صناعة المفارقة.. قراءة في (قمر لا يشبه امرأة)

ترتبط القصة القصيرة كفن بالمجتمع الذي توجد فيه، وفي تجربتنا العربية ارتبطت القصة القصيرة بالمدينة أو مجتمعات المدينة، كونها وفرت لها الفرصة للظهور والاستفادة مما قدمته للمبدع من فرصة للتأمل والمراقبة، خاصة وإن المدينة العربية نشأت في أخلاط القادمين إليها من البداوة والوافدين. كما إن المدينة كمكان فرضت أسلوبها الخاص على ساكنيها، وضبطت حياتهم. وتجربة القصة العربية تلمست هذه الخيوط وحاكتها قصصاً وحكايات، وتتبعت تفاصيل الحياة من تغيرات، حتى ليمكننا القول إن القصة العربية متن اجتماعي يستوجب الدراسة والبحث.

 

والقاص أول ما يلتقط، التفاصيل القريبة وما ترصده العين من حراك اجتماعي حوله، هذا الالتقاط يعاد إنتاجه في اتجاهين:

– اتجاه يديره الكاتب في اتجاهه.

– وآخر يعيده الكاتب لمصدره.

والمجموعة التي بين يدي تعيد إنتاج نصوصها للمصدر، فهي تخلص للنماذج والصور التي تمثلتها وللمشاهد التي تخللتها وأعادت إنتاجها. لكن الكاتب ينفذ إلى التفاصيل الدقيقة ويعمد إلى النقاط البعيدة فيثيرها ويحملها من طاقته الكثير.

الكاتب في هذه المجموعة لم يحاول المغامرة -ربما كونها التجربة الأولى-، إنما عمد إلى التقاط الصور القريبة منه، وما طال من أحلام وصور، وما التقطته عيه من صور ومشاهدات، أعيد إنتاجها في شكل نصوص قصصية قصيرة، حملت الكثير خصوصية الكاتب في إعادة ترتيب الإحداث بما يلائم الكتابة القصصية الحديثة، فتم التركيز على الحدث الأساس أو الحبكة، وتقديم الشخوص دون الحاجة لتمهيد وتعريف (إذ يكفي السياق لتقديم هذه الخدمة)، والعمل على النص بشكل منفصل عما يتصل به، فيسيطر الحدث الأساس على النص ويستأثر به.

ولقد تنوعت الموضوعات بتنوع الحكايات والمشاهد الملتقطة، فاختلفت النصوص في مداخلها من الحكي (في صيغة الفعل الماضي) إلى العرض (في صيغة الفعل المضارع) أو الرّصد (في الجمل الخبرية). أما نهايات النصوص ففي معظمها انغلقت في مفارقة، وهي تقنية في بساطتها تقدم الكثير للكاتب للانفتاح على العوالم الداخلية للنص، وتكثيف الصورة الموازية في النص، ففي نصه (ما يحدث في الظلام) حملت الخاتمة مفارقة النص وصورته الموازية: (فتحت باب الشقة بخفة لص، اندلقت داخلها ببطء، تجاوزت شخيره العالي إلى الغرفة، ارتشفت نفسا طويلاً، ألقت جسدها على السرير، كان يحمل بقايا رائحة لفيلم هندي وشيء من زيت النارجيل). الحدث الأساس في هذه القصة الزوج (هو)، بينما تكشف الخاتمة حدثا موازيا، أعد له بمجموعة من الأفعال الماضية (فتحت- اندلقت- تجاوزت- ارتشفت- ألقت)، المفارقة كانت باستخدام فعل ماض للتعبير عن نهاية الحدث وتحققه (كان يحمل بقايا رائحة لفيلم هندي وشيء من زيت النارجيل) في (هي) الزوجة.

أما في نص القصة القصيرة العنوان (قمر لا يشبه امرأة) فإن الخاتمة توازن مفارقتها بين الرصد وتحقيق التخلي/النفي (تركت- أمسكت- انطلقت- واصلت)/(لم تستجب). وهو يستعين بالجمل القصيرة، كونها قادرة على الرصد وملاحقة الفعل (الحدث).

تكونت هذه المجموعة في 13 نص قصصياً، كانت المفارقة علامتها المسجلة. فالمفارقة تتيح للكاتب إنتاج حدث أو دلالة موازية للحدث الأساسي للنص، وهذا الحدث يظل بعيدا عن ذائقة المتلقي (إذ لا يعول عليه)، ليجده في ختام النص حدثا مؤثراً في النص، وكون النص دائرة منغلقة على نفسها، فإنه من البديهي إن يعيد المتلقي قراءة النص، في محاولة منه لرصد أي إشارات لهذا الحدث الموازي، لكنه يكتشف أن هذا الحدث أعاد فتح سؤالٍ جديد يمسه هو.

لقد استطاع القاص “منتصر سلام الحراصي” اقتناص مفارقته والتعويل عليها، وإنتاجها في أكثر من صورة تعكس جهد وإيمان الكاتب بنصه، وهذه المجموعة الأولى تقدم صورة عن قاص ناضج واعٍ بما تعنيه القصة القصيرة، فاختار شخوصه وأحداثه من واقعه القريب، لم يرد المغامرة بنماذج غريبة عنه. وهو يرفد هذه التجربة القصصية بلغة سلسلة تنتظم في جمل قصيرة راصدة، لا تحاول المراوغة، تتجه مباشرة للقصد (الدلالة) لا توارب. وأزعم إن النص يحتاج لقراءة أخرى.

نشرت بصحيفة الوطن العمانية_ ملف فنون/ السبت 30 من صفر 1429هـ الموافق 8 من مارس 2008م.العدد(8989).السنةالـ38

صناعة المفارقة.. قراءة في (قمر لا يشبه امرأة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.