عـندمــــــا يربـــكـــــــنا الحــــاضر.. قراءة في رواية: مرسى ديلة

[1]

لو اقتنعت بمقولة أن القصص العربي القديم والحكاية العربية هما الشكل الأولي للرواية العربية ومصدرها، ستكون روايتنا العربية تأخرت كثيراً (وهنا أعني الشكل كرواية)، كنص أدبي مستقل بذاته.

هذه الرواية ظلت ملتصقة بواقعها القريب، الشخص كثيراً، السّيريّ، كما ينبئ عن ذلك نتاجها كمادة متداولة. ولم تجازف إلا بالقليل الذي اقتات على أجزاء الكاتب، وما يمكنه من طاقات تشعير (من الشعر) وتشعيع (من الإشعاع).

وحتى لا يكون لحديثنا أشجان يتعلق إليها، هذه دعوة لقراءة ما قدم من رواية عربية، بداية من (زينب) إلى (أولاد حارتنا)، (صور)، (وليمة لأعشاب البحر)، إلى (فوضى الحواس)، سنكتشف (أو ما اكتشفته) أن الروايات في مجموعها رواية واحدة، رواية واحدة لم تحاول الخروج عن ملعبها الخاص، ظلت تمارس اللعبة ذاتها، بذات اللاعبين، وحتى بذات اعتراضات الحكم، لم تحاول كتابة رؤية مستقبلية، ولا شكلاً أيديولوجيّاً خاصاً ولا مناوئاً، هي روايات تنطلق من أحكام مسبقة، وغير ديناميكية في معظمها، لكن ثمة نماذج في هذا تظل نماذجاً فارقة في مسيرة الرواية العربية، كأعمال الروائي “إبراهيم الكوني” الذي يعمل من رؤيا التأسيس ورسم الخطوط الداخلية لعالمه، وأعمال “إبراهيم نصرالله” وهو يشكل عوالمه الأكثر صفاءً ومخاتلة.

 

كل هذا غير مهم، الأكثر أهمية أن الرواية الليبية لم تخرج عن التمسك بواقعها، ملتصقة به حد استعارة أنماطٍ سلوكية لإكساب الواقع قدرة المناورة والتشكل، خاصة في نماذجها الأولى التي حاولت أن تكون صورة الواقع، حتى وهي تقـتفي خطوط الرواية المشرقية، وتفصيلها على الواقع المحلي، ولعل هذا ما جعل الكاتب “كامل المقهور” رحمه الله يكتب (قصتنا بنت حرام). أما النماذج اللاحقة (والتي استطعت الاطلاع عليها)، فتفاوتت بين الرصد والتجاوز، ومحاولة الاتكاء على التاريخ المحلي القريب من خلال بعض القصص والحوادث في تاريخ البلاد، أو الوصول بالرواية حدود تتعالى فيها عن السرد، فما يقدمه “إبراهيم الكوني” نموذج يتجاوز فيه الكاتب إمكانات التراكيب البسيطة بإعادة تحليلها وتشكيلها في تجريدات أقدر على تكوين أكثر من مستوى وحيد للنظر، وهذا لا يشمل الحدث نفسه أو وحد القص، إنه يتعداها على مكونات الرواية الداخلية والخارجية. هذا مثل، وهو فرد، والفرد يمكنه التميز في الآخرين، وطالما أن طابع التجارب الإبداعية في ليبيا هو طابع الانقطاع، والتميز في أصوات فردية، فإننا لن نستطيع القول بوجود اتجاه لا في الرواية ولا في غيرها من أشكال الإبداع الأدبي.. وعليه لا نستطيع إنكار ما قدم، ولا بإقصائه، فالطريق تعرف بالخطى، والرواية الليبية تحاول أن تكون جنساً أدبياً قابلاً للتداول/للطرح.. وإن ظهرت في فترات، حيث لم تتوالى الإصدارات الروائية الليبية بشكل منتظم كالشعر مثلاً، فقد كانت الرواية الليبية تحاول الاستفادة من فترات الاستقرار، فتجاوبت وتفاوتت في قياسها لهذه الفترات، فعندما كان المجتمع على وتيرة الكساد، كانت الرواية الليبية رواية تسجل للواقع ولا تتجاوزه، تحاوره وتصرخ فيه، من بعد لم تحاول الرواية أن تربك نفسها، فلجأت إلى البيات وتحركت خلف المرآة، عن مجتمع آخر تحاوره، وإن كانت تحاور فيه شخص الكاتب عن موقعه (ثلاثية الفقيه)، أو الاستعارة للتجاوز (روايات الكوني)، لتـتحرك لاحقاً في الذوات، يتحول الكاتب إلى رواية تدور فيه/به الرواية (سريب الفيتوري)، لنقل أني أسميتها روايات البطولة، التي يشتغل فيها النص ويحشد ما له، لرغبة الراوية وشخصه الذي يتمثـَّله، لذا فهي اقتاتت على المخزون/الرصيد الشخصي، لتكشف أنها انتهت بنفاذه فتقف، وعليه للاستمرار مغامرة الخيال عمّا له.. لذا لم يكن مستغرباً أن يكون بين مجموعة الروايات الأخيرة تشابهاً، كونها عوّلت على ذات الرافد، دون محاولة العمل على التفاصيل لمجتمع الرواية، فلا تعول على وحداته، كما إنها لا تشتغل على النمو العضوي للشخوص، إلا في داخل الرّاوي، وهذا النمو مهم للرواية ولضبطها، وهو ما يمنحها ديناميكية (حركية) الفعل والحياة (ليالي نجمة خليفة)، وإلا فإن الرواية مهما كبرت تظل نصاً ساكناً (إستاتيكياً)، وهي في النماذج اللاحقة تخلت عن إثبات الحالة التاريخية بإبعاد التاريخ وإقصائه عن النص، محاولة للهروب من مطب المرحلة، وإبقاء النص في حالة طوف.

