التـغـيـيـر

من داخل باب العزيزية

يذهب الكثير في تشبيه ثورة الشعب بالبركان، لالتقائهما في الكثير من النقاط، فهما يبدأن العمل من الداخل، ورغم محاولات رصد هذا الغليان الداخلي، وتسخير ما يمكن من أجهزة وأنظمة ومعدات، لا يمكن التنبؤ بموعد الانفجار، ولا مقدار ما سيذهب إليه، وأي مدىً ستطاله الحمم وهي تزحف. تطلق البراكين الكثير من معادن الأرض، وتترك وراءها تربية غنية للزراعة. وتطلق الثورات الشعبية الكثير من الهتاف، وتترك وراءها أرضاً غنية بالأمل في غدٍ أفضل.

 

وفي الوقت الذي ظن فيه الكثير إن زمن الثورة والثورات الشعبية قد ولى وانتهى، وأن (الثورة) تحولت إلى مادة تاريخية، لا توجد إلا في المتاحف أو كتب التاريخ، جاء الربيع العربي لهذا العام بفيض ثوري قوي، كان محط أنظار العالم، ومادة للدراسة. فالشعوب العربية التي اعتقد الكثير، بخنوعها وبمهادنتها، وأنها في سعيها للقمة العيش نست مطلب الحرية والحياة الكريمة، أثبتت فشل المعادلة السياسية العربية. وكشف هذا الربيع –أيضاً- عن حقيقة الشباب العربي، الذي اتهم بالرخوة والتراخي، ليقود ثورة أطاحت برموز الظلم والطغيان. خرج الشعب يطلب حريته، يطلب حياة كريمة، خرج أعزلاً إلا من قوة الحق، يريد التغيير لا أكثر.

المفهوم الدارج أو الشعبي للثورة هو الانتفاض ضد الحكم الظالم، أما بعض المصادر فتعرف (الثورة) كمصطلح سياسي: بأنها الخروج عن الوضع الراهن سواء إلى وضع أفضل أو أسوأ من الوضع القائم. أما التعريف أو الفهم المعاصر والأكثر حداثةً: هو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته “كالقوات المسلحة”، أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية1. ويمكننا القول، إن (الثورة) هي أحد أدوات أو أشكال التغيير، التي يلجأ إليها الشعب. ومطلب التغيير لا يهدف إلى إلغاء الأنظمة، بقدر ما يسعى للإصلاح وإعادة الهيكلة. فالشعوب العربية التي خرجت كانت تطالب بالتغيير، منادية بالإصلاح وضمان حياة تكفل حداً من حقوق المواطنة. لكن أمام جبروت الأنظمة وآلتها الأمنية الظالمة، تحول مطلب التغيير إلى ثورة شعبية، تهاوت أمامها أنظمة حكمت بقوة الحديد والنار، وظنت إنها يد الله المطلقة في عبيده.

في ليبيا لم يكن التغيير ممكناً، للكثير من الأسباب، ولعل تعليق أحد السياسيين على هتاف (الشعب يريد إسقاط النظام) بقوله: أي نظام، فليبيا دولة ألا نظام؛ يجمل الأمر كله. وهكذا انطلقت ثورة الشعب الليبي في 17 فبراير، مسجلة ملحمة بطولية رواها أكثر من 40,000 شهيد، فالثورة التي خرجت سليمة، دفعها النظام إلى حمل السلاح دفاعاً عن نفسها وسلميتها. والمسألة التي أريد التوقف عندها، هي مسالة الثورة والتغيير، فإن كانت الثورة تقوم على انتفاضة الشعب وخروجه للشوارع، رفضاً للظلم والانقضاض على الحكم القائم، فالتغيير فعل مشاركة فئات الشعب والنخب الثقافية والسياسية، لمحاصرة وإزاحة رواسب النظام القديم. نحن لا زلنا في مرحلة الثورة، طالما إن إعلان التحرير لم يتلى بعد. لندخل من بعد مرحلة التغيير، وهي أهم مرحلة لبناء ليبيا جديدة، وما أريد التأكيد عليه، أن التغيير (أو الثورة) وسيلة وليست غاية. وسيلة للوصول لحياة تُضمن فيها الحقوق الأساسية للمواطن. وليست غاية، لأن التغيير سيجر وراءه مئة تغيير، وسندخل في دوامة، ويكثر اللغط والهرج، ولا يعود الاستقرار ممكناً.

إن فهمنا لهذه النقطة، مهم جداً ومفصلي، للنهوض بالبلاد والخروج بها سالمة إلى بر الأمان، فهذه الثورة التي خرج بها شعب ظل لأكثر من أربعين عاماً محروماً من العمل السياسي ومن الانخراط ضمن مؤسسات العمل المدني، يحسب له أنه أنشأ مجلسه الانتقالي في بداية زحفه من أجل التغيير، سابقاً بذلك دولاً أكثر تجربة سياسية منا، وما أكده من ثباتهم وانتصارهم لبلادهم، يوضح صدق العزم، وسلامة هذه الثورة. وأعيد، إن التغيير وسيلة، أو مرحلة يجب ألا نتوقف عندها كثيراً، حتى لا نستهلك فرصنا المستقبلية، ولا نضيع الكثير من الوقت، وهذا يدعونا لنبذ الكثير من أفكار الإقصاء. إن الهدف الأساسي هو بناء ليبيا الجديدة، وعلينا الاستفادة من كل الطاقات المتوفرة، بدون تمييز أو تفضيل. إن الأهم في هذه المرحلة هو الالتفاف حول المجلس الانتقالي والمجلس التنفيذي، لسد الطريق أمام كل متسلق، وممن يحاول سرقة ثمرة النصر من شهداء ثورة 17 فبراير، أو ممن يتحدث باسم الليبيين أو ليبيا. إرادتنا كشعب مؤمن بوحدته، هو القوى الكفيلة بالخروج بالبلاد بأسرع ما يمكن، لمرحلة الثبات وإعلان الدولة الجديدة، والزمن سيكون في صالحنا لبناء دولة حديثة، تحقق الأمن والاستقرار لشعبها، فكل الليبيون شاركوا في هذه الثورة، ولو بالدعاء.

__________________

1- عن موسوعة ويكبيديا.

نشر بصحيفة أطياف. العدد:1/ 01-10-2011

التـغـيـيـر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.