احتفائيات الكتابة

حول كتاب ” قراءات في النص الليبي ” للكاتب الأديب رامز النويصري

عمر علي عبود

القراءة ليست بالعمل الهين.. خاصة إذا ما تعلقت باقتحام تجارب الآخرين وبسط الصورة المضمنة داخل التجربة كي تنبي عن أشياء لم تكن متبدية لدى القارئ العابر.. وإنما تعني القراءة هنا استنباط أهم ما تحويه هذه التجارب والوقوف على نقط انطلاقها وتبلورها حتى تؤول إلى شكلها الظاهر الساكن بين ظلفتي الكتاب.. وكثيرا ما تكون هذه القراءات في شكل مقاربات شبه نقدية ترنو إلى تتبع مكامن الأساسيات في البناء النصي.. ومن جهة أخرى قد تكون حالة تلمس لتناصات تدور حول التجربة أساسا.. وليس يعني هذا نوعا من التشابه مع تجربة أخرى أو اقتناصا منها.. وإنما هي أقرب إلى تماس في الحالة أو تقارب نوعي في إحداثيات التـجـربــة ومحيـطها النصي.. وليـس هنــاك أصـعب من قـراءة التجارب أو النصوص إلا قراءة هذه القراءات ومقاربة هذه المقاربات.. لكن هذا الفضاء ليس أكثر من عرض لتجربة القراءة في عمومها تسعى إلى طرح محتويات الكتاب.. ومن خلاله تطرح كافة التجارب التي تتضمنها هذه المقاربات في العموم.. وفي هذا الكتاب ” قراءة في النص الليبي” لرامز النويصري في جزئه الأول نجد أنه تضمن مستويات ثلاث رأى الكاتب أنها يمكن أن تقدم الكثير انطلاقا من شمولها ووصولا إلى تحديدها..

