ثائر… ثوري

.

في كل القصص القديمة، ثمة بطل وبطلة. البطلة مسلوبة محاصرة، والبطل مغوار يسعى لتخليص البطلة والظفر بها. بعملية إسقاط ساذجة، يمكننا إنشاء العلاقة التالية: البطل = الثائر، والبطلة = ليبيا.

في هذه القصص القديمة، يظهر البطل (الثائر) تضحية وإيثار كبيرين، لا يضاهيان، في تقديم نفسه رخيصة من أجل تخليص البطلة (ليبيا) من قبضة العجوز الشمطاء الحيزبون (الطاغية القذافي) وأزلامه من التنين ذي الثلاث رؤوس (الكتائب) والشجرة المتوحشة (هالة المصراتي) والغابة المظلمة (شاكير والتهامي) والروح الشريرة (المرتزقة). في القصص ذاتها ينتصر البطل على كل العوائق، ويقاتل ويغلب كل الخصوم بمساعدة عين الصقر (الناتو) وبركات الشيخ (المجلس الانتقالي) وتمنيات سكان القلعة (الدول العربية والعالمية) وتحيات سكان السور (الشعب الليبي). في هذه القصص أيضاً، يعود البطل (الثائر) صحبة البطلة (ليبيا) تحفه العصافير والأهازيج، ليزف للبطلة (يندمجا) ويعيشان في سلام، وينجبان الأولاد، تخضر الأرض ويعود لها أمنها وأمانها، وينتعش الجميع.

أما في قصتنا فلأمر لم يسر على ذات الخط، ربما لطبيعة البطل، أو طبيعة الظرف، لكن دعونا نقرأ القصة من لحظة انتصار البطل.

فبعد أن انتصر البطل على العجوز الشمطاء وزبانيتها، وعاد صحبة البطلة للقصر تحفه العصافير والبلابل، مغردة بأصفى الألحان وأعذب النغمات، وأُعلن الفرح لثلاث ليال، فوجئ سكان القصر بالبطل يغلق النوافذ في اليوم الرابع، ثم يعمد إلى غلق الأبواب في اليوم الخامس، ثم يصدر أوامره بإغلاق باب جناح الأميرة وأين يستلم المفاتيح. في صباح اليوم السابع وجد سكان السور أن باب القصر أغلق دون النظر إلى أميرتهم (البطلة) وكان على الباب، راجمة صواريخ، وعلى الأبراج توزعت الـ14 ونص، والـ23. في اليوم العاشر وجد سكان السور على الباب بياناً يتحدث فيه البطل (الثائر) عن معركته، ومدى التضحية التي قدم من أجل البطلة (ليبيا)، وأنه لولاه لما عادت إليهم، وأنه من حقه وحده التفرد بها، فهو وحده من فتح صدره للرصاص، وهو وحده من سهر الليالي، ووحده واجه العجوز الشمطاء (الطاغية القذافي)، بينما أنتم تنتظرون في ظل السور عودته، تتابعون ما ينقله الهدهد من أخبار وتقتلون الوقت بالأولاد، وفي آخر البيان (من الاخير ليبيا لينا).

***

ولتتحقق ليبية الحكاية (سنعمد للإسقاط مباشرة)، ولأنه (من ليبيا يأتي الجديد)، كان أن احتل الثوار ليبيا وسيطروا عليها. تحولت ليبيا (البطلة) من غاية إلى غنيمة.

في إحدى الليالي اضطررت للاتصال بأحد الأصدقاء (من الثوار)، بعد تردد مخافة إزعاجه، لكنني ولحسن الحظ وجدته مستيقظاً:

– قوللي شن اللي صاير؟

– ما اديرش في بالك، هادوا ثوار لعبت بيهم ……….!!!!!.

كنت إلى وقت قريب، أدافع عن الثوار بشكل مطلق، بمعنى (ما نرضاش فيهم دقة الشوكة). كنت متطرفاً في دعمهم والدفاع عنهم، والبحث عن مبررات لتصرفاتهم وأفعالهم. لكن بمرور الوقت، وجدت دفاعاتي تتهاوى، وحدَّتي تخفَت، وأنا أقف على حجم التجاوزات التي نعيشها بشكل يومي. وللحق، لا أعني كل الثوار أو السواد الأعظم منهم، إنما القلة، لكن لخصوصية هذا التشكيل الاجتماعي الجديد علينا وحساسية الظرف، يجعل منه محط أنظار أفراد المجتمع، وما ينتج من تصرفات غير مدروسة أو فردية، ينسحب بالسلب على المجموع، خاصة تصرفات بعض قيادي الثوار.

أحياناً أشعر أن ليبيا كمن يعبر الوادي على حبل مشدود، فإن غفلت لحظة، سقطت، وإن ركزت أكثر تعبت، وإن نظرت للأسفل هالها هول الجرف، ولن يكون من السهل عليها النظر إلى السماء، تظل تنظر أمامها، مقيدة للضفة التي تقترب في بطئ، ولكي تصل تحتاج الهدوء وضبط النفس، والسير في خطوات قصيرة وواثقة.

وأحياناً أخرى، أذهب بعيداً فأرى البلاد وقد تحولت إلى مقاطعات ومحميات، لحظتها أغمض عيني محاولاً حجب المشهد، وأقول:

– للقدافي جبنا الناتو، باهي للثوار من بنجيبوا؟

_______________________________

نشر المقال بموقع ليبيا المستقبل (هـــــنـــــا).

ثائر… ثوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.