فـــــراغ

طـرابلـس 2

قوس ماركوس - طرابلس - باب بحر 

لا شيء تغير، أنفق الساعات صحبة حاسوبي، يشاكسني ابني الصغير، يضغط زراً، يسحب سلك الفأرة، ويولي هارباً صوب أمه.

عدتُ قبل ساعة أو أكثر، المشهد في طرابلس في شكلهِ العام لم يتغير، مازالت كسولة، والحركة متأخرة، والحدثُ الجديد هو طوابير البنزين، إنها الحديث الرئيسي بعد الخبز والغاز، والعلامة الواضحة في المدينة، اختفت من المخابز لتعيد ترتيب نفسها عند محطات الوقود، حيث وصلت السيارات المصطفة إلى أكثر من 1.5 كيلومتر. لم أدهش من طولها، بل من قوة صبر أصحابها. ولأننا في ليبيا، نحب أن نعيش مواقفنا وأزماتنا بشكل مختلف، كان التنسيق يتم بين بعض المجموعات المصطفة، في ترتيب أمور المبيت والإفطار وطهي وجبة الغداء (مكرونة مبكبكة). لكن الأمور لم تكن تسير بانتظام في مجملها، كانت ثمة أحداث وقصص عجيبة، كأن يتحكم مجموعة من القباضيات في محطة الوقود التي بمنطقتهم –كما يقولون- ويمنعون عنها من هم خارجها، أو قد يسمحون، لكن بعد التأكدِ من أنه لا توجد سيارة بالمنطقة تحتاج لوقود. أو أن يتوجب عليك دفع 10 دينارات أو أكثر للحصول على مكان أقرب (تزريق)، ولو كنت ممن لا يتحلون بالصبر، فيمكنك شراء عبوة 20 لتراً بمثيلها من الدينارات. ليصل في الأسابيع التالية إلي حوالي 90 ديناراً ليبياً.

أحدُ الأصدقاء، قرر إيقاف سيارته والذهاب للعمل ماشياً، الطريق تستغرق حوالي الـ45 دقيقة، وبانتهاء الأسبوع الأول، كان قد وضع لنفسه برنامجاً بحيث يتمكن من الوصول في الموعد، وبأقل مجهود. صديقُ آخر تحول إلى استعمال الدراجة، كان يستعملها بشكل أسبوعي كتمرين للياقة، والآن يتمرن بشكلٍ يومي. يعلقُ أحدهم:

– لو كنا نملك وسائل مواصلات عامة، محترمة ومنظمة، لكان جزء كبير من المشكلة حل، على الأقل للحركة داخل المدينة.

أما هي، فما عادت طرابلس التي أعرف. ثمة مسحة من تعب، وحالة من وهن تدبُ. فقدت بريقها الذي يميزها، وبهاء طلعة كانت تغارُ منها الشمس. عيناها فقدت جاذبيتها، فلم تعد تحفل بزينتها، ولا مشاكسة العابرين في طرقاتها، ولا الابتسام في وجوه التلاميذ صباحاً، ثـقيلة خطاهم باتجاه المدرسة، صامتون، لم أعد أسمع صيحاتهم الصباحية ولا هرجهم يعبرون من أمام البيت، وحده “الكردي”1 في كل صباح يصدح: نحن عيله، وهذا بونا.

عند حوالي الـ12:00، أخرج على صوت إطلاق متصل للرصاص وصياح، عند وصولي لمفرق الطرق القريب من البيت، أجد مجموعة من الشباب تجمعت في المساحة وسط المفترق، حيث كانت سيارة تدور في وسطهم على عجلتي المقدمة، بينما تحركت عجلتي المؤخرة زاعقتين على الإسفلت، وفي الكرسي المحاذي للسائق، كان ثمة من يقوم بإرسال صليات متتالية من بندقية كلاشنكوف في السماء. المتفرجون يهتفون ويصرخون، حاجزين السيارات إلى أمكانها، دون أن تتمكن من إكمال سيرها. الكثيرون مثلي اكتفوا بالفرجة، والمتابعة. اكتفيتُ بما شاهدت وعدت أدراجي، بينما الصوت لا زال يلاحقني (إللي ما يبي بات خميس، يعدي يدور وين يعيش)2.

