الــــــنــــــــاتـــــو هــــــنـــــــا

طـرابـلـس 3

NATO

حالة من الإحباط العام. الكل يحاول البحث عن السكينة والأمان. الكل خائفٌ من الغد، المجهول، لا خطة تكشف ولو بعضاً منه، الأفقُ غائم والضباب يغلف ما وراء الأبواب. حتى جولاتي الصباحية لم تعد تقدم لي شيئاً، جفت شوارع طرابلس، الوجوه شاحبة لا ألوان تسكنها، ولا حتى الفتيات عُدن ينشرن البهجة.

هل يمكن أن ينجح التحالف؟. إنه حديث الساعة، عند طرف الحديقة الشمالي، مجموعة من الرجال يشغلهم هذا الموضوع، يعلوا صوتهم تارة ويخفت أخرى، يصيحُ أحدهم:

– والله، ما هم مدايرين فيها حاجة!!.

يمكننا تسميتها بمرحلة الناتو (NATO). وهو وإن بدأ شرقاً إلا إن صداه كان يُحس في طرابلس. أهل المدينة كانوا يتابعون الأخبار بشغف وخوف. قبل أن يحل الناتو بطرابلس، ويسكن شارعنا الصغير. ليلتها انتشر الجند في الشارع، طلبوا بعض الماء، ونصحونا بالمغادرة.

– المكان مستهدف، ممكن النيتو يضرب الليلة.

يفصلني عن الهدف حوالي 300 متر. فقررتُ ترك المنزل، لم نحمل أكثر من ملابسنا وأوراقنا المهمة، وعني لم أترك صديقي (الحاسوب)، وانقسمنا إلى فريقين، زوجتي صحبة ابني لبيت عائلتها، واتجهت لبيت العائلة. الجميل هو شعوري بالعودة لبيت العائلة، والمحزن إن ذكرى زواجنا التي كنا نعدُ لها، انتهت بمباركة عبر الهاتف. خلال ذلك الأسبوع كنا نتابع أخبار الضربات والتحركات، إذ ينتعش المشهدُ عقب صلاة العشاء، فنسمعُ تحليق الطائرات، يعقبها سيلٌ من مضاضات الطائرات التي تنطلق في نقاطٍ مضيئة كالشهب، ترتسمُ في خطوط وأمواج. في بيت العائلة لم نشعر بأي من الضربات التي استهدفت طرابلس إلا مرة. بينما عرفت زوجتي وعائلتها الشعور على حقيقته. ففي ارتباك خروجنا، نسيتُ أن عائلة زوجتي تسكن بمنطقة بأحد ضواحي طرابلس، تحوطها المعسكرات من الجهات الأربع، وإن عُرف أن بعضها مهجوراً أو غير مستخدم، إلا أن الناتو أظهر مقدار ما حوته هذه المعسكرات من عتاد. لذا قررنا أنه من الأفضل العودة لبيتنا، وليكن ما يكون (الموت بين الناس فخره). وعند عودتنا وجدنا إن العائلات التي خرت تلك الليلة معنا، بعضها رجع قبلنا.

– هاذوا يا خوي عارفين كل شي، ويعرفوا وين وكيف يضربوا.

حالما يقترب صوت الطائرات، تنطلق بعض المضاضات الأرضية، إضافة لبعض صليات الكلاشنكوف من أحد البيوت القريبة منّا. في أحدى الأمسيات كان صوت الطائرات واضحاً وجلياً، خرجنا للشارع محاولين استطلاع السماء أو فهم ما يحدث، فالمضاضات من ليلة الأمس صمتت. لم يكن ثمة ما يجيب عن أسئلتنا، عدنا لبيوتنا. بعد ساعات عادت الطائرات، وهذه المرة كان صوتها أكثر قرباً.

– الباين بيضربوا مكان قريب.

لحظتها دوى إنفجار تلاه آخر، كان الانفجاران قريبان من الحي، بثُ القنوات الفضائية الليبية توقف. أحد الجيران اختلى بهاتفه عنا قليلاً، ثم عاد.

– لقد قصفوا مكتب القائد.

المزعج في المسألة، الانتظار، فالطائرات تظل تحلق وتحلق، ثم تختفي، وعندما تطمئن ويبدأ النوم مداعبة جفونك، تجدها تعود للتحليق، فيتخلى النوم عنك ويذهب للخارج، يشارك شباب الحي السهر والسمر عند مدخله. أما أقرب الضربات، فكانت لا تبعد عن البيت أكثر من 2 كيلومتر، وكانت قوية، أحسسنا بها، كانت عقب صلاة المغرب، وكنت لحظتها أجلس لحاسوبي، عندما صم أذني دوية قوي، ارتجت نافذة الحجرة وبابها. خرجت فوجدت زوجتي قد ضمت ابننا إليها خارجاً في الفناء الخارجي للمنزل. في الخارج كان الجيران مجتمعين، البعض يشير شمالاً لمصدر الدوي، البعض جنوباً. ظللنا في حيرة من أمرنا، زوجتي تؤكد إن مصدر الدوي كان من جهة الجنوب، ولا من أخبار تطمئننا. بعد صلاة العشاء حامت الطائرات قليلاً، ثم اختفت. قلت لزوجتي:

– يبدو إننا الليلة سننام دون ضجيج.

لم تستطع زوجتي النوم، واستسلمت له، فخلال الأيام الماضية لم يكن نومي منتظماً، وكان علي النهوض مبكراً لقضاء بعض الشئون. لذا قفزت مراحل النوم الأولى بسرعة. أفقت على يدي زوجتي تهزني تدفعني للاستيقاظ، أشارت لي بسبابتها طالبة السكوت، حتى لا أوقظ ابننا. سحبتُ الهاتف من جانبي كانت الساعة تشير لحوالي الـ03:00. اتجهت صحبتها خارج غرفة النوم، وأوقفتني أمام التلفزيون. أزعجني صوت الهتاف الضاج، لم أفهم بعد، فأشارت زوجتي لخط أخضر في أسفل الصفحة، كان الخبر العاجل، إعلان وفاة نجل القذافي وثلاثة من أحفاده.

__________________________

تنويه: سلسلة المقالات هذه كتبت خلال الفترة من شهر مارس وحتى سبتمبر 2011. في محاولة لرصد أحوال طرابلس الحبيبة.

نشر بصحيفة فبراير: العدد 25_ 09-10-2011

الــــــنــــــــاتـــــو هــــــنـــــــا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.