التجليات النفسية في شعر رامز النويصري

سالم أبوظهير

موقع: صحيفة المنظار | 1 مايو 2022م.

قراءة مؤجلة 

 أنا وبشكل شخصي، أحب شعر رامز النويصري ويعجبني جداً، قرأت وأقرأ كل قصائده (تقريباً)، وكثيراً من هذه القصائد، أعيد قراءتها أكثر من مرة وبلا ملل، ونالت بعض نصوصه الشعرية نصيباً مهماً، في كتابي قراءات في نصوص ليبية.

وربما من المفيد الإشارة، إلى أنني سبق وشرعت في كتابة هذه القراءة النفسية المتواضعة، لبعض أو لنموذج من أشعار الشاعر رامز النويصري منذ عام 2014م، ولظروف ما توقفت عن مواصلة الكتابة، ثم وبسبب قاهر اختفى من حاسوبي بشكل كامل كل ما أنجزته من هذه القراءة، فيما بقيت فكرة استكمال هذه القراءة وإعادة كتابتها تلوح من حين لآخر، فالقراءة مكتملة في ذهني، لكنها خضعت للتأجيل لأسباب مختلفة أيضا، لذا ألتمس العذر لأي خلل أو قصور..

ويهمني أن يعرف القارئ أن هذه المقالة ليست نقدية، لكنها انطباعات عن نصوص وقصائد للشاعر، أعجبت بها وأحببتها وتفاعلت معها فكتبت عنها. وعلى اعتبار أن النص الشعري بشكل عام- يصبح بعد نشره تركة مشروعة وملكاً للقارئ يحق له أن يفسره كيفما يريد، ويستلهم منه ويكتب عنه كيفما يشاء..

الشعر وعلم النفس

الشعر، – كما مختلف أشكال وصنوف الإبداع – تعبير وتمثيل خالص، بشكل صريح أو غامض لانفعالات وأحاسيس ودوافع ورغبات، وعواطف ومشاعر، وغيرها من المظاهر والملامح النفسية، التي يشعر بها الشاعر، وتمس نفسه، ويلجأ لترجمتها والبوح بها في شكل أبداعي خالص، وربما من هنا برزت نظريات علمية متعددة، تشير للدور النفسي في الأدب بشكل عام، الأمر الذي يشير، إلى العلاقة الحميمية والمتأصلة والقديمة، بين علم النفس أو علم دراسة النفس البشرية، وبين إنتاج الإبداع وتفسير مختلف صنوفه بشكل عام.

كما يمكن أن نلمس العلاقة بين الإبداع الشعري وعلم النفس، من خلال وجود مدارس لعلم النفس الأدبي، وعلم نفس الإبداع، وعلم نفس الشعر، واستناداً إلى كون أن الشعر يعتمد ويترجم الحالات النفسية والوجدانية لدى الشاعر، فيعكس عن طريق اللغة ما يجود به الخيال والتخيل والانفعالات والرغبات والدوافع، وكل حالات النفس البشرية، ويعرضها في لغة إبداعية، يشترط نجاحها أن ينفعل بها المتلقي ويتفاعل معها.

 بلاد تغار من ألواني الزاهية

وهذه القراءة (التجليات النفسية في شعر رامز النويصري)، محاولة – من منظار نفسي- لسبر أغوار، وتحليل حزمة من القصائد والنصوص، التي وردت في مجموعة شعرية عنوانها (بلاد تغار من ألواني الزاهية) نشرها الشاعر عن مؤسسة الكلمة نغم في مصر في عام 2012م، وتضمنت أكثر من عشرين نصاً إبداعياً ما بين قصيدة، ونص شعري، كتبها الشاعر كلها خلال فترة تواجده بالمملكة المتحدة بمدينتي نيوكاسل ولندن، خلال الفترة ما بين 2007 م إلى 2009م.

 وتضمنت المجموعة الشعرية (بلاد تغار من ألواني الزاهية)، عدداً من القصائد والنصوص الشعرية مرتبة كما وردت بالمجموعة على النحو التالي:

الكرسي (2)

وجه الصوت

وجه الفراغ

تغلغل

بلاد تغار من ألواني الزاهية

وجه الحكاية

حلم بالخروج

حساب

صوت

مباهج وتضمنت النصوص التالية:( لون.. يوم.. إجابة.. ريح.. ربما.. عين.. محطة.. تحذير)

أملي

وحدة

قال العصفور

مدينة

لا شيء هنا

حركتان لأجل الحلم

الكرسي (1)

كما هي

سبع خطوات للعودة وتضمنت النصوص التالية: (اللحظة.. خطوة للوراء.. حكاية.. مسافة.. مسافة أخرى.. واقعة.. ضياع)

قراءة قصائد ونصوص المجموعة

اختياري للكتابة عن  مجموعة (بلاد تغار من ألواني الزاهية) الشعرية ، للشاعر رامز النويصري، من بين الكم الكبير لنتاجه الشعري المميز ، لم يكن صدفة أو اعتباطا ، لكنه كان مقصوداً بشكل كبير، فمعظم قصائد ونصوص هذه المجموعة كما سنوضح لاحقا، تضج – بشكل مباشر أو غامض  – بالثراء على آفاق مفتوحة من الدلالات والجوانب النفسية العميقة والمؤثرة، التي أضفت على نصوص رامز النويصري الشعرية، بشكل عام  جمالاً وتميزاً، وتجعل من هذه النصوص بشكل خاص  محطة مهمة في الشعر الليبي المعاصر، جديرة بالدراسة والنقد والاهتمام.

البيئة

 كل قصائد ونصوص هذه المجموعة، كتبها رامز النويصري، عندما كان يقيم في مدينتي نيوكاسل ولندن، وهذه بيئة مكانية مختلفة بشكل كبير جداً، عن بيئة موطنه الأصلي مدينة طرابلس. وهذا ذكرني بما أشار إليه الشاعر والناقد علي بن الحسن القاضي الجرجاني، في مؤلفه النقدي الشهير “الوساطة بين المتنبّي وخصومه”، من أن ” للبيئة تأثير على معاني الشعر وعلى لغته، والتي تستقي مما هو محيط بالشاعر”(الجرجاني، 1994) *، بمعنى أن هذه المجموعة اكتسبت خصوصية متفردة، كونها كتبت في بيئة مغايرة، لبيئة الشاعر الأصلية.

وقد أنتجت هذه البيئة الجديدة المختلفة عن بيئة الشاعر الأصلية، قصائد أخاذة تعج بالدلالات النفسية المعبرة عن هذا التأثير، وهذه الدلالات أيضا أنشأت صوراً حسية، فحقق الشاعر بذلك في قصائد هذه المجموعة الشعرية في المجمل، وظيفة سامية من وظائف الشعر المتعددة، وهي إيقاظ الحواس الخامدة وتحريك المشاعر الراكدة، فيفصح عنها وينقلها للمتلقي، بأسلوب أحسب أنه يميز الشاعر النويصري عن غيره. في المقطع الأول، من قصيدة بلاد تغار من ألواني الزاهية نقرأ:

البلادُ ليستْ لي

ولا البردُ الذاهبُ في العظامِ صديقي

يصفعُني كلَّ صباح،

ويسرقُ من صدري أغنية.

تأمل معي الجوانب النفسية والمشاعر المتباينة، في المقطع السابق، والتي لا يملك القارئ إلا التفاعل معه، وتأمله وإعادة قراءته، حتى ليشعر مع الشاعر بأنه يشعر بغربة الشاعر، وما يرافق هذه الغربة لتجاوز مرحلة الشكوى من المكابدات اليومية المتكررة كل صباح، إلى غربة نفسية يرافقها القلق والانزعاج من البرد الذي يصيب عظامه، في بلاد تختلف اختلافا كثيراً، ولا تشبه بلاده. ومما يعكس بعداً نفسياً متأزما للشاعر، تكراره لجملة “البلادُ ليستْ لي” مرتين في قصيدة بلاد تغار من ألواني الزاهية، يكررها مرة ثالثة وبانفعال أشد يعكس درجة كبيرة من الإيلام النفسي الذي يشعر به الشاعر، وهو مغترباً في بلاد لا تشبه بلاده، فيقول في قصيدة لاشيْ هنا:

ليست الريحُ التي أعرف، وليست اللغةُ التي أغازل”

البلادُ ليستْ لي

ولا تلك.

حين يختم قصائد المجموعة بنص ضياع في حلم بالخروج، وهي آخر قصائد المجموعة ينهيها صارخاً:

أصرخُ

البلادُ ليستْ لي

ولا تلك.

البوح والتأويل

ومن جانب آخر، فقد حققت هذه المجموعة الشعرية، تفرداً واختلافاً ضمن به الشاعر رامز النويصري على نحو ما، وبصور مختلفة تجاوب القاري مع نصوصها وقصائدها مجموعته الشعرية. وبشكل سردي حاذق نقل إلينا الشاعر في مواضع متعددة، وشاركنا حالاته اليومية، وما يعتمر في نفسه من تحولات وهو في الغربة، وسواء تم هذا النقل عبر البوح المباشر، أو عبر التأويل الذي يتركه لكل قاري أن يستنتجه بشكل يختلف ربما عن قاري أخر أو يتفق معه مصادفة، أو بشكل مقصود، لكنه حدث وبشكل متكرر، فيخبرنا الشاعر عن غربته وعن بعض مما يخاف، فيقول لنا مثلاً في قصيدته لاشيْ هنا:

“لكني غريبُ هنا، وأخافُ الأشياء التي لا تتحدثُ لغتي”

وفي قصيدة حلم بالخروج يصور لنا الشاعر بشكل متوتر، بعض من حالاته فيقول:

“أصرخ

أريدُ الهروب

درباً أخر / لا يعود

سقفاً لا ينحني”

وماذا كان يعمل خلال ساعات اليوم المختلفة صباحاً ومساءً وليلاً، فينقل لنا بعض عاداته اليومية، فيقول مثلاً في مواضع متعددة من قصيدة حلم بالخروج: “أرفعُ النهار مبكراً”.. “أهربُ الى المطر” “أذهبُ أسفلُ الرصيف”، أدوس صحيفة الميترو”

وفي قصيدة مدينة يقول: “أتسللُ تحت الأسفلت، أغور في أقدام العابرين “

ويصور له بعض ما يستحسنه في بلاد الغربة فيمدحه في قصيدة لاشيْ هنا فيقول ملمحاً إلى نظافة مدن الإنجليز: “الريحُ هنا لا تتحدث لغة الغُبار، لا ترفع الشوارع عالياً، ولاتبحث في الزوايا عن هدوءِ تضع إليه أحمالها” كما ينقل لنا بعض ما يستهجنه أو هو مثار سخريته فينتقده في قصيدة الكرسي (1) ” السماءُ رمادية، والشمسُ كذبة “، ويصف لنا في قصيدة صيف صورة أخرى يبدو أن الشاعر يستهجنها بقوله:

” وتظل تعوي، الريحُ

لا تحتفل بالمكان، ولا تسأل التاريخ متى؟ تظل تعوي”

فيما يصور لنا الريح بشكل مختلف في قصيدة مباهج، نص ريح فيقول:

” الليلة، لم تجد الريح مكاناً

سكنت عند نافذتي، وغنت

الصوت مختلف، والكلمات ضاجة”

الهوية والذات

الهوية، والحديث عن الذات والماهية الخاصة برامز النويصري، يظهران باستمرار في عدد من قصائد ونصوص مجموعته الشعرية. حيث يكرر دائماً ما يشير الى هذه الأنا: وكنموذج لذلك ما استفتح به قصيدته صوت التي بدأها بالحديث عن نفسه فيقول بشكل مباشر في أول بيت فيها:

” هذا أنا

ما تعلمتُ بعد كيف أرفعُ يدي لأطوق الصباح

وأرسمُ حوله وردة “

  ونجد هذه المفردات في قصيدة الكرسي (2) “.. أرمي بيدي.. تبدأ في كفي.. يجمع أطرافه إلي.. يجدني مازلت ” وفيما تزخر قصيدة تغلغل، بعدد كبير من المفردات الدالة على ضمير المتكلم أو بتاء الفاعل على نحو “.. سرتُ.. افترشت.. جلستُ.. تبدأ في كفي.. يحاصرني.. يجدني مازلت.. افترشت.. قلبتُ.. حملتُ.. رفعتُ” نجد الشاعر أيضا يرجع لذاته ويتحدث عنها بشكل أكثر توسعاً وتكراراً في قصيدة حلم بالخروج ” أفتحُ.. أحاولُ.. أمحُ.. أدوسُ.. أصرخُ.. أهربُ”

______________________________________

هوامش:

* الجرجاني القاضي، علي بن عبد العزيز: الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق: محمد إبراهيم وعلي البجاوي، مطبعة الحلبي، القاهرة،1994

التجليات النفسية في شعر رامز النويصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.