النور في ظلمات فكرون

القاص أحمد فكرون، ومجموعته القصصية (ظلمات)
القاص أحمد فكرون، ومجموعته القصصية (ظلمات)

القصة والرواية!

إذا كان المشهد في الرواية، يتسع باتجاه الأفق، ويجعلنا قريبين منه، فإنه في القصة يتجه للخارج، باتجاه المتلقي، لمنح القصة عمقاً أبعد، وفرصة للمتلقي للإبحار.

في المجموعة التي انتهيت منها قبل أيام، نجد القاص يتعمد أن يحدد للمتلقي زاوية الرؤية، بل وقد يمارس تطرفاً باتجاه تحديد حركة المشهد، وطريقة المشاهدة، من خلال استخدامه لمجموعة من الرموز ذات الدلالات الخاصة لدى المتلقي، مثيراً بذلك ذائقته باتجاه هذه الرموز بما تحركه من إيحاءات وما تبعثه من صور. وهو يستعين على ذلك بداية من العنوان.

عناوين!

فالعناوين التي اختارها القاص أحمد فكرون، لقصص مجموعته القصصية (ظلمات)*، عناوين ذات دلالات وأبعاد ثقافية في الموروث المعرفي والشعبي عند المتلقي، فتقوم مباشرة باستدعاء ما تختزنه الذاكرة حولها، استعداداً للدخول للنص. فما بالك لو كانت العناوين علامات مهمة في عالم التصوف، وأهل الصوفية والمريدين. كما في عناوين من قبيل؛ عسيلة، فارس سعيدة، الوصية، النوبة. أو أن يكون للعنوان دلالة دينية ذات، لها مكانها في معتقد المتلقي، كما في: الحلم، مريومة العذراء، ظلمات، حملة العرش. أو أن تكون للعنوان دلالته التراثية، من قبيل: أحدب القرية، معركة الأوهام، الفتى وفارس الودان. هذه العناوين بما تستدعيه، تجهز المتلقي للدخول النص.

المتن!

مع بداية الدخول لنصوص (ظلمات) المجموعة القصصية، نجد القاص يعمد إلى استخدام تقنية الزوم إن، فهو يبدً القص من الخارج، إلى الداخل، إلى عمق المشهد/النص، حيث الحدث الرئيسي، في انتقال هادئ وثابت، مدعوم بسرد مباشر، ولغة سلسلة، تحتفي بالمفردة وتعول على الرصيد التراثي للغة، من اختيار المفردات والجمل ذات العلاقة بالنصوص التراثية والمقدسة.

تكشف النصوص الـ15 لهذه المجموعة، عن اهتمام القاص أحمد فكرون، بحلقات الذكر المتصوفة، كمريد يجد اللذة في إعادة سردة للتفاصيل التي يعيشها ويمارسها في الخلوات، وإنتاجها في نصوص قصصية، لا تخلو من لحظة وجد أو شطحة هائم.

الشّخوص!

في المقابل، تأتي علاقة القاص بشخوص نصوصه القصصية محددة وواضحة، فهو يقف على مسافة من شخوصه، فلا يقترب منهم بما يمكننا من التعرف إليهم، أو يبتعد بما يجعلهم مجرد هياكل. وهو بذلك يؤكد على علاقته بالحدث، أكثر من الشخوص التي تعيشه وتعايشه، وتتحرك ضمن الحبكة التي يرسمها الحدث.

هو يختار شخصيات قصصه بعناية، محاولاً أن يترك لهم المشهد للحركة بحرية، مكتفياً بالمراقبة، ونقل الأحداث كما تقع، لذا فهو لا يهتم بالتفاصيل ولا تشده إليها كثيراً، أمام الصورة التي يعكسها الحدث، وما توحي به من دلالات ذات أبعاد تراثية ودينية لدى المتلقي، الذي منذ لحظة دخوله للنص، يجد نفسه أسيرها.

ختامًا!

قد تبدو هذه المجموعة، صغيرة الحجم، لكنها واسعة الأفق، وعميقة الأثر والمعنى، فالقاص أحمد فكرون، يتعامل مع كتابة القصة القصيرة بعناية وتركيز، فهي عن قصد يعمد إلى نسج نصوصه القصصية وتطعيمها بالإشارات التي تمسه هو قبل المتلقي.

(ظلمات) مجموعة قصصية، فيها من النور ما يغلب غلافها الداكن.


* أحمد حسن فكرون (ظلمات)، وزارة الثقافة والتنمية المعرفية، 2019م.

النور في ظلمات فكرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.