فرسان الأحلام الحية

قراءة في رواية (فرسان الأحلام القتيلة)، للروائي إبراهيم الكوني.

حال قراءتي لهذه الرواية، أحسست اختلافها عما كتبه “الكوني” من قبل، ربما بسبب طبيعتها، وقربي من الأحداث ومعاصرتي لها. وربما لأنها اختارت عالماً مختلفاً عما عهدنا من مبدعنا بالدخول بنا مجاهل الصحراء، ومعاركة الرمال. ولأحساسي بقربها مني –كثيراً- لم أتوقف عن قراءتها حتى أتيت عليها*. لكن الكاتب ظل محافظاً على أسلوبه السردي الهادئ، وصوره المشغولة بتجريدٍ محفوف، ورؤيته المحددة، وبنائه لأنساق وعلاقات معرفية في أكثر من مستوى تتوازى، وتعمل في أكثر من اتجاه.

الرواية كما أسلفت، تُشعر القارئ بأنه على علاقة مباشرة بها، وأن ما حدث غير بعيدٍ منه. فالحدث الرئيسي أو الخط العام للرواية هو أحداث ثورة 17 فبراير، وبشكل محدد ينقلنا الكاتب إلى مدينة مصراتة، من خلال استعارة لسان الراوي –بطل الرواية- في نقل أحداث مقاومة المدينة لكتائب الطاغية. لذا فأنت مع أول صفحات الرواية، وأنت تستكشف معالم المكان، تبحث عن وجه تعرفها، أو مشاهد عشتها، أو أماكن زرتها، لتخاتلك الرواية، وتسحبك رويداً رويداً إلى نهايتها، تكتشف إنك حقاً لا تعرف كل شيء. هل القصة حقيقة أم متخيلة؟، لا يهم، فالكاتب لعب على معنى البطولة، باحتراف حول النص إلى ما يشبه حكاية سمر، يمكن أن تحدث. أو حدثت بحق.

البطل

لم يختر الكاتب لبطه أن يكون شخصية استثنائية، تتمتع بحضور قوي، وتأثير فيمن حولها. فعلى العكس تماماً اختار أن يكون بطله مدرساً بلا فصل، أو مدرساً مع وقف التنفيذ، أو إلى أجلٍ غير معلن، كما جاء في الرواية، فهو مدرس تاريخ، أوصلته غيرته على تاريخ بلاده –ليبيا- إلى مكاتب التحقيق، والإيقاف، ليجعل من الكتب (المعرفة) أنيساً. وهكذا تحولت الكتب بالنسبة لبطلنا إلى (ملجأ)، وهو إلى (جرذ كتب).

النظام

من خلال مجموعة من العلاقات، يعمل الكاتب على تقديم صورة النظام، وهيمنته على البلاد وبرمجة عقول العباد. فالسلطة تمثلت في مجموعة من الإيقونات، محاولة لربط المواطن بها، لتكون نافذته على العالم، يسمع ويتكلم من خلالها، ولتضمن بقاءها واستمرارها. فالنظام أُختصر في (أيقونة الفرد)، والسياسة في (أيقونة اللون الأخضر). وحتى ينجح النظام في خطته، بنى علاقة عدائية مع المعرفة، والكاتب يرصد هذه العلاقة من خلال (الكتب والتاريخ) كأحد مصادر المعرفة الإنسانية:

ويركز الكاتب على مسألة تغييب التاريخ كأحد مرتكزات وخطط النظام لتغييب المجتمع عن قاعدته، فالتاريخ سلطان، يمكن صاحبه من كشف الآخر، كشف جذوره/عمقه، والسيطرة عليه، وشطب التاريخ يمكن النظام من ممارسة تلقينه الجديد وزرع ما يريد. فالنظام حكم الشعب عن طريق التجهيل، تثبيت صورته/رؤيته، وإلغاء ما عداها.

المسألة

يقرر الكاتب، أن المسألة برمتها معقودة بـ(اللامبالاة)، وهي نتيجة مباشرة لعملية التجهيل الممهجة التي عمل عليها النظام بجد. ليتحول الأمر إلى ما يشبة اللعنة التي أصابة الجميع، فنحن (شعب ملعون). واللعنة داء معدي، وهذا الداء تطور ليتحول إلى ورم اسمه (الكراهية).

شعب يعيش بدون أحلام، هو شعب ملعون، لا يملك من غده شيء، ولا يعيش إلا لحظته، فلا شيء يدفعه للأمام. فحالة البلادة (المحصلة النهائية)، حولت الشعب إلى عدو لنفسه، يحاول الصعود على أكتفاف بعضه البعض للوصول، وهي –أي البلادة- التي حولت المواطن من فرد منتج إلى فرد عاطل، عاطل عن كل شيء وفي أي شيء. ضاعت هوية المجتمع، وغاب عن نفسه.

الحدث

الحدث العام للرواية هو أحداث ثورة 17 فبراير في ليبيا، وما صحبها من كفاحٍ مسلح ضد نظام الطاغية القذافي. ففي لحظة خرجت جموع الشعب الليبي مطالبة بالتغيير بصورة سلمية، لتجد الرصاص إجابة لسؤالها.

