قصتي مع اللغة العربية

اليوم العالمي للغة العربية


يرجع عشقي للغة العربية إلى المسلسلات اللبنانية التي كان يبثها التلفزيون الليبي، وفي الغالب كان أكثر البرامج التلفزيونية باللغة العربية، بداية من مسلسلات الرسوم المتحركة، إلى مسلسلات المساء والسهرة، وكيف لا أفتن باللغة العربية، وأنا أسمعها على لسان عملاقة الدراما والأداء وقتها: عبدالمجيد مجذوب، رشيد علامة، محمود سعيد، أنطوان كرباج، ليلى كرم، وغيرهم ممن أمتعونا بأدائهم وجمال انسياب اللغة على ألسنتهم، قبل أن تهجم علينا المسلسلات البدوية، والقروية1.

من البرامج التلفزيوني التي كنت من متابعيها على مر السنوات، باختلاف النسخ المسلسل العراقي (مدينة القواعد)، والذي تخصص في التعريف باللغة العربية وعلومها من نحو وصرف وبلاغة، من خلال مجموعة مميزة من الممثلين المميزين، أذكر منهم: جعفر السعدي، أمل حسين (وهي مذيعة)، محمد حسين عبد الرحيم، خليل الرفاعي، وغيرهم ممن أبدعوا خلال حلقات المسلسل.

أما في الراديو فكانت الكثير من البرامج، أذكر منها برنامج للشيخ “عبداللطيف الشويرف”، ولا يمكنني أن أنسى وأنا أتحدث عن الراديو واللغة العربية، صوت الشاعر والأديب والإذاعي الكبير “فاروق شوشة”، وهو ينساب عبر راديو أبي مساءً، هادئاً بإيقاعه السلس، خاصة برنامجه (لغتنا الجميلة).

في المدرسة -وللأسف- كان الأمر مختلفا، ولا أريد أن أقول سيئا، فاللغة العربية في المدرسة كانت مادة جامدة، ومجموعة من القواعد والتطبيقات التي كانت العصا كفيلة بإجبارنا على حفظها وترديدها دون فهم، لذا لم تنشأ علاقة جيدة بيني وبين النحو، لكني وجدت في كتب المطالعة بعض الراحة.

في المرحلة الإعدادية لم يكن الحال بأحسن، وإن كنت تميزت في القراءة، بسبب حبي للمطالعة، فكنت لا أتردد في قراءة دروس المطالعة أو النصوص الشعرية. وأذكر أني في تلك الفترة كتبت أولى محاولاتي؛ وكانت قصة، تحولت إلى قصة مرسومة، متأثرا بالمجلات التي كنت أطالعها.

في المرحلة الثانوية تغير الأمر بعض الشيء، فقد اكتشفت البلاغة، وأستطيع القول -جازما- أني دخلت عالم اللغة العربية؛ حبا وعشقا وهياما، من خلال البلاغة، ومازالت كتب البلاغة المنهجية في مكتبتي.

نعم حبي للبلاغة جعلني أحب العربية أكثر، ومكنتني مما كنت أبحث عنه من أدوات، لأبدأ مرحلة جديدة في الكتابة، كانت نتيجتها مشاركتي في المسابقات المدرسية وحصولي أثناء دراستي الثالثة ثانوي على الترتيب الأول في الشعر على مستوى تعليم طرابلس بقصيدة (على ترابك فلسطين)، والترتيب الثاني في القراءة الحرة.

أما النحو، فأستطيع القول إن الأستاذ “علي زوبي”، تكفل مشكورا بتحسين علاقتي به، لنبدأ عهدا جديدا.

بدأت البحث في كتب اللغة بقصد التعلم، عقب انتهائي من دراسة الشهادة الثانوية فخلال العطلة الصيفية كنت أتردد على مكتبة (مصطفى قدري معروف)، للتزود من معين اللغة والبحث في القواميس، حتى وقعت على كتاب (المعنى والإعراب عند النحويين ونظرية العامل)، في أحد المكتبات بوسط طرابلس؛ أظنها مكتبة الوحدة العربية، للدكتور “عبدالعزيز عبده أبوعبدالله”2، وهو في قسمين، حيث لأول مرة أكتشف لما الإعراب وأهميته التي غفلت عنها مناهجنا طيلة الـ12 عاما دراسيا، وهو العلاقة بين الإعراب والمعنى، وإنما الإعراب لإثبات المعنى والعكس، وهنا أذكر أحد الأمثلة الظريفة؛ عن مسلسل (مدينة القواعد)، عن (حتى) التي حتحتت قلوب النجاة، ففي جملة: أكلتُ السمكةَ حتى رأسها، أكثر من وجه لما بعد حتى وإعرابه أو المعنى المراد إيصاله، فعلى سبيل المثال:

في حال اعتبرنا حتى حرف عطف، فإنك تكون أكلت السمكةَ ورأسَها (أكلتُ السمكةَ حتى رأسَها)، حيث ما قبل وبعد حتى منصوبان.

أما إن اعتبرنا حتى حرف جر، فستكون أكلت السمكةَ إلى رأسِها (أكلتُ السمكةَ حتى رأسِها)، أي وقفت عند الرأس ولم تأكله.

لغة جميلة ومعجزة، ولها القدرة على مواكبة العصر والتطور، وهكذا بدأت رحلتي ليكون الكتاب التالي (مفتاح العلوم)3، وتلاه في البلاغة كتاب (أسرار البلاغة)4، للجرجاني، لاكتشف معنى وجمال قصيدة شاعر النيل “حافظ إبراهيم” في رثائه العربية (اللغة العربيَّة تنعى حظّها بين أهلها) عندما يقول:

أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي

وفهمت لماذا قال الشاعر، (صدفاتي)، في إشارة منه لدرر اللغة التي تحتاج لمن يغوص لأجلها، ويجتهد في الاختيار والبحث عن اللؤلؤ الذي يختبئ فيها. وهنا أذكر موقف أحد مناقشي خلال عرضي لمشروع تخرجي، وكان باللغة العربية بناءً على طلب الدكتور المشرف، حيث اعترض المناقش حول استخدام اللغة العربية، وكانت النتيجة أنه طلب مني إضافة ملحق خاص بالمصطلحات المترجمة مرتبة ألفبائياً. وكان سبب الاعتراض أن هذا العلم يدرس باللغة الإنجليزية، واستخدام المصطلح العربي يسبب ربكة في الفهم لعدم التعود على ذلك. وبعد الانتهاء من دوشة مشروع التخرج، برقت في ذهني فكرة (قاموس مصطلحات الطيران)، وبدأت فعلياً في ذلك، ورتبت مجموعة كبيرة من المصطلحات، وشرعت في العمل على شرحها، ولكني بعد فترة توقفت عن ذلك بسبب المشاغل، فالأمر لم يكن بالسهل كما تصورت.

أنا ضد من يقول إن اللغة العربية لغة متخلفة، دون أن يلم بعلومها ويقف على جمالها وبيانها، وهي الغنية بمفرداتها وقدرتها على الوصف، والاشتقاق والتفوق على اللغات الحية الأخرى في ما يتعلق بوضع المصطلحات العلمية والتقنية، فنحن لن نحتاج -على سبيل المثال- لدمج كلمتين أو نحتهما، لوضع مصطلح. بل إن اللغة العربية فيما يتعلق بالتقنية، ومن خلال تجربة شخصية، قادرة بشكل كبير على توصيف المنظومات وشرحها وتسمية مكوناتها بشكل واضح، قابل للتصور، وأقرب للفهم.

وما زلت استمتع بالسباحة في بحر العربية، منتشياً بالموج وهو يحملني ويهدهدني على إيقاع الشعر، ويرحل بي إلى آفاق البيان. إن أكثر ما تحتاجه اللغة العربية، خاصة في هذا الوقت إلى غيورين على لغتهم، يجتهدون في دراستها وتقديمها للعالم بشكل مختلف وأكثر فاعلية وتطوراً.


1- في ثمانينيات القرن الماضي باشر التلفزيون الليبي بث -ولسنوات- مجموعة كبيرة من الأردنية البدنية والقروية، بشكل مبالغ فيه.

2- عبد العزيز عبده أبوعبدالله (المعنى والإعراب عند النحويين ونظرية العامل)، منشورات الكتاب والتوزيع والإعلان والمطابع، طرابلس، 1982م.

3- الإمام سراج الملة والدين أبي يعقوب يوسف ابن أبي بكر محمد علي السكاكي (مفتاح العلوم)، ضبطه وكتب هوامشه وعلق عليه: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية 1987م.

4- الإمام عبدالقاهر الجرجاني (أسرار البلاغة في علم البيان)، صححها وعلق حواشيه: السيد محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، 1982م.

قصتي مع اللغة العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.