الثـورة المـعـلومـاتـية

يعرف العصر الذي نعيشه بعصر (الثورة المعلوماتية)، فلقد شهدت العقود الثلاث الماضية، قفزة كبيرة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات، ليعرف بصورة أخرى بالعصر الرقمي، والذي هو جزء من الإنجاز الكبير أو المعنى الكبير للمعلوماتية. والثورة المعلوماتية اعتمدت على أربع متغيرات أساسية على الأقل:

– القفزة الكبيرة لتكنولوجيا الحواسيب والمعالجات، ومعالجة البيانات والمعلومات، واندماجها مع تقنية الاتصالات.

– التطور غير المسبوق للتراكم المعرفي، والانتقال من المعرفة العلمية إلى التطبيقات التكنولوجية. بسهولة أكثر وزمن أقل.

– الإنترنت (الشبكة الدولية للمعلومات) التي جعلت من العالم قرية صغيرة، وأدمجت المعارف والمعلومات وجعلت من السهل الوصول إليها.

– أما الرابعة فهي الآثار الممكنة والمحتملة التي يتركها ذلك في حياة البشر، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

وبمعنىً أخر، إن المعنى الحقيقي للمعلوماتية أو الثورة المعلوماتية، هو إتاحة المعلومة، عن طريق الوصول إليها، وتبادلها، بحيث يكون تدفق المعلومات سهلاً. الحاجة للمعلومات وتسهيل تدفقها، أوجد ما يعرف اليوم بالشبكات، التي كانت بداية شبكات خاصة لمجموعة من الحواسيب، بحيث يكون ثمة حاسب رئيسي أو مركزي، يكون القائد والمرجع، لتبادل المعلومات فيما بينها، من بعد كبرت الرغبة في توسيع نطاق هذه الشبكات لتشمل أقسام أخرى خارج نطاق مبنى المؤسسة، فنشأت الشبكة الداخلية الإنترانت (Intranet) التي تعمل لمجموعة من الشبكات، وموازاة لهذه الشبكات نشأت الشبكات العالمية المفتوحة التعامل والتي عرفت بالإنترنت (Internet) أو شبكة المعلومات الدولية كما نعرفها. ولقد ساهمة الثورة الرقمية (Digital Revolution)، في سهولة التعامل مع هذه المعطيات _المعارف_، بتوحيد نمط التعامل، كونها تعبر عن كل شيء رقمياً، فيغدو الدفق المعلوماتي، دفقاً رقمياً أتاح لهذا الكم المعرفي: سرعة التعامل والتدفق، دقة وسلامة المعلومة، طرق حفظ أكثر اقتصاديةً وتناولاً1.

أما دور الحاسوب (Computer)   في هذه اللعبة، كونه الأداة التي يتم من خلالها تنفيذ عملية تكوين وبناء وتصنيف وإدراج المحتوى المعلوماتي، والوسيط القادر على استعادة هذا المحتوى وعرضه، من خلال مجموعة البرامج المعدة للاستخدام، والتي تتيح للمستخدم سهولة الوصول للمعلومة، ومع التقدم الكبير الذي تشهده تقنية المعالجات (Processors) صارت الحواسيب أكثر سرع في معالجة البيانات، أكثر تلبية لرغبة المستخدم في تنفيذ التطبيقات، خاصة وإن هذه المسالة تفيد المبدع لتنفيذ ما يرغب2.

الغريب في مسألة الثورة المعلوماتية، السلوك غير المتوقع في تقبلها، فعلى العكس من المبتكرات العلمية والتي قُوبلت بشيء من التوجس والريبة، وجدت الثورة المعلوماتية من خلال التطورات التقنية تقبلاً وانشراحاً، فانتشرت بشكل سريع وسهل وتعامل معها الجميع دون تفرقة في جنس أو لون أو عمر. حتى تحول الأمر على ما يشبه الهوس بهذه التقنية. يقول “د.سمير إبراهيم حسن”: (…، وإذا كانت هذه الوسائل قد غيرت أسلوب حياتنا وعملنا وانتقالنا ووقت فراغنا وطرائق تعاملنا وعلاقاتنا مع الأسرة والأصدقاء والوقت حن الآباء، فكيف سيكون للأجيال الجديدة التي ستعيش حتماً في بيئة من الوسائل والوسائط المعلوماتية الأكثر تطوراً بما لا يقاس بحاضرنا؟ وماذا سيحدث للخصوصيات والهويات المميزة بالصيغة التي نفكر فيها اليوم؟ وهل سيستطيع المجتمع استعادة تفرده بخصائص منظومية تميزه عن غيره؟)3. وإن كان مجموعة من علماء الاجتماع يحذرون من خطر هذه التقنية وما أحدثته من ثورة في المجتمعات، وأنها ستجعل لا حدود للحريات وتقصي الأديان والأعراف خارج دائرة اهتمامات الإنسان، يقف على الصف المقابل من ينادي بضرورة فتح المجال لهذه التقنية أكثر وتقريبها من المستخدمين وتوفير فرص أكثر للمجتمعات النامية للحاق بركب الدول المتحضرة، فهو يرون إن مقدار تقدم الأمم يقاس بمقدار ما حققته من تواصل مع هذه التقنية. ولعل أصدق مثال على رغبة الجمهور في التواصل أكثر وإيمانه بالثورة المعلوماتية، عن تكون أحد النقاط الرئيسة في الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي السابق “بيل كلنتون”.

موازاة لما أحدثته من تحولات انعكست على كل مناحي الحياة، كان لهذه الثورة المعلوماتية الأثر الكبير في الإبداع –بمختلف أشكاله وأنماطه وأجناسه-، حتى ليمكننا الحديث عن مدارس إبداعية جديدة، ارتبطت بشكل مباشر بالتكنولوجيا الرقمية والإنترنت.

الأدب بما يمثله من قيمة إنسانية وإبداعية، هو نسق معرفي أو معلوماتي، يتم التعامل معه بذات الطريقة التي يُتعامل بها مع أي معلومة أخرى، فالحركة في الشبكة المعلوماتية هي حركة سيل رقمي، لا يعرف كنهه إلا بإعادة تحويل هذا الدفق لصورته الأصلية، وبذا فإن التعامل يكون سهلاً وميسراً. وكون الأدب لا يتشكل إلى في التلقي، لتذوق أبعاده الإنسانية والإبداعية، فإن أول ما تقدمه هذه الثورة المعلوماتية من خلال شبكة المعلومات الدولية، هي إتاحته على هذه الشبكة (تقديمه)، بحيث: يسهل الوصول إلى هذه المادة الأدبية.

وسنحاول من خلال مجموعة من المقالات مقاربة هذا الشكل الثقافي الجديد واستكشاف بواطنه، والبعث في أشكاله وأنماطه، محاولة منا لتقريب الصورة أكثر من ممارسي الإبداع والقارئ. والله من وراء القصد.

_________________

1- رامز رمضان النويصري (المعلوماتية في خدمة الأدب) ورقة- 14/12/2005/ قصر الثقافة- طرابلس.

2- سيتم الحديث من خلال موضوع مستقل على الكاتب الرقمي (أو المبدع الرقمي).

3- د.سمير إبراهيم حسن. (الثور المعلوماتية، عواقبها وآفاتها). مجلة جامعة دمشق-المجلد 18/العدد الأول-2008-ص211.

الثـورة المـعـلومـاتـية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.