انتحار

عن الشبكة

 

  • نعم أفكر في الانتحار، وما يؤخرني حتى اللحظة عن التنفيذ، هو رغبتي في أن يكون انتحاري مختلفاً، وغير اعتيادي، بحيث تظل الذاكرة تسترجعه، قبل أن يتحول إلى أيقونة، وحكاية يتوارثها الأجيال.
  • !!!
  • لا. لا أريد لانتحاري أن يكون علنياً، سأكون وحيداً.
  • !!!
  • نعم، وحدي وفي طقس احتفالي خاص؛ سأنتحر. فروحي التي ظلت تهيم كل هذا العمر، وحيدة، ومهملة، يحق لها أن تنتهي كما بدأت، في احتفال بسيط، لكنه عميق الأثر.
  • !!!
  • لن يكون هناك الكثير من البهرجة، فهي لا تفيد، ولا أطيقها. فقط أنا وبعض الصور، والقليل من اللون الأبيض، وقطرات من اللون الأزرق، وربما قطرة أو اثنتين من اللون الأصفر.
  • ولا أكثر.
  • فما أسعى إليه، أكبر من مجرد انتحار ملون. ولا أحب البهرجة، ولا الصخب، عشتُ غير مرأي لأكثر من أربعين عاماً، هكذا أريد أن أنتهي. غير مرأي، ليكون لي الخلود من بعد.
  • !!!
  • حكاية غير التي تروى ليوم، أو شهر، وتنتهي. أريد أن أظل حياً دائماً. لذا فإني مازلتُ أبحث عن انتحاري المختلف، والقادر على إبهاري، قبل خلودي فيكم.
  • نعم، حياً في الذاكرة إلى ألف ألف جيل، لا أريد لقصتي أن تنتهي، أريد لها أن تحيا، وتكبر، فلقد تركت الكثير من المفاتيح للدخول لها، وتركت كل النوافذ مشرعة لمن أردا التسلل، كما إني لم أنسى أن أخصص جزأ للسيدات اللواتي ربما يرغبن في المشاركة، عن طريق مدخل خاص بهن.
  • آه، أيضاً للأطفال مكانهم الخاص، حيث الكثير من الألعاب، والأوراق والألوان، وقد تركت الحوائط بيضاء، لمن يحب الخربشة.
  • ؟
  • قلت لك، أريده انتحاراً مختلفاً.
  • انتحاراً مميزاً.
  • لذا تراني أعمل بجد، وأظل أفكر، وأفكر، حتى أحقق هذه الغاية.
  • …………
  • لم أحدد موعداً بعد، حتى أصل وأتحقق مما أريد.
  • …………
  • ربما.
  • ………….
  • لا، لا مفاجآت. سأرتب لكل شيء.
  • ………….
  • لا، لن أعلم أحداً، سيكون الأمر سهلاً بهذا الشكل. أعول على مشهد الاكتشاف كجزء من الرواية.
  • ……….
  • نعم، وليس بالأمر العسير.
  • لكني أريد لهذه المشهد ألا تتفق فيه الروايات، فهو مفتاح التأويل لباقي الحكاية.
  • ……….
  • لا، لن أخبرك.

 

القاهرة: 30-01-2017.

 

 

انتحار

رجـــاء

عن الشبكة
عن الشبكة

لم يتغير شيء.

تعرف أني لست بكاذب، لكن شيئاً بداخلها لا يريد التصديق. لذا ورغم معرفتي بحاجتها لي، وانتظارها الذي تتقلب فيه على جمر الرجاء، قررتُ أن تكون زياراتي متباعدة أكثر.

في كل زيارة، كان الحديث يبدأ من ذات المبتدأ، أمنحه خبره الأول، وأترك لها البقية. لم أمل حكايتها، أبداً، بل على العكس، كنت أجلس بجانبها محاولاً القبض على تفصيلة هاربة، أو شخصية وقعت عن سبيل السرد، بينما صوتها يحافظ على إيقاعه الثابت.

كان اللقاء يبدأ حال دخولي، بابتسامة، أجدها أكثر إشراقاً في كل مرة، ثم يأتي فنجان القهوة (القد قد)1، وقطعتي كعك مالح، لمعرفتها بتفضيله عن الحلو، ومع رشفة القهوة الأولى أنتهي من خبري، الأول، وتبدأ هي.

