أرفع راسك فوق إنت ليبي حر

– من فين حضرتك؟

– من ليبيا.

– أجدع ناس، من فين في ليبيا.

ولم يتركني أستمر، ليسرد علي مدن ليبيا وقراها واحدة بعد الأخرى، حتى إنه لم ينسى (نعيمة).

وإن كان الظرف استثنائياً، إلا إنه لم يمنعني من الجلوس إلى الناس، والحديث عن ربيع الثورات العربية، حتى إني في أحد السهرات، ظللت لأكثر من أربع ساعات أتحدث بدون توقف عن ثورة 17 فبراير، من شرارتها وحتى إعلان التحرير، كانت العيون جامدة، وحدها الأربع والعشرين أذناً من كانت تعمل، ملتقطة كل حرف وآهة، وبين اللحظة والأخرى، أجدهم يتابعون حركات يدي وهي ترسم الأحداث رداً على أحد الاستفسارات، أو تعليلاً على أحد الاستطرادات.

– تعرف إن الثورة بتاع ليبيا، هي الثورة الصح؟

– كيف؟. استدراكاً: إزاي؟

– عشان ثورتكوا خلصت ع النظام، وبدأتوا من الصفر، يعني حتبنو بلدكوا طوبه طوبه على أساس متين.

سائق التاكسي لم يقبل الأجرة، وبائع الفاكهة هو الآخر، منحنا قفصاً من ثمار المنجا هدية لانتصار (الشعب الليبي)، بينما المهندس “هاني” استذكر أيام طفولته في (قمينس) حيث درس الابتدائية هناك، مرافقاً لوالديه المعارين من وزارة التعليم المصري، وهو لازال يتذكر (نعناع قمينس) ورائحته المميزة، ومذاقه في الشاي، وكان لا يمل يعيد هذه الحكاية، حتى لقب بـ”نعناعة”.

– أهلن بالثوار، انتم بقى منين، من ثوار مُصراته ولا الزَنتان، ولا الزاوية، ولا بنيغازي؟

– أنا من بنغازي، وزميلي من طرابلس.

– أهلين بطرابلس، وإنت من أي ثوار بقه، سوق الجمعة ولا فشلوم ولا تاجوره.

أكثر من صديق نصحني بعدم الاقتراب من (ميدان التحرير). بدافعٍ غريب، وجدتني في أحد الأمسيات القاهرية الباردة، اتجه صوب التحرير، وعند الحافة وقفت، تأملت ما استطاعت عيني التقاطه، لم أستطع المضي أكثر، فالتحذيرات وقفت دوني وغايتي، لذا اقتربت بشكل محتشم، وحاولت تشمم رائحته بقدر ما تستطيع رئتي من سحب الهواء إليهما.

استقبلني باسماً:

– ارفع راسك فوق، إنت ليبي حر.
وأردف:

– هتفاتكم جميلة جداً.

هنا ثمة حالة تناغم جميلة. الحياة في القاهرة مستمرة وبشكل طبيعي، الشوارع مزدحمة، والمحلات مكتظة، والمقاهي تعبق برائحة الشيشة، وعلى ذات المستوى من الحيوية، يشتعل ميدان التحرير حماسة. ثوار التحرير أو ثوار يناير، لا يقايضون الشعب عن خروجه أو يتفضلون عليهم بخروجهم. إنما يمارسون ما أمونا به دون منة، فلكلٍ دوره في هذه البلاد من أجل استمرار عجلة الحياة.

– إحنا هنا فمصر غيركم خالص.

– ….

– لو وقفت البلد، حنتسوح.

يصمت، ثم يضيف بحماس:

– والنعمة أنتو الصح.

لا أستطيع أن أحصي كم الدعوات والتمنيات التي أحملها للشعب الليبي، من إخوانه في مصر، من العامل البسيط إلى رئيس مجلس الإدارة. فالكل أجمع على خصوصية ثورة 17 فبراير، والكل يراقب تجربة هذه الثورة، الأمر الذي يجعلنا نعمل بجد بناء دولة مؤسساتية، تكفل حقوق المواطن، تكون قدوة ومحجاً للجميع. فدعونا نعمل بإخلاص من أجل ليبيا.

______________________________________

نشر بليبيا المستقبل

أرفع راسك فوق إنت ليبي حر

تعليقان على “أرفع راسك فوق إنت ليبي حر

  1. مبارك المدونة الجديدة ، مريحة وانيقة ، ومواضيع انسانية بالدرجة الاولى ، كما عرفتك دائما استاذ رامز ، محترم ومخلص ومثقف حقيقى دون ابتذال لا كما كنت ارى واقرا واسمع عن مرتزقة الثقافة فى ليبيا..لك كل المحبة والتقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.