عندما اكتشف الناس أنفسهم، بموت الكراهية، أندفع الرجال بصدورهم العارية، والكاتب يستشهد بتضحية “الزيو” باقتحامه بوابة كتيبة (الفضيل بوعمر) في بنغازي، معلناً سقوطها، وبداية الخطوة الثانية ناحية المطالبة بالحرية، وسقوط شرعية النظام، كما يستشهد بتضحيات آخرين، بذلوا الغالي والنفيس من أجل الوطن.

الرواية

يترك الكاتب للبطل حق رواية قصته، تاركاً له كل الحرية في التنقل، والقفز على خط الزمن كيف يشاء، يحكي بطريقة مباشرة ما يحدث مستذكراً دون إبهار، الأمر الذي يجعل من النص مادة سلسة، سهلة، أقرب للحقيقة منها للخيال. مكان الأحداث مدينة (مصراتة)، والحدث الأساسي أو المرتكز هو الوصول لـ(عمارة الضمان).

الكاتب يعمل على الرواية في أكثر من مستوى، فالخط الأساسي للنص حكاية الوصول لـ(عمارة الضمان)، التي تمثل السيطرة عليها (ضمان) السيطرة على المدينة. موازاة لهذا الحدث ثمة حكاية الشعب الذي اكتشف نفسه، وفي الجانب المقابل، حكاية الطلقة، وحكاية المرأة. والكاتب من خلال بطله يعبر هذه المستويات عمودياً من حكايته، فيعود الزمن مرهوناً بلحظته هو، وتعود الأحداث الموازية خلفية للحدث الأساسي. ورغم أن الحدث يوحي بحالة بطولة أسطورية، إلا إن الكاتب، يقدم لنا نموذجاً عادياً للتضحية، بلا إبهار أو زخرفة، حالة كفاح مجرد، تعاملت مع محيطها بطريقة مباشرة، مستفيدة من ظرفها لتطوير وسائل دفاعها وبقائها. وهي صورة يقبلها العقل بسرعة، لسهولتها، ويتفاعل مع القلب بعاطفة لإدراكه حجم ضعفها.

الحكايات

حكاية الوصول، حكاية التحول من (جرذ) كتب، إلى (جرذ) جدران. الفكرة، هي حفر الجدران –جدران البيوت- للوصول عبرها إلى (عمارة الضمان)، والقضاء على القناصة المتمركيزن فيها، والمسيطرين من خلالها على المدينة، بشلهم حركة الثوار على الأرض، فكانت الفكرة هي اختراق البيوت للوصول من خلالها إلى أقرب نقطة. بطلنا أحد الذين أوكلت لهم مهمة الحفر، رفقة زميلين نال أحدهما شرف الشهادة. وهذه الحكاية تسرد حكاية الحفر، وكيف أنه يحفر في الناس ذاتهم وتفاعلهم مع الحدث، فالحفر في صورته هو ثورة الجرذان على الهيكل للإطاحة به (هدمه)، والجرذان هنا هي ما نعت به نظام القذافي ثوار 17 فبراير. ومن ناحية يعكس الحفر رمزية البيت وعلاقته بساكنيه.

حكاية الطلقة، هي نتيجة وضع، ورغم إن الكاتب حدد بدايتها وعلاقتها الزمنية بالحدث، إلا إنه اختار أن يتعامل معها بطريقة جعلتها قصة منفصلة. الرهان في هذه القصة هو الطلقة الوحيدة في المسدس. الطلقة الوحيدة الأقرب له من عدوه، لتستقر في نهاية الأمر في قلبه، فاتحة الطريق لمواصلة الحفر. إنها حكاية الصراع بين ما يمكن وما يجب، نقطة ليس من السهل الجزم بالقدرة على اتخاذ الحل الصحيح، لذا يترك الكاتب للأقدار –الغيب- تحديد وجهة الحل.

حكاية المرأة، هي حكاية الخروج والكشف، حالة من الضعف المرهون بالحاجة، الذي يدفعنا للتعلق بالحلقة الأضعف للخروج، والرهان على النجاة بأي شكل.

خاتمة

“إبراهيم الكوني” في هذا النص يختلف عنه الذي عرفناه سابقاً، فهو في هذا النص أكثر قرباً منا، في الحدث، وقرباً من هم الوطن، فلم يبحث في المعرفة الإنسانية كثيراً، ولا دخل بنا الغيب، كان أقرب للإنسان ابن اللحظة، حاك خيوط قصته من نسيجٍ نعرفه، غزلت خيوطه أصابعنا ولونته عيوننا، وحاكته قلوبنا، لكنه ظل المحافظ على نسقه الروائي، ولغته هادئة الإيقاع، وبنائه لأنساق العلاقات وقراءة الأحداث فكرياً باعتماد المسببات، فاختار أن يكون عنوان الرواية “فرسان الأحلام القتيلة”، كونها –أي الأحلام القتيلة- كانت سبب الخروج والثورة، بينما اخترت النتيجة –تفاؤلاً- عنواناً لهذه القراءة.

نقطة أخيرة، تعكس هذه الرواية متابعة الكاتب للحدث ومعرفته بالتفاصيل، هي وإن كانت لم ترد في متن النص بصورة مباشرة، إلا إنها ظهرت بشكل واضح في بناء النص واشتغاله، وكخلفية ارتكز عليها.

_________________

* بسبب تأخر رحلة الخطوط التونسية، تمكنت من قراءة الرواية كاملة في يومٍ ونصف.

نشرت بصحيفة (فبراير) العدد: 253/ 19-7-2012

فرسان الأحلام الحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.