وكما في كل مرة، بعد ساعة، تقوم لترفع القهوة، وتحضر شيئاً لأكله، وفي العادة يكون خفيفاً، ومما تخبزه، وفي الغالب فطائر محشوة، مثلثة الشكل، ذهبية اللون، تسبقها رائحتها، شهية ومقرمشة. حيث تعيد تشكيل خيط الحكاية وهي تمد أول قطعة:

هي مد إيدك.. تفضل.

ألفت الحكاية. عشقتها، أدمنتها، وصرت في كل مرة، أبتكر حيلاً أوازي فيها مسارب السرد، فتارة أسرج خيولي في سهول الحكي، وتارة أشرع جناحي، وأخرى أكون البطل، بطلها.

“رجـــاء” متابعة القراءة

رجـــاء

عصفور

 عصفور

1

“يحيى” يدخلُ فرحاً:

– عصّور.. عصّور.. عصّور.

كان علي تولي المهمة، ومرابة القفص المعلّق عند الشرفة، تفقدِ الماء والطعان والتنظيف.

2

لم أغرم بالعصافير، كنتُ أحب رؤيتها فاردة أجنحتها في السماء، معربدةً، مغردة، زاعقة، لا تحطُ حتى تنطلق في ملكوت الله.

3

بيتُ جارنا مهرجان زقزقة.

أراقبُ كل يوم كيف يكبر، وكيف تضيقُ مساحة الشرفة، وكيف يستمتعُ هو بمذاق القهوة مستنداً على حافتها.

4

الحصيلةُ عشر. جمعها في كيس بعد ذبحها على شريعته بسكينٍ صغيرة. عند حافة الموقد، مدّ لي إحداها:

– خذ، مذاقها جميل.

لم تطاوعني يدي، راقبته وهو يبتلعها واحداً تلو الآخر حتى أتى على آخرها:

– ضيعت على نفسك مذاقاً مميزاً.

5

يستقبلني “يحيى” عند الباب:

– عصّور بح. ثم يركض باتجاه حديقة المنزل.

عند الدرجة الأولى كان القفص فارغاً، رفعت رأسي للأعلى وأصغيت السمع جيداً. كان صوتُ العصافير مختلفاً. زاهٍ.

سماء ليبيا- على ارتفاع 18 ألف قدم.

***     *     ***

تفاعل النص في

ملتقى الكلمة نغم

عصفور

تــغــيــيــر

تغيير

لم أحاول أن أمد يدي.

اكتفيت بمراقبتهِ وهو ينغمسُ في هدوء. ليختفي ثم لتغطي بقعةٌ زرقاء المساحةَ حولهْ. كنت وصلتُ للتو، لم يكن ما يؤخرني غيرَ تلك الفكرة المجنونة، أن أفرغَ حاجتي لحظة أن جاءني الهاتف عند ذروة السُّمو.

اكتفيت بالمراقبةِ، بينما أسحبُ الخيطَ السّحابي الأبيض إلى صدري في بطئٍ متعمد. ومتعمداً عدلتُ جلستي حتى يمكنني الاستمتاعُ أكثرَ، وهو يُسرعُ في إطلاقِ كلماتهِ، صارخاً.

  “تــغــيــيــر” متابعة القراءة

تــغــيــيــر

زهرة سرقت رائحتها


كنت أميناً. لم أفكر لمرةٍ واحدة في أن أقوم بفض الورقة المطوية التي كنت أقوم بتسليمها عند بداية الشارع. ولم أحاول لمرة واحدة، أن أنظر في وجه الشاب الذي كان يتسلمها مني. كل ما أذكره عنه، حذاءهُ العسكري اللامع وبدلته الخضراء، ورأسه الحليق الذي كان يبدو كرويا وأنا أنظر إليه وهو يغادر.

تنادي بهمس. وتكلمني بهمس. كلماتها دافئة وهي تمس خدي مخافة أن يسمعنا أحد، ثم تدس أصابعها في شعري:

-سلم أوخيي.

جميلة، يانعة، مرحة. كانت ابتسامتها ترسم قوساً حاداً عند طرفي شفتيها، وتخفي عينيها في استدارة وجنتيها. رائحتُها الزهرية تجعلني أسيرها، وشعرها الداكن يختبر ذكائي كيف يختفي تحت التستمال1. لم أمل لحظة النظر إلى وجهها، حتى وهي حزينة.