في الليل يبدأ الجزء الآخر من اللعبة. إذ فجأة يخيم الصمت، في بعض الفترات ينقطع صوت السيارات، حتى إني لأخرج للمراقبة. لأجد بعضاً من شباب المنطقة يجلسون عند زاوية الشارع، يدخنون ويشربون القهوة، تمر أحد سيارات (الحرس الشعبي) تتوقف عندهم، يدور حديث، يقطعه عرض أحدهم على ركاب السيارة تناول القهوة، لكن أحدهم يكتفي بسيجارة، لتعاود انطلاقها من جديد. يتقدم الليل أكثر، أصوات الرصاص تنطلق في كل وقت، حتى صرتُ أخمن نوعية السلاح المستخدم؛ مسدس، كلاشنكوف، رشاش، ومكانه بالنسبة لدرجة حدة الصوت، محاولة مني لتطبيق بعض قوانين الفيزياء. وقد يمر بالقرب من البيت –وهذا يحدث كثيراً-، رتلٌ من السيارات مطلقة منبهاتها، يشاركها زعيقها صياح راكبيها، حتى ليتأكد لدي إنهم ليسوا في وعيهم، لما يقولون. في أحد الليالي طاف بحينا أحدهم وهو يطلق هتافاً عبر مكبرٍ للصوت (حيه عليهم حيه.. جيش معمر جيه).

تهدأ طرابلسُ من جديد، وكأنهم تعبوا فسكنوا إلى أماكنهم. الليلُ يكاد، السماء تحول لونها إلى الأزرق الغامق، صوتُ خشخشة، لحظتها ينطلق آذانُ الصبح.

____________________

1- (هذا بونا)، من أغاني المرحلة للفنان الشعبي “سمير الكردي”.

2- أحد الهتافات الكثيرة التي انتشرت في تلك الفترة.

تنويه: سلسلة المقالات هذه كتبت خلال الفترة من شهر مارس وحتى سبتمبر 2011. في محاولة لرصد أحوال طرابلس الحبيبة.

نشر بصحيفة فبراير 01-10-2011

فـــــراغ

4 تعليقات على “فـــــراغ

  1. الفراغُ كان مهيمناً جداً . . . لا ينكسرُ شيءْ مِن الروتين إلا في أيامٍ معدودات عندما تكون هنالِك هجمةٌ قويّة لطائرات التحالف أو عند إتفاق شباب الحيْ على إختبارِ مدى جُبنِ الكتائب بالتوالدِ في ظلالِ الليل و الترقب لأيْ مركبةٍ قد تخطئ و تتجرأُ أن تمرّ من الشوارِع الداخلية . . . .
    أتذكّر أيضاً أنّه و بمجرّد إنحناءِ الشمس إلى مخدعها . . . يسودُ فراغٌ مهيب تتمنى معه أن يحدثَ إنفجارٌ ما , صيحةٌ ما أو وشوشة بسيطة تكسرُ الحاجز .

    إحترامي أخي رامز .

    1. رامز النويصري يقول:

      أخي محمد.. أشكر هذه المتابعة.
      هو كما قلت، كانت طرابلس خلال الأحداث مختلفة عما نعرف. ستظل هذه الأحداث ذكريات وخواطر.

      تحياتي

  2. نبيلة يقول:

    (فقدت بريقها الذي يميزها، وبهاء طلعة كانت تغارُ منها الشمس. عيناها فقدت جاذبيتها، فلم تعد تحفل بزينتها، )
    الآن فقط … ومن تلك العبارات أدركت بأن توأم روحي هي طرابلس الحرة .
    أبدعت سيدي …شكرا لك
    نـــــــــــــــــــبيلة

  3. نبيلة يقول:

    (إللي ما يبي بات خميس، يعدي يدور وين يعيش)كان زمااااااااااان .
    اللي ما يبي هالخسيس توا بيهناله العيش …

اترك رداً على رامز النويصري إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.