النشر وضبط المعادلة الثقافية!!!

تكمن أهمية النشر كونه القناة التي يتم من خلالها نشر المعرفة على أوسع نطاق، الأمر الذي يوسع من دائرة الفائدة، من خلال وصول المعرفة في شكلها المادي؛ كتاب، مجلة، صحيفة، إلى المتلقي. والنشر في ليبيا هو أحد نقاط الضعف في المعادلة الثقافية، سواء على مستوى النشر الخاص، أو العام، فكلاهما عاجز توفير الحد الأدنى من المنشورات التي بإمكانها تلبية حاجة المتلقي؛ القارئ والباحث والمهتم. وإذا اعتبرنا أن النشر أعد عناصر المعادلة -المعادلة الثقافية- سنجد أنفسنا في مواجهة عنصر آخر؛ وهو القراءة، التي تسجل على المستوى العربي انخفاضا حاداً، حتى مع تعدد وسائل النشر الحديثة، ونقصد النشر الإلكتروني.

المنظومة المضطربة

القراءة (كعامل) هي أحد المحركات المهمة التي تدفع بعملية النشر، إذ تشجع معدلات القراءة (المرتفعة) الناشر على الاجتهاد في الطباعة والتوزيع، وإيصال الكتاب إلى القارئ، والبحث عن الجديد، وتبني التجارب الجديدة، بل وتوسيع الحدود، والخروج إلى الخارج، فالنشر وإن كان عملية اقتصادية (ربح × خسارة)، فأنه في الجانب الآخر منه مسؤولية تتعلق بثقافة المجتمع وبناء المستقبل. في ليبيا الأمور لا تسير بالمنطق المفترض، بسبب الكثير من المتغيرات التي جعلت من الصعب ضبط المعادلة أو حلها. فالدولة الليبي قامت بالزحف على المشاريع الخاصة، ومنها دور النشر، وتبنت مشروع اشتراكية المعرفة، فكانت الناشر الأوحد والوحيد، والذي لم يقم بالمهمة المنوطة به كما ينبغي، فتراج النشر، بل وتوقف لأكثر من سنة. هذا إضافة إلى أن القراءة في ليبيا وفي ذات الفترة، تم توجيهها ومراقبتها حد تجريمها، كونها خارج نطاق الأفكار والتوجيهات الثورية، التي رأت من أولوياتها حرق الكتب، وسجن الكاتب.  لذا لن يكون مستغرباً أن يتخذ المجتمع (الليبي) ردة فعل طبيعية (نافرة) اتجاه المعرفة والكتاب والكتابة؛ فكلاهما يقود للهلاك!

أين ذهبت المكتبة المدرسية

حتى دراستي الثانوية، كانت جميع المدارس التي درست بها تضم في جنباته مكتبة مدرسية، بداية من (مدرسة الفيحاء الابتدائية)، إلى (مدرسة أحمد رفيق المهدوي الإعدادية) وانتهاءً بـ(ثكنة أسد الثغور الثانوية) والتي أتممت بها دراستي العام 1990-1991. حيث في المرحلتين الابتدائية والإعدادية كانت المكتبة أحد الحصص المقررة، وكانت كراسة المكتبة تتابع وتصحح من قبل أستاذ المكتبة، الذي علمنا مبادئ القراءة واختيار الكتب وكيفية تلخيصها، خاصة القصص، ومازلت أذكر صوت الأستاذ “محمد المحروق” -رحمه الله تعالى- وهو يقول: في راس الصفحة، اكتب عنوان القصة، تحتها فكرة القصة يعني شن فهمت مالقصة، وبعدين ملخص القصة، الملخص؛ مش تعاود تكتب القصة!

لكن أين هذه المكتبات الآن؟

نهاية العام الماضي قمت بزيارة مدرستي الثانوية، وبرفقة نائب المدير تجولت في أرجائها، وعندما وصلنا الدور الثاني سألته: هل يمكنني زيارة المكتبة؟

فكان رده: المكتبة لم تعد موجودة!

نعم! هي لم تعد موجودة، كالكثير من المكتبات التي عرفتها في مدينة طرابلس، والتي تحولت إلى محلات لبيع الملابس والأحذية، أو إنها تحولت إلى مقاهي. والسبب المنظومة المضطربة، والمتغيرات الكثيرة والعشوائية.

النشر والناشر في ليبيا

لا أدعم الربط بين النشر والقراءة، بقدر ما أدفع باتجاه وجود منظومة على مستوى الدولة تدعم العملية الثقافية، ومنها النشر، من خلال إيجاد بيئة ثقافية داعمة ومنتجة، قادرة على توفير الحد الأدنى لنجاح المعادلة الثقافية؟

ولأن حديثنا عن النشر، فمن المهم أن نركز حديثنا أكثر حوله، وهنا سأستعير من مشاركة الكاتب “يونس الفنادي” بملف العدد بعض الأرقام، والتي هي نتيجة دراسة حالة لثلاث دور نشر ليبية؛ كانت نتاجها 160 كتاباً في 7 سنوات، بغض النظر عن الظروف التي عاشتها ليبيا خلال الفترة التي اخضعها الباحث للبحث. في العموم، مساهمة دور النشر الخاصة في ليبيا، ليست بالتي يعول عليها في وجود حركة نشر قادرة على الإضافة للحياة الثقافية في ليبيا، في غياب دور واضح وفاعل للدولة كناشر؛ بسبب المنظومة المضربة التي أشرنا إليها سابقاً. هناك الكثير من الأسباب التي تجعل من الناشر الليبي يتريث حد البطء في النشر، ويركز على السماء والمواضيع، ولا يغامر:

ففي الأساس النشر مشروع اقتصادي يخضع لميزان الربح والخسارة، والناشر في ليبيا ظهره مكشوف؛ أي غير محمي. فلا توجد قوانين تحميع من دخول النسخ المزورة للكتب أو سرقة منشوراته وإعادة طباعتها أو نسخه، أو تحويلها إلى صيغ إلكترونية.

كما لا توجد قوانين أو إجراءات تدعم الناشر فيما يخص أسعار الورق، أو ما يخص الشحن والجمارك، فبما أن الطباعة في ليبيا غير متاحة وضعيفة فإن الناشر الليبي يقوم بالطباعة خارج ليبيا، لذا هو يحتاج إلى قوانين اقتصادية تعينه على تخفيض سعر الكتاب من خلال تقليل أسعار الشحن والتحويلات المالية. مسألة أخرى أراها مهمة، هي دعم الناشر بأن تكون هناك نسبة من عدد الكتب المطبوعة مباعة سلفاً لمؤسسات الدولة؛ وزارة الثقافة، الجامعات المكتبات العامة والمراكز الثقافية، الأمر الذي يشجع الناشر، وينوع فرص الاختيار أمام القارئ، ويحرك الحياة الثقافية.

وبالحديث عن المكتبات العامة والمراكز الثقافية، أرى إن فقداننا لها كان له الأثر الكبير في ثقافة النشأ وبالتالي المجتمع الذي فقد علاقته بالكتاب، وهذا أمر يحتاج مساحة أكبر للنقاش.

ماذا بعد!!

لا أعتقد هذا المقال، وحتى الملف الذي اقترحته الفصول لمناقشة مسألة النشر في ليبيا سيكون قادرا على الوفاء بحجم المشكلة، لأني مازلت مصرا أنه في صلاح المنظمة -منظومة الدولة ككل-صلاح للعملية الثقافية في ليبيا.

_____________________________

مجلة الفصول الأربعة – العدد 130 – السنة 33 / يوليو – صيف 2021

النشر وضبط المعادلة الثقافية!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.