الرواية والطريق

رواية الطريق للكاتب حمد هلال


الرواية الليبية بخير!!

كنت أعلق بهذه الجملة، كلما انتهيت من قراءة رواية جديدة، وبشكل خاص للكاتب شاب. أما لماذا هذا التعليق فلظني إن الرواية الليبية هي من الأجناس الأدبية الليبية التي لم تلق الاهتمام مقارنة بالشعر والقصة، وعدد كتابها المحدود. لكن السنوات الأخيرة كانت بمثابة الانتفاضة للرواية الليبية، خاصة وإن الكثير مما صدر من روايات يعكس شجاعة هؤلاء الكتاب الشباب، وإيمانهم بموهبتهم.

الرواية التي انتهيت منها، ومازالت بين يدي تنتمي لهذا الزخم الروائي الشاب، وإن كتبت برؤية رومانسية ذكرتني بروايات الجيب، فهي رواية سلسة، هادئة الإيقاع، عميقة، شخصياتها مرسومة بعناية. ففي هذه الرواية اختار الكاتب أن يبدأ من نقطة متقدمة في أحداث الرواية، ومن خلال حدث يجبر فيه بطل الرواية على ترك البيت الذي يسكنه، وحتى إن أوجد البطل العذر لهذا لقرار صاحب البيت، إلا أنه يكشف لنا أولى صفات شخصية البطل، وسلوكه، واضعاً إيانا في مواجهة مبكرة مع حدث مفصلي وتوقع لردة فعل البطل، أو من نظنه! 

ومع تقدم أحداث الرواية زمنيا، نبدا التعرف إلى ملامح بطل الرواية؛ “جهاد منصور” والتعرف إلى عالمه الذي أقامه من حوله، قبل أن تقوده الأقدار إلى العمل في فرن لتبدأ المرحلة الثانية من حكايته، والتي سيكتشف فيها مرضه، ويبدأ رحلة العلاج التي تكلل بوصول محبوبته.

يمثل الفقد أحد أهم المرتكزات التي اعتمدها كاتب الرواية لبناء نصه، وبناء شخصية البطل “جهاد”. كما إن الكاتب تعمد أن يترك لنا الفرصة للمضي في الرواية قبل أن يكشف في مرحلة متقدمة لنا، ثنائية الفقد المتمثلة في؛ فقد الوالدين، وابتعاد الحبيبية. ليجد “جهاد” نفسه منقطعا عما يربطه بهذا العالم، فيهيم فيه على وجهه تحمله قدماه من مكان إلى مكان حتى وصوله لفرن العم “محمود”.

العم “محمود” أيضا يشكو الفقد، فبعد فقده؛ زوجته وابنه تركته ابنته للعيش مع زوجها، وعندما استضاف هذا الجوال، وطلب منه تنظيف الفرن، وراقبه وهو يرسم، تأكد من أنه أمام شخص مختلف، فمن يملك هذه الموهبة، لابد أن يكون مختلفاً.

“أمل” أيضاً، تشكو من فقد ما، لذا وجدت اكتشفت أن “جهاد” رئي في وجهها ما لم تراه هي، ولا الآخرون.

أما “شهد”، التي كانت حاضرة كطيف، خلال الرواية، نكتشفها حقيقة بعد زيارة العم “محمود” لقرية “جهاد”، واتصاله بها،  لتكون مشهد الختام. وهو ما ذكرني بنهايات الأفلام العربية القديمة، ومن الرومانسية والنهايات السعيدة.

الرسم، كان وسيلة بطل الرواية للتعبير، وكان الرسم بالفحم والقلم غاية تتحقق فيها خلوة البطل وصياغة رؤيته للعالم حوله، واكتشاف أسراره. هذا الموهبة، عول عليها الكاتب كأداة تبين المستوى الفكري والثقافي لبطل الرواية “جهاد منصور”، وتجعله على قدر من الاحترام أمام الأخرين كما حدث في المطعم ومع العم “محمود” و”أمل”، وهي موهبة تحمل الكثير من الأبداع وتعتمد على رؤية الرسام وطريقة إعادة إنتاجه لما يرى من مشاهد ويعيش من أحداث يومية. 

على الجانب الآخر، اهتم الكاتب بأن يكون الرسم بالقلم أو الفحم، لاقتصادية هذه النوع من الرسم، ضرورة أن يكون الرسام بهذه الطريقة على قدر من الموهبة لإبراز جماليات اللوحة، وفي ذات الوقت إشارة للنظرة التي يرى البطل بها العالم وكيف يعيشه ويعايشه.

في رواية (الطريق)* تعمد الكاتب “حمد هلال” أن يكون إيقاع الرواية هادئا، بالرغم من صدمة حدث البداية، والمقدمة التي افتتح بها النص، وهو بذلك استطاع القبض على أحداث الرواية، والقارئ ليستمر في طي صفحات الرواية حتى يكتشف أنه وصل النهاية، في لغة ابتعدت عن الاستعراض اللغوي، وسرد سلس، مما يوحي بحداثة التجربة.

واختم بعنوان الرواية (الطريق) ورمزيته، فالكاتب “حمد هلال” يلمح إلى أن حياتنا أشبه بالمشي على الطريق بما فيه من أحداث، وإن هذا الطريق بما يحمل من سهولة ووعورة لابد أن تكون له نهاية، وعلى الإنسان الاستفادة من هذه التجربة، المسير، في اكتساب ما يمكنه من الاستمرار أكثر.


* حمد هلال (الطريق)، رواية، دار إمكان – طرابلس، الطبعة الثانية، 2020م.

الرواية والطريق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.