وقد تضمنت القراءات تجارب شعرية تهدف لمقاربة الشعرية عن الشاعر وأخرى في مجموعات شعرية تتناول مقاربة النتاج الشعري وصولا لمقاربة النص الشعري ذاته.. وقد تتحول القراءة ذاتها إلى نص.. كما يتحول العرض إلى قراءة.. لكن في كل الأحوال يكون الهدف استجلاء النواحي الجمالية في الكتابة والوقوف على مواضع ترسيخ وجود النص ليثبت ذاته وسط زحمة الكتابة وشق طريق يفتح الآفاق صوب دروب أخرى وبراحات جديدة تصقل الأقلام وترسم الأحلام دون أن تخشى الزحام أو تخدش الأنام.. البداية كانت بالتجارب الشعرية.. فكانت قصيدة النثر مثار التناول.. وهنا يرى النويصري أن العملية الثقافية في بلادنا تعتمد الشرق كمنهل من مناهل المعرفة وأن ثقافة الآخر لم تصل إلينا إلا عبر الشرق رغم نبعها المغربي.. وقد وجد الكاتب نفسه في هذا السياق يحاول أن يصل لمقاربة أو نوع من التواصل بين المشرق والمغرب في إطار الكتابة أو النص الشعري تحديدا.. فقد بدأ بالتطرق لتجربة مجلة ” شعر ” والتي قادها أدو نيس رفقة يوسف الخال وأنسي الحاج.. وكانت تتضمن تنظيرات تخص قصيدة النثر وتبين نواحيها الجمالية رغم أن قصيدة التفعيلة لم تكن تعطي الفضاء الملائم لشقيقتها النثر.. وحين كان ذلك في المشرق كان المشهد الشعري الليبي ينضوي تحت إطار الشعر العمودي والتفعيلة.. وقد ذكر بعضا ممن نسجوا خيوطهم على سدة التفعيلة في الشعر الليبي منهم لطفي عبد اللطيف وخالد زغبية وحسن السوسي ورجب الماجري وراشد الزبير.. ويذكر هنا أن هيمنة التفعيلة في ليبيا ظلت حتى أوائل السبعينات من القرن المنصرم.. حيث اعتبر أن تجربة الشاعر عبد اللطيف المسلاتي هي انطلاقة القصيدة النثرية في ليبيا مع النصف الثاني من السبعينات.. وفي تلك الفترة بدأ وجود هذه القصيدة يلاقي نوعا من القبول من خلال النشر في أعمدة الصحف والمجلات.. لكنه يرى أن بعضها كان يقترب من الخاطرة.. فكانت فترة الثمانينات هي البداية الحقيقية والتي شهدت ثراء في تنوع هذه القصيدة وتعدد اتجاهاتها.. ومن ثم استعرض بعض الأسماء التي أصدرت مجموعات شعرية تنطوي على قصائد نثرية ذكر منهم إضافة إلى المسلاتي أيضا عبد الرحمن الجعيدي ومحمد الكيش.. وفي التجارب النسائية كانت مجموعات شعرية لفوزية شلابي وعائشة المغربي وزاهية محمد.. ويبرز النويصري هنا تجارب أخرى سبقت هذه التجارب من ناحية اقتحامها المشهد الشعري.. لكنها التحقت مؤخرا بركب القصيدة النثرية حيث وصف بأنهم تخلوا عن الوزن وغيروا وجهتهم صوب النثر منهم علي صدقي عبد القادر والسنوسي حبيب وإدريس ابن الطيب.. وبعد المرور على المراحل التي أكدت تواجد قصيدة النثر ولج مرحلة جديدة اعتبرها صياغة جديدة للنص.. وهي مرحلة التسعينات.. فهذه المرحلة شهدت بروز أسماء جديدة إلى عالم القصيدة النثر الذي تحول في بعض أحيانه إلى سرد.. لكن حقيقة من ألحقهم بهذه المرحلة هم من دخلوا المشـهد الشـعري في مرحـلة الثمـانينات.. وربمـا كــان الرجــوع فــي ذلـك إلى المجـموعـات التي صـدرت لهـم في التسـعينات.. لكـن عـلى أية حـال لا يمكن اعتبارهم ضمنها.. فهذه المرحلة شهدت دخولا قويا لنخبة من الشباب كانت لهم بصمتهم على الساحة الشعرية في البلاد بأسرها.. وبعد أن مر على قصيدة النثر في ليبيا كانت له وقفة على جنس آخر من الشعر وهو ما عرف بالشعر المحكي والذي شهد ترعرعا في أواخر التسعينـات وبـدايـة الألفينيات.. ومــن المعــروف أن هــذا اللــون اعتبر هجينا من الشعر الشعبي أو الزجل والقصيدة الفصحى.. وأيضا من لون آخر هو الشعر الغنائي.. وقد اعتبر رامز أن شعر المحكية هو أحد وجوه الخروج عن القصيدة الشعبية.. لكن سؤالا ظل عالقا يبحث عن إجابة طرحه رامز.. وهو يتعلق بمدى تحقيق الشاعر لمراده جراء هذا الخروج.. ومن هنا كان لا بد له أن يسبر أغوار هذا اللون كي يقف عند حدود سؤاله.. فكان استعراض شيء من التجارب الأبرز في هذا المجال.. وتبدو بلا شك تجربة الصيد الرقيعي هي الأنضج والأقوى في هذا اللون نظرا لانطلاقها من الشعر الفصيح.. ويبدو ذلك جليا من خلال نصوص الرقيعي في مجموعته الشعرية الأولى ” عيون سالمة “.. فهذه النصوص تبدو قراءتها متيسرة بحيث يمكن أن تقرأ على أنها بالفصحى.. ويأتي على إثره شاعران آخران هما سالم العالم ومحمد الدنقلي.. وثلاثتهم كانوا يمثلون هذه التجربة التي شهدت احتفالا محتشدا بها في فترة معينة.. وقد نوه رامز إلي أن خوضه غمار الشعر المحكي يأتي في إطار محاولاته للوقوف على تقنيات هذا اللون وما ينطوي عليه من تجارب.. لكن هذا اللون قد يحتاج بعض الوقت حتى يصبح في شكل يحمل فرادة واستقلالية عن الألوان الأخرى…ذلك أن عدم اتضاح تقنياته قد يعطي المجال لالتباس ألوان أخرى تحسب عليه دون أن تكون في سياقه…ولأن الشاعر جيلاني طريبشان كان أحد رواد الخروج عن التفعيلة فكانت تجربته مثار اهتمام النويصري من خلال النص الأكثر ألما لهذا الشاعر “مكابدات “.. والعنوان وحده ينوء عن كاهل الشاعر.. فما بالك بالنص.. جيلاني ومكابداته كان محور التجربة الثالثة التي تناولها رامز واصف إياها بأنها تحتاج وقفة خاصة كون الشاعر يترك نصه يتشكل عبر صوره في سياقه العام.. وإذا كان جيلاني يمثل نمطا متميزا بلونه الذي ظهر في تسعينات القرن المنصرم…إلا أن بداية تجربته كانت في الثمانينات.. تلك الفترة التي وصفها رامز بالمفقودة وجعلها محور التجربة الرابعة متناولا أبعادها وتأثيرها…ويعزو هذا التقسيم العشري كونه التقسيم الذي درج عليه الكتّاب و النقّاد…وقد اعتبر أن مرحلة الثمانينات كانت فترة تجارب واستكشاف لمرحلة جديدة من الشعر بعد تكريس المرحلة السابقة المندرجة في السياق التقليدي والمؤطر…وليكون الانطلاق نحو التحديث والتجديد في مرحلة التسعينات التي أنتجت نصا جديدا محفوفا بنظيراته الحداثية…ولأن هذا المرحلة مازالت متواصلة حتى مع قرب انقضاء عشرية جديدة بعدها فإنها لا تزال موضوعا حريا بالبحث وفق ما رآه الكاتب.. وتحت عنوان “رؤية الشعر.. رؤية الشاعر ” كان موضوع التجربة الخامسة التي تطرق لها الكاتب… وتتجلى هذه الرؤية من خلال نصوص الشاعر ” فرج أبو شينة ” عبر مجموعتيه الشعريتين ” العالم يستبدل ثيابه “..و.. ” اهتـداءات غزال يـركــض ” ليـصــل إلى أنــه لا يغـادر لغـته محتفظا بنفس التراكيب دون أن يغامر بإطلاق النص شانه شأن كثير من شعراء القصيدة النثرية في بلادنا..

أما المجموعات الشعرية التي تمثل الجانب الثاني في الكتاب فقد كانت تدور حول مجموعة ” بالبنفسج أنت متهم ” للشاعرة فوزية شلابي صاحبة النص النسائي الأكثر نضجا بين الشواعر الليبيات والذي تطغي فيه الأنثى لحد يجمع بين الثورة والعشق وانتقاصه الأنثى… أما ” الاندهاش والمراوغة ” فهو يتناول مجموعة ” شجر الكلام ” للشاعر عبد السلام العجيلي… ذلك المشواشي العائد من آخر الغزلان.. صاحب القلب الطري.. في حين كانت محاولة أبعد عن التجنيس تتناول مجموعة ” أنفاس ” للشاعر مفتاح ميلود الذي يتفيأ شعرية الجبل الشامخ معبرا عنها بأنها طاقة حقيقية باتجاه حالة من التجرد والمباشرة دون خلق المفارقة…وفي محاولة للقــراءة.. للمس…للغرفــة.. تأتي مجموعة جديــدة للشـاعــرة ” مريم سلامة ” بعنوان ” معجم الحمامة /محاولة لتأثيث الغرفة ” حيث يصف أنها تتميز عن سابق تجربتها وهي محاولة لفتح الأفق الأكثر تجاه القبول بالشكل والاختلاف فيه.. فيما تظهر روح الشعر حينا وتختفي حينا آخر… وفي كف الشعر تأتي قراءة لتجربة تفعيلية لأحد المرتكزات المهمة في براح التجربة الشعرية الليبية ككل…” قراءات في كف سندبادة ” للشاعر لطفي عبد اللطيف متوسما فيها شذرات صوفية ذات وجد متوتر.. وآخر قرآني تظهر فيه بعض التعابير الواردة فيه… في حين اعتبر بعضها جانبا من الإنشاد استمده الكاتب من خلال بعض الألفاظ التي زج بها الشاعر في نصوصه بتمكن لغوي وأداء مثير..وفي آخر الجوانب التي تناولها الكتاب كانت نصوص مختارة لشعراء اختارهم الكاتب ليرسم خطوطه حول تجزيئاتها وسطورها التي تراءت له بين السطور.. حواء القمودي حازت الركن الأول من هذا الفضاء من خلال نصها “هي وعاداتها “.. والذي كانت مقاطعه تبتدئ بهذا الضمير الغائب الحاضر…فكانت هي حاضرة بنصها كاملا في القراءة.. أما النص الثاني…فكانت وبكل تواضع قراءة في نصوصه.. وما أجمل أن تكون قراءة الشاعر في نصه !.. فهو أحسن من يجيد قراءته وحتى لا يستأثر بهذه القراءة فقد جعل شريكا له في جزء منها.. فكان الشريك شاعرا قال إن اسمه زكريا العنقودي الذي يكتب عن المازد ا والروثمان والحضرة والعاشورة…فصار يشكل كل منها قصته بالشكل الذي يريد.. وكان الشاعر “محمد زيدان ” ضيفا على القراءة التالية من خلال نصه ” سورة لخيط الحرير الناعم والمتين “.. يؤكد فيه على الدور المهم للغة و إمكاناتها في تجاوز أدوارها الأساسية إضافة لقبولها لأشكال هندسية حديثة…فكشف من خلال النص عن طاقات وآفاق للخروج عن دائرة الاحتمالات والإحالات تحت تأثير المراوغات و استعراض القدرات.. أما خاتمة القراءات والكتاب فكانت ” في الغابة التي وئدت ” لمحمد العريشية.. حيث يصف بأنه من خلال هذا النص يخرج عن نسقه اللغوي ليعنى بأنساق الكلام والحرص على اختيار المفردات.. فيصدر مفردة معجمية جامعا حولها مفردات تنادمها وتؤنس وحدتها.

وهكذا كانت هذه إطلالة حول هذا الكتاب الذي تناول عديد التجارب التي جاب أعماقها الكاتب الشاعر حتى لأنه وجد طريقا في تجربته الخاصة ليعلن عن نفسه ضمن المشهد الشعري ولا يكون فقط مجرد قارئ مشاهد.. فكان مع كل التجارب وفي عمقها.

احتفائيات الكتابة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.