في المدرسة كنت أراقبها وهي تتخذ ركنا بعيداً عن بقية المدرسات، تراقب المشهد من خلف النافذة ولا تخرج عن سكونها إلا عندما تدب مشاجرة ما بين تلميذين في الساحة، أو انطلاق الجرس معلناً نهاية الاستراحة. كانت ألطف مدرسة، أحبها الجميع دون استثناء، وكنتُ أكثرهم وأكثرهم حظاً، كوني كنت رفيقها حتى البيت. لم تحب يوماً الحديث عن الدرس ونحن في طريق العودة:

-خلاص.. توه ارمي كل شي ورا ضهرك.. وما تفكرش في حاجة إلا بعد ما تتغدى وترتاح.

كانت في بعض الأوقات وعندما تتأكد أن لا أحد، تترنم بأغنية لم أفك شفرتها إلا متأخراً (خطم حفني شيع عيونه فيا/ سلمت ما رد السلام عليا…) يأسرني صوتها، لأفيق على يدها تدسُّ شيء:

-سلم وخيي.

فأنطلق مسرعا من فوري حتى بداية الشارع، أنتظر كثيراً. يقف أمامي. ينتهي نظري عند حذائه اللامع ليغادر سريعاً.

***

كبُرتُ وكبُر كل شيء معي. إلا هي، توقفت صورتها عند دخولي الجامعة. لم يعد من السهل زيارتها إلا صدفة في الشارع. دخلتُ كلية الطب لأنها كانت تتمنى ذلك:

-دوره.. تكبر ونشوفك دكتور.. ولما نمرض نجيك وتعايني.. وتعطينى الدوا بالبلاش.

كبُرتْ. في غفلة نسيتها كما نساها الزمان. خرجتُ، تركت الشارع خلفي، ذلك اليوم بكت وهي تودعني، كان وجهها مختلفاً، وإن احتفظ ببعض الألق، كأنها وردة تستعد لطرح بتلاتها. همَست:

-سأعود.

ترقرقت في عينيها الدموع. حضنتني لأول مرة، همست:

– وللي.. ما تنسانيش.

***

الزمنُ مر بطيئاً، حاولت بسرعة رسم أقصر الطرق للوصول، والعودة.

أقف الآن عند عتبة بيتهم، أحمل في يدي قلبي، وبعض الهدايا. تأخر فتحُ الباب، وعندما هممتُ بمعاودة الطرق، سقطت يدي، طالعتني من شق الباب، وحالما تبينت شخصي، شدتني إلى الداخل:

-ما نسيتنيش.. سلم وخيي.. مازال يتفكر في زهره.

-ومن ينساك يا غالية.

كان المنزل فارغاً، إلا منّا. حكيتُ لها كل شيء، عن البرد والدراسة والعائلة:

– وخيرك ما جبتهمش معاك.

-المره الجاية.. نجيبهم وباش تشوفي زهره قداش تشبهك.

-قصدك؟

-إيه.. سميتها زهره على اسمك.

-………

-باش ديما تقعدي في بالي.

***

في يوم سألتني زوجتي: من هي زهرة؟

صمتّ، لم يكن سؤالاً صعباً، إنما ليقيني بعجزي عن التعبير، وإدراكي بنفاذ قاموسي قبل نهاية الحكاية، وبدأت.

علقت زوجتي بعد ساعة:

-مسكينة!!!

تابعت:

-نعم مسكينة، لم تهنئ بِزوجها، أتذكر كيف وقفت على الباب باكية. وهو يركب السيارة تلبية لنداءٍ عسكري، أخذَ معه كل الشباب. رافقه خمسة شباب من حينا. كنتُ قد أكملت الابتدائية وكان صيفاً حاراً. بعد حوالي ثلاثة أشهر علمنا أنه مات.

وقفت سيارة عسكرية نزل منها جندي قام بإنزال بعض الأشياء، وحال خروجه شق الفضاء صوتها حاراً. ومن وقتها لم تعد زهرة التي نعرف. عند نهاية القصة وجدت زهرتي تنام في حضني. ساكنة، طبعت قبلة على جبينها. سألتني:

– ما كان أسمه؟

– عبدالله.

أشارت لبطنها المنتفخ وابتسمت، فابتسمت.

ما بين طرابلس وحقل آمال. على ارتفاع 29 ألف قدم: 02-12-2012

_________________________________________

1-التستمال: منديل يطوي على شكل مثلث لتغطية شعر الرأس.

_________________________________________

تفاعل النص في

منتديات من المحيط للخليج

ملتقى الكلمة نغم الأدبي

منتدى تجمع شعراء بلا حدود

زهرة سرقت رائحتها