اليوميات.. كمحاولة للهروب

حمزة الفلاح (بحث عن مفقود في غرفته)، منشورات براح للثقافة والفنون، بنغازي، 2021م.
حمزة الفلاح (بحث عن مفقود في غرفته)، منشورات براح للثقافة والفنون، بنغازي، 2021م.

وما أدراك وما اليوميات!

الكثير من الأدباء والكتاب، داوموا على كتابة يومياتهم، بعضهم بشكل منتظم، وبعضهم اعتمد على تسجيل الأحداث والوقائع المؤثرة؛ وغير الأدباء والكتاب؛ هناك غيرهم كثير ممن يداومون على كتابة يومياتهم ويداومون على ممارسة هذا العمل بشكل دؤوب، وبغض النظر عن الحاجة من كتابة اليوميات، وأهميتها، إلى أن هذه اليوميات تعتبر سجلاً غنياً بالأحداث التي يعيشها كاتبها أو يتماس ويتقاطع معها.

الحاجة إلى كتابة اليوميات تختلف من شخص إلى آخر، وبالتالي تختلف من كاتب إلى آخر، وتختلف طريقة كتاباتها، ورؤية الكاتب لشكل هذه اليوميات. وهذا ما حاول الكاتب محمد عبدالله الترهوني أن يكون توطئة لدخول يوميات الشاعر حمزة الفلاح، المعنونة (بحث عن مفقود في غرفته)1.

يوميات الفلاح!

يقدم الفلاح في كتابه؛ 78 يومية في تسلسل يشي بأنه تم انتقائها، بالاعتماد على التاريخ المسجل، فهناك الكثير من الفجوات، وإمعاناً في التيه، يحذف الكاتب السنة من التاريخ المسجل، بحيث يتم توجيه القارئ للنص، بدلاً من تتبع تسلسل اليوميات، مما يجعلنا ننظر إلى كل يومية وكأنها نصٌ مستقلٌ، بعيداً عن ربطه بالتاريخ، في محاولة التوثيق والاستكشاف.

هذه التعمية المقصودة، المبيتة، جاءت لخدمة النص، وتحويل مجال الرؤية بعيداً عن سيرة الكاتب، باتجاه الحدث أو الرصد الذي يمارسه الكاتب، وهو ما يكشفه عنوان الكتاب؛ من محاولة البحث عن الكاتب الذي انفصل عن واقعه، زمنياً، وأخلص لمهمة الرصد.

المفقود

من خلال خدعة بسيطة، حول الكاتب انتباهنا للنص، صار مفقوداً أو غير موجوداً، كما أوضحنا سابقاً، وتركنا في مواجهة مباشرة مع النص، مانحاً إيانا الفرصة لتذوقه بالشكل الذي نريد، أو تشريحه، أو إعادة بنائه، وحتى إسقاطه ومعاودة إنتاجه وتوزيع الأدوار من جديد. وهو ما يجعلنا نصل لنقطة نقتنع فيها بامتلاكنا للنص، أو تقمصه. عند هذه اللحظة، سيقفز سؤال مشاكس، ومن هو؟

الغرفة

هذا السؤال، سيجعلنا نفكر أيضاَ؛ أين هو؟ بحثاً عن المكان، الموقع الجغرافي، في محاولة منا للكشف عن المفقود، واستكشاف مرصده لإرضاء فضولنا، وحاجتنا إلى كشف من يرصدنا.

الجميل في مسألة الغرفة، إنها محلولة، فنحن سنجد اعتماداً على مرجعية الكاتب، إن المرصد أو الغرفة موجودة في مدينة بنغازي، حيث يعيش الكاتب، ويمكننا ببعض البحث، الوقوف على عنوانه، وبالتالي تحديد معالم الغرفة، لكننا سنجد النص، ولن نجد الكاتب. وبالتالي نسقط المشهد بكامله على المدينة. وهذا ما يريده الفلاح، يرد أن يظل مفقوداً في حضور النص وسيطرته على المتلقي.

النص

النص، هو الأثر الباقي والأكثر تأثيراً في الآخر، والفلاح هنا، لم يرد أن تكون اليوميات حالة رصد، أو تسجيل اعتيادي لمجموعة من الأحداث والمواقف، إنما عمد إلى إعادة إنتاج المشهد من حوله والدخول إلى كواليسه ووضع لمسته الخاصة.

إنه يعيد إنتاج المشهد، أو كتابته، ورفع العادية عن الحدث، ومنحه لمسة إنسانية بشحنة عالية من المشاعر، ينحاز فيها الشاعر للشخوص، والموجودات، والحراك اليومي.

اليوميات هنا، حالة مشهدية عالية الحساسية والشفافية، تكشف عمق رؤية الكاتب، وزاوية نظره الواسعة والمطلعة على التفاصيل، فهي مثلا: لا تلتقط في وسط الزحام، إشارة المرور، أو الهموم المرسومة على وجه مار في طرف المشهد.

على ذات المستوى، جاءت لغة النص أقرب للغة الشاعرية منها للغة السردية، ويبدو جهد الكاتب واضحاً في العمل على لغته وتخليصها من المباشرة، والتركيز على ما يحمله النص من دلالات. وكونها يومياً فإن الحدث أو الرصد يحدد حجم النص، وأسلوب الخطاب، موجدة تنوعاً وغنىً، ومانحة القارئ مزيجاً من المشاعر المختلفة والمتباينة.


1- حمزة الفلاح (بحث عن مفقود في غرفته)، منشورات براح للثقافة والفنون، بنغازي، 2021م.

اليوميات.. كمحاولة للهروب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.