين الإداريين على جميع المستويات في مؤسسات الدولة الثقافية التأهيل بشكل خاص فيما يختص بالإدارة الثقافية، وكذلك البرامج الثقافية. فهذا المساق التدريبي أحد المهارات المهمة والواجب توفرها فيمن يعمل في قطاع الثقافة وعلى علاقة مباشرة بالعمل الثقافي، من خلال ما توفره من معلومات أساسية فيما يخص بالعمل الثقافي على جميع المستويات، وفي مختلف الأشكال. والأهم هو الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، وإلا تحولت هذه الوزارة -أو أيا كان المسمى- إلى جهاز إداري، يضاف إلى أجهزة الدولة البيروقراطية.

في ذات الاتصال الهاتفي، أجبت عن لماذا لا أشجع دخول المثقف العمل الثقافي؟

فالمثقف -بشكل عام- شخص لا يحب الارتباط بروتين يومي، أو الجلوس والارتباط بذات العمل لفترات طويلة، كما إن المثقف انعزالي في طبعه، ناقد لا يعترف بالقوانين والضوابط، والعمل في المؤسسة الثقافية -التابعة للدولة- هو عمل إداري يخضع لضوابط وقوانين العمل. لذا الكثير من المؤسسات الثقافية العامة والخاصة، على مستوى العالم تستعين بالمثقف من باب الاستشارة أو تكليفهم بمهام وملفات للعمل عليها.

قد يعترض البعض، وقد يتفق القليل!!

لكن من خلال تجاربنا المحلية البسيطة التي شهدتها، لا أشجع على دخول المثقف العمل الثقافي المؤسساتي -كموظف- كما عرضت؛ بل إن أرى؛ ألا تكون الثقافة جزء من منظومة الدولة أساساً، إذ أنادي بأن تكون كيانا مستقلا في شكل هيئة أو مجلس يدار من قبل مختصين بالعمل الثقافي، بحيث يكون هذه الكيان بمنأى عن أي تدخل مهما كان توجهه، فالشأن الثقافي لا يمكن تسخيره لمصلحة حزب أو تيار سياسي على حساب حزب أو تيار آخر، في مقام المزايدة أو المحاصصة، فالثقافة ليست الكتاب واللوحة التشكيلية إنها هوية وطن.


مجلة توافذ ثقافية – الهيئة العامة للثقافة – العدد 17/ 16 أغسطس 2020م

شأن ثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *