البــــرنــــامــــج الـــيــــومــــي

طـرابـلـس 4

قوس ماركوس أورليوس - باب بحر - طرابلس 

الأيامُ لا معنىً لها، متشابهة ورتيبة الإيقاع. الساعاتُ تمر ثقيلة، تتعمدُ البطئ وأنت تراقبها. لذا ابتكرتُ طريقة تمكنني من رفع ثقلها قليلاً، والتنفس. قمتُ برفع الساعة عن معصمي، وجدار غرفة المعيشة، وإخفائها عن سطح المكتب لجاهز الحاسوب، فلقد قررت أن أعيش بطريقة بدائية، اليومُ يبدأ مع شروق الشمس، وينتهي مع غروبها، وموازاة الآخرين والكائنات الحية في حركتهم. بالرغم من بدائية هذا النظام، إلا إنه وفر لي نمطاً حياتياً منتظماً إلى حدٍ كبير. فمثلاً، الـ07:30 موعد الذهاب للمخبز، وحتى الساعة الـ11:00 موعد فتح أقرب الدكاكين بابه للزبائن، فرصة للإفطار والخروج في جولة، وساعة صباحية للجلوس للحاسوب والكتابة، وهكذا لبقية الأمور، حيث وضعتُ جدولاً للمحلات والدكاكين القريبة من البيت، لمعرفة مواعيدها، وإن كان بعضها كثيراً ما يخالف هذه المواعيد، خاصة فيما يتعلق بفترة المساء.

 

هذا البرنامج لا يتضمن الذهاب للحلاقين، فمحلات الحلاقة الخمس التي تحوطني مغلقة منذ بداية الأحداث، وقررت ألا أبحث عن أيها، حيث سأوفر وقت البحث والجلوس انتظاراً للدور في أشياء أكثر فائدة، خاصة وإن عوامل التعرية أخذت من سنوات في حتِّ رأسي، وربما خلال السنة القادمة سأتخلص منه كلية، لا أعني رأسي بل شعري، بفتح الشين. زوجتي بمساعدة آلة الحلاقة الكهربائية تقوم بما يلزم. حيث يتحول وقت الحلاقة إلى مهرجان في حضور صغيرنا، الذي يقفز هنا وهناك، ثم يدفعُ برأسه لأقوم بحلاقته، فيتمسك بي ارتيباً من صوتِ آلة الحلاقة الكهربائية، وفي منتصف الطريق، يبدأ بالحركة ورفض الاستمرار.

وتماشياً مع الظروف، فإن هذا البرنامج لا يشمل الكثير مما اعتدناه. فمثلاً، توقفتُ عن شراء الملاحق الثقافية الأسبوعية، فهي لم تعد كذلك، ومن قبل لا أقوم بشراء الصحف اليومية أو الأسبوعية إلا ما ندر. أما المجلات المحلية والعربية فقد تكفلت الظروف بإيقافها. الكتب تم تعليقها إلى أجلٍ غير مسمى (يفرّج الله)، فالمسألة تتعلق بالمصروفات. وما ساعد على أمر التعليق، اكتشافيُ أن حجم مكتبتي الإلكترونية احتوى أكثر من 13 جيجا بايت، بمحتوى يقدر بأكثر من 64000 ملف. لم أقرأ أكثرها، فكانت البديل المثالي، في وجود مجموعة كبيرة من كتب التراث العربي، والكتب العلمية المختلفة، ومجموعة مكونة من أكثر من 200 رواية، من أهم الروايات العالمية باللغة الإنجليزية، إضافة للموسوعة البريطانية.

وهو أيضاً –أي البرنامج اليومي-، لا يتضمن أي رحلات إضافية، غير مخطط لها مسبقاً. فالزيارات في أقل مستوياتها، والعذر الذي لا يُرد (وين البنزينا). أما الذهاب للتنزه، فقد ألغي تماماً لذات السبب، فحولنا الفناء الخلفي إلى حديقة صغيرة، باستنبات مجموعة من النباتات، وهو مشروع كانت بدأته زوجتي، فاحتوت الأصص، من مختلف الأحجام، على مجموعة من النباتات؛ كالريحان، البقدونس، الفلفل، الطماطم، النعناع، الصباريات، ونباتات زينة مزهرة وغير مزهرة. وبحضور عصافير (القصبي)، تحول المكان إلى ملتقى، يبدأ منذ الصباح الباكر بوصلةٍ زقزقة متباينة الإيقاع، لتعيدها مساءً. أما ما ظل ثابتاً، هو جولاتي الصباحية التي تصلني بوسط البلد. وتحت إصرار ابني، قد نخرج سوية للسير في الحي للترويح عن النفس، وهنا نفسه.

فترة النهار أقضيها عادة قرب الحاسوب للكتابة والقراءة، والتي تتوزع بين المطالعة المتخصصة، أو المطالعات الأدبية والثقافية. ما بعد الظهيرة يكون للجلوس أمام التلفزيون لمتابعة أحد الأفلام الأجنبية، أو مشاهدة القنوات الوثائقية. وتفاعلاً، يكون المساء لمتابعة آخر مستجدات الأحداث والأخبار. ولتسهيل المهمة، قمت بجمع القنوات وفقا لتخصصاتها إلى باقات. يوم الجمعة مخصص للراحة، فهو اليوم الخاص بالأشغال العامة بالبيت، من ترتيب وتنظيم، واستحداث لمجموعة من التغييرات. أو إجراء بعض التصليحات، لأن جدولي الأسبوعي مشحون عن آخره.

لست الوحيد الذي يعاني من ثقل الوقت، والفراغ. لكن لكل طريقته في معالجة الأمر. أحد الزملاء أخبرني أنه قام منفرداً بطلاء منزله بالكامل، منفقاُ أسبوعين للانتهاء (على راحتي، وحدة وحدة). آخر لا يفارقه جهاز التحكم (من قناة لقناة). ثالثٌ تحول للعمل مشرف على أحد مجموعات التنظيف بعد أن رحلت الشركة الأجنبية التي كان يعمل بها. ولسبب ما أجدني أتذكر قصيدة (عن البرنامج اليومي) للشاعر: الجيلاني طريبشان:

أقفل باب الغرفة

أطفئ تبغ الغجر على منضدة من وجدة

وأقلم أزهار الأصص البلورية

وأغني:

“بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه

وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

فقلت له: لا تبكي عينك إنما

نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا”

وأقفل مرتعداً صوب الحان

________________________

تنويه: سلسلة المقالات هذه كتبت خلال الفترة من شهر مارس وحتى سبتمبر 2011. في محاولة لرصد أحوال طرابلس الحبيبة.

نشر في: صحيفة فبراير/ العدد 30/ 16-10-2011

البــــرنــــامــــج الـــيــــومــــي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.