[2]

“عبدالفتاح البشتي” يكتب روايته (مرسى ديلة)1.. بذات الدافع لقراءة (دردانين) الشاعر “عاشور الطويبي” قرأت مرسى البشتي، لأستكشف الشاعر في الرواية. واكتشف أن الشاعر هنا خانته اللغة الشعرية، واختارت كتابة نصٍ خالصٍ للقص، ولنقل انه قصد إلى النص كرواية، فكانت كما هي بين أيدينا. أو لنقل نصاً روائياً في اتجاه واد، نص ينطلق من مرسلٍ إلى مستقبل، بحيث ليس للمستقبل إلا متابعة الرسالة (الرواية).. ولأن الراوي توجه بالرواية مباشرة، لم يجد المستقبل (المتلقي) أي صعوبة في فك شفرة النص، ولا ما يجعله يمارس لعبة الخيال، إلا في حدودها الضيقة، على خلفية الوصف لا على خلفية المجاز، ولا ما يمكنه من الحلول في النص لتجاوز النص إلى ما وراءه.

ندخل لهذا النص من نقطة الحاجة، أو القصد من كتابة هذا النص، ولمن يسأل فان هذه البداية تقدم الكثير من مفاتيح الخطوات التي خطاها الكاتب، ونمط الخطوات واتجاهها. والمعنى، الوقوف على إمكانات النص، وفتح الكثير أمامنا للكشف والإدراك.

(وهل تظن إنك تكتب رواية حقاً؟.. إنك تسرد أحداثا عشتها وذكريات تريد أن توثقها حتى لا تنساها أنت، وربما كي تكون وثيقة حية لتجربة شاب ليبي قروي دخل معترك الفكر والسياسة…)2.

سنحاول الدخول من خلال المتن ذاته، دون حاجة لي نصٍ حاف، في كشف في هذا المتن المعنون بـ(مرسى ديلة): هل تظن إنك تكتب رواية.. حقاً؟

المتلقي الداخلي، العامل مباشرة مع/في النص، يقترح في النقطة القريبة من النهاية هذا السؤال (هل) وهي أداة استفهام بقصد الحال، أو بنية الاستفسار، ملحقاً استفهامه ومعلقاً إياه بالظن في كتابته رواية، وحتى يمعن في استفزازه بالظن، ألحق سؤاله المفترض أن يكون (وهل تظن إنك تكتب رواية؟) بمفردة يحاول فيها التأكيد على سؤاله (حـقـاً)، ومن ناحية استفزاز الكاتب للرد، وأيضاً التأكيد لنفسه أن ما يحدث أمامه أمرٌ يعرفه، لنقل بحكم التجربة والمعايشة. وهو ما دعاه لاتباع سؤاله المفترض بتعليله الذي أصدر فيه حكمه فيما كتب.

لكنا لا نستطيع اعتبار هذا السؤال سؤالاً طبيعياً، أو إنه من عرض ما يحتاجه النص، لقد حرك الكاتب هذا السؤال وأداره باتجاه نفسه، محاولاً التعليل بالالتفاف حول النص في عملية مدبرة، يطرحها المتلقي الداخلي “بن عيسى” بعد دفعه لهذا السؤال (إنك تسرد أحداثا عشتها…).

وهو يعلل هذا النص بأنه سردٍ لأحداث عاشها الكاتب أو الراوي، والمحرك لهذا العمل هو رغبة التوثيق، وهذا التوثيق حتى لا تنسى هذه الأحداث، أو ليكون هذا النص وثيقة وتاريخاً لتجربة (شاب ليبي قروي دخل معترك الفكر والسياسة…)، وهذه الجملة حشد فيها الكاتب ورصد من خلالها المتلقي الداخلي بالرواية، الهم الحقيقي لكتابة تجربة شاب، وهذا الشاب (ليبي)، مما يفيدنا بمرجعيته الجغرافية والتاريخية، ومن بعد (قروي) خارج دائرة العاصمة والمدن، له شكله الاجتماعي الخاص، دخل معترك الفكر والسياسة.. وبتجميع كل هذه الوحدات تتكون لدينا صورة عن الواقع الذي تمثله تجربة هذا الشاب، هذه الصورة أراد الكاتب أن تكون في المنطقة القريبة من ختام الرواية.. فلعله بعد أن قدم ما يريد، قرر في هذه النقطة أن يفترض هذا السؤال، كنوعٍ من تجاوز ربكة الجنس الأدبي أو لتجاوز نصه (الهروب).

[3]

(عندما يكون الحديث عن الماضي، وعن تجربة الماضي، فإن الأمر يمضي سلساً إلى حدٍ ما.. أما حين يكون الموضوع هو الحاضر، فإن الأمور تتعسر إلى حدٍ كبير)3.

هذا المقطع يأتي رداً على سؤال المتلقي الداخلي، عن أخبار الرواية، ويصدر الكاتب إجابته بجملة (قاعد نتصارع أنا وإياها)، وإن كان يحاول التعبير عن الجهد المبذول في كتابة هذا النص، ومن بعد يحدد مكمن هذه الصعوبة.. الكاتب يحدد مستويات الحركة في العمل: الماضي/ الحاضر.

في المستوى الأول، يكون العمل استحضار الحوادث، وترتيبها بإعادة قراءتها في ضوء المعارف الجديدة (الحديثة)، لن الكاتب لن يكون قادراً على إجراء هذه العملية مجردة دون أن يتدخل ولو بمحاولة التعليل، وهنا يعيدنا مقطعنا الأول (…، إنك تسرد أحداثا عشتها وذكريات،…).

المستوى الثاني.. يكون العمل متعسراً/صعباً لأن الأحكام غير قادرة على تلبية حاجة السرد، فالحاضر (الآني) متغير، ولا يملك ما يميز الماضي من انتهائه في الحدث، وبذا يمكن العمل عليه بحرية، دون اعتبار ما يحدث من تغيرات في حركات الحاضر.. وحتى يعمل الكاتب على قاعدة بعيدة عن التمايز التاريخي بين (الماضي/الحاضر) فإنه ينزع إلى إلغاء التاريخ، بحيث لا يمكن القبض على تسلسلٍ زمني ثابت، فيختال النص بين الاعتماد على ذائقة المتلقي، ومحاولة تخييله بالوصف.. فالنص من بعد ينتهي عند المتلقي في اللحظة التي يعاينها الكاتب العليم بها وبتاريخها، وينتهي الحدث عند نقطة القاطعة (نقطة نهاية السطر).

(…، أضف إلى ذلك فإن الماضي كان مرحلة الصعود والتألق، أما الحاضر فهو الانحسار والانكسار، إن لم نقل الضياع وذبول الروح)4.

في هذا المقطع اللاحق.. يقدم الكاتب رؤية للحركة العامة للنص في مستويين.. في الماضي حالة التألق، والحاضر مرحلة انحسار وضياع، وهو يقف مرتبكاً أمام حركة الحاضر السريعة، والمتغيرة العشوائية، في مقابل حركة الثبات التي يعمل فيه الماضي، إنها اللعبة أو الحبكة التي يعمل من خلالها النص، مقاربة ما كان/ الماضي/ المنتهي زمناً، إلى الحالي/ الحاضر/ المحرك.

لذا فان الشخوص لا تستطيع احتمال هذا التحرك فتنسحب موقفة فاعليتها، أما (مرسى ديلة) المكان، فهو مجرد المكان الذي تجتمع فيه الحكاية، وتتجدد في حاضره الميت، محاولة إعادة/إحياء ما انتهي في العودة للوراء.. وهي عودة ترى ما كان تألقاً طالماً يحقق شرط الحياة والتفاعل، الذي يفتقده هو حاضراً.. وأمام هذا كله، يبدو أن فعلاً داخلياً كان المحرك لهذا النص، لأن يكون حتى لا يكون ثمة فرصة للنسيان، أو لاستحضار ما يمكن الوثوق به في وجه الحاضر المربك، (إنك تسرد أحداثا عشتها وذكرياتي تريد أن توثقها حتى لا تنساها أنت،..) إن المتلقي الداخلي لم يغب عنه (ـها) الضمير، لقد حدد الغاية (حتى لا تنساها أنت)، إنه يؤكد هذا لنفسه، ليكون ثمة جدوى من كتابة هذا العمل، لنفسه، التي تتقاطع في أكثر من التقاء يمثل شخوصاً عاشوا الحياة قبل أن يعيشوا النص، ومن بعد يعود إليهم النص سنداً لرؤية الغد، في ارتباكة الحاضر.

[4]

هذه (مرسى ديلة)، حكاية محاولة إثبات حال، في وجه انحسار الحاضر، عندما يتخلى عن الأحلام التي صنعت ليالي الطيش، والرهان على المستقبل، والأفق الذي صاغته الأفكار، وحصانة الإيمان بالعمل.. عندما يقدر للإنسان أن يقف على حركة التغير مكتشفاً فيها انتهاء تاريخه وعجزه عن مرافقة الحاضر إلى المستقبل.. المكان بكل ما فيه من عناصر حياة، يتراجع عن مواصلة دربه، واقفاً بها عند نقطة كشف/ تجلي، حالة رؤيا واستحضار.

مرسى ديلة.. عمل روائي، رأى أن يتخلى عن جماليات/تجاوزات السرد، وغواية الحكي، ليصدر ما حملته الذاكرة مباشرة لنا، العمل في اتجاهنا مباشرة، دون انتظار لفعلنا، فيما يشبه الجوّال يقف ملقياً قصته لا تواريخ، لا معالم، لا شخوص، قصة يقولها شخوص المكان ومعالمه، الجوال يقول ذاته أسطورة. النص يرتبك باستاتيكيته أمام ديناميكية الحاضر. إنه يقابل الحركة بالسكون، التفاعل بالترسب. أن الكاتب وهو يرفع الغبار عن دفاتره يدرك إنه في حاجة لمثل هذا الامتداد لمواجهة ربكة الحاضر وتنصله عن ماضيه.

_____________________

هوامش:

1- عبدالفتاح البشتي (مرسى ديلة)- مركز الحضارة العربي_القاهرة/ط1/2002.

2- المصدر السابق/ ص:76.

3- المصدر السابق/ ص:135.

4- المصدر السابق/ ص:135.

نشر بموقع صحيفة ليبيا اليوم

عـندمــــــا يربـــكـــــــنا الحــــاضر.. قراءة في رواية: مرسى ديلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.