عندما يأكل الشاعر نفسه

(عندما لا تعثر على الكلمات، أنا ضائع) م.ع

كتاب تقطير العزلة

الشاعر / السارد

يبدو أن الشاعر في سيرته الأولى سارد كبير، يحب الحكاية أكثر من الغناء، يحب الانطلاق أكثر مما يحب القفز الموقع، يحب الكلمات أكثر من اللحن. وربما هذا يفسر نجاح الشعراء في تجاربهم السردية الروائية بشكل خاص.

والسرد ليس الرواية، أنه تقنية، نعم تقنية تشبه إلى حد كبير تقنية صناعة السجاد على المسودة، حيث تنساب الخيوط، والحكايات، والمشاعر والحوادث، والوجبات، وأكواب الشاي، بالتالي يكون لكل قطعة سجاد شكلها وتاريخها الخاص بها، والذي لا يتكرر، فاليدين تعملان على لضم الخيوط، ويعمل العالم في الخارج.

السرد قدرة على النظم، وتحويل الأحداث الصغيرة والبسيطة إلى نصوص قابلة للقراءة والإدهاش. هذه القدرك، هي أشبه بقوى الساحر الذي يستطيع بخفة يديه إجبارك على التصفيق.

تقطير

لا يمكنني النظر للتقطير، خارج دائرة الكيمياء، حيث تقوم الحرارة على فصل جزيئات المادة إلى مركبين، سائل يتم تكثيفه إلى صورة سائلة، وصلب مترسب يتم التخلص منه. بمثل هذه التقنية يتعامل الشاعر مع عزلته، لكنه على عكس الكيميائي لا يرمي الرواسب، إنما يعيد إنتاجها في صورة جديدة، مطعما بها نسيجه السردي.

الصفر

رياضيا الصفر لا قيمة له، وهو عنصر محايد في الجمع، يحول أكبر الأرقام إلى اللا شيء، ولا