عراجين حنان .. كما هي!!

ورقة مقدمة في احتفالية توقيع ديواني الشاعرة حنان محفوظ – منتدى السعداوي – طرابلس، 16 نوفمبر 2020

الشاعر رامز النويصري


ليس الشعر وسيلة للرصد أو الوصف فقط؛ إنما هو أداة فاعلة في الاستكشاف وإعادة قراءة الأحداث وتوصيفها بطريقة مختلفة ومغايرة، يتحول فيها الجماد إلى كائن تسكنه روح وقادة، والأفعال تتخلى عن حدودها لتتماهي في المشهد. بالتالي، تنعكس هذه الرؤية في تشكيل الشعر؛ لغة وصوراً، إذ تتخفف القصيدة من أثقالها وتطفوا سابحة باطمئنان.

في العام 2006م نشرت دراسة مطولة بعنوان (النـثر يقــود الثـورة .. الشـعر يطلق أصواتـهن)*، والتي تتلخص حول تجربة قصيدة النثر النسائية في ليبيا (لو جاز استخدامي لهذا التوصيف أو التصنيف الجندري)، وأن النثر كجنس شعري، استطاع أن يطلق صوت الشاعرة عالياً وقوياً، لكني الآن أضيف، إن قصيدة النثر أمدت شاعرتنا بالكثير من الألوان والإكسسوارات لتجميل قصيدتها، لكنها بذكاء عرفت كيف تتعامل مع هذا الزخم، وكيف تحول البساطة إلى نقطة جذب.

في مجموعتيها الشعريتين (قصيدة ليست لي) و(عراجين حنان)، اللتين نحتفي بهما اليوم، تواصل الشاعرة “حنان محفوظ” مسيرتها في كتابة الشعر من مبدأ البساطة، وهي في هذا تشترك مع شاعرتين؛ أم الخير الباروني، وحليمة العائب، الملاحظ إنهن بدأن الكتابة الشعرية في ذات الفترة، مما يجعلنا نتساءل عن المؤثرات التي جعلت من البساطة قاسماً مشتركاً بينهم؟

بساطة وعمق

إن القارئ لنصوص الشاعرة “حنان محفوظ” سيقف بشكل مباشر على مدى بساطة هذه النصوص، وخفتها، فهي نصوص لا تبحث كثيرا في قاموس اللغة، إنما تقدم نفسها للقارئ من خلال مفردات يعرفها جيداً، ويستخدمها. صورة أخرى للبساطة؛ هي الصورة الشعرية البعيدة عن السريالية، فالصورة الشعرية لا تذهب في التفاصيل وتكتفي بالخطوط الخارجية للوحة، فهي لا تعول على انغلاق الصورة أمام القارئ، لأن الهدف هو أن يصل النص -وكما أرادته الشاعرة- بكل ما يحمل من طاقة إلى القارئ مباشرة، دون حواجز.

هذه البساطة ليست بريئة، فحال دخولك للنص سيتسع الأفق أمام القارئ، ولا يعود من السهل الإمساك أو الوصول إليه، وهو العمق الذي يعكس البعد النفسي للنص أو أثر هذه النص في نفس الشاعرة، وهذا العمق يختلف من نص إلى نص، ويتباين في ذات النص أحياناً؛ بين الارتفاع والانخفاض، والاستواء، في مجاراة لوقع الحدث وإيقاعه.

في خزانتي القديمة، ثياب رثة
أحاول أن أرميها
فتعلق بمقبض الخزانة
وتتشبث بأدراجها
تراوغني وتعود
إلى ظلمة الأدراج
توصد في وجهي أبواب الخزانة وراءها
لأمضي
(ذكريات – عراجين حنان: ص 44-45)

المدخل المفتاح

ملمح فني آخر أتوقف عنده، هو مدخل النص؛ والذي يعتبره الكثير من النقاد أحد العتبات المهمة عند قراءة النص نقدياً (أو فنياً)، وفي هاتين المجموعتين لا تتبع الشاعرة نمطاً معينا في كمدخل في نصوصها الشعرية، عاكسة بذلك اشتغالها التلقائي حال الكتابة، ودرجة تفاعل الحالة النفسية.

عند هذه الوقفة، يمكننا التنويه إلى العنوان كأحد المفاتيح للدخول إلى عوالم النص، والذي مع مدخل النص يشكلان البوابة التي تفتح أمام القارئ المجال لاستكشاف النص، ويمكننا أن نوجد علاقة بين هذا الحدين وعمق النص، وهي وإن لم تكن علاقة خطية مباشرة، فيمكننا من خلالهما -أي العنوان ومدخل النص- أن نشاهد بداية الطريق، وإلى أين يمكنه أن يغوص بنا!

تخيل بأنك لا زلت تصغي لصوتي
يهمس بالغناء
بأغنية جمعتنا على البحر
(شايف البحر شو كبير)
تخيل
أشياء كثيرة لم أعد أذكرها
ولكني نسيت بأنك
تركت نظارتك على حافة
بئر معطلة…
(تخيل – قصيدة ليست لي: ص 72)

الصورة بكل وضوح

أشرت في أولى الملاحظات والخاصة بمسألة البساطة، ما يتعلق ببساطة الصورة الشعرية في نصوص الشاعرة “حنان محفوظ”، وفي ظني إن هذه البساطة مبعثها رؤيا الشاعرة وفلسفتها، لا قصور في امتلاك أدواتها الشعرية، لأنها في صورها البسيطة كانت قادرة على إبهار المتلقي، ليقينها إن الجمال في البساطة، والخطوط الهادئة. والجلي أن الشاعرة نجحت إنتاج صورة شعرية؛ بسيطة وقوية التأثير، خاصة وإن هذه البساطة تمنح القارئ -المتلقي- تجسيداً مباشرا قابلاً للتصور.

كلما صفعتني أكف الريح
أتوارى بفيض جنوني
وراء اسمك
(فيض جنون – عراجين حنان: ص 60)

الأسود يليق بنا
الغيم أسود
يستغول فوق البنفسج
السماء سوداء
ملؤها سحب عقيمة
إلا من الموت
(الأسود يليق بنا – قصيدة ليست لي: 80)

القصيدة على المحاور

تجرأ مرة وتبعتها مرات في وضع النصوص الشعرية على المحاور الرياضية (س – ص)، بقصد الوقوف على درجة توتر النص، وإيقاعه الداخلي، وهذه الطريقة (أو الأسلوب) تعتمد على قياس العلاقة بين بناء النص وإيقاعه الداخلي.

جاءت نصوص الشاعرة في بنائها عمودية، والقصد إن بناء النص قائم يتبع خطا واحدا حتى نهاية النص، ولو اعتمدنا هذا الحد على محور الرأسي (ص)، ووقعنا إيقاع النص كدالة على المحور الأفقي (س)، فسنجد إن نصوص الشاعرة جاءت في نمطين أو طورين:

الطور الأول؛ يبدأ فيه أيقاع النص هادئاً ثم يرتفع، ويعود من بعد لمرحلة الهدوء. وهذا يمكننا الوقوف عليه في النصوص التي تطول بعض الشيء.

الطور الثاني؛ يبدا النص من مرحلة الهدوء، يثبت إيقاعه حتى نهاية النص. وهذا الطور يغلب على أكثر النصوص القصيرة في المجموعتين.

للخروج أقول…

عن الشاعرة “حنان محفوظ” في هاتين المجموعتين الشعريتين، لم تختلف كثيرا عما قرأته لها، ولا أقصد الجانب الفني، بل إنها لم تستعر أي قناع لتختفي وراءه، كانت من القوة والجرأة بأن تكتب (عراجين حنان) كما هي بدون لف ولا دوران، وبلا خوف تعترف هذه (قصيدة ليست لي).

______________________

هوامش:

* نشرت هذه الدراسة على 4 أجزاء بصحيفة (العرب تلغراف): العدد:0_ الخميس:21-27/9/2006 – العدد:1_ الخميس:28/9-4/10/2006 – العدد:2_ الخميس:5-12/10/2006 – العدد:3_ الخميس:12-19/10/2006.
حنان محفوظ (قصيدة ليست لي) – 2020.
حنان محفوظ (عراجين حنان) – 2020.

عراجين حنان .. كما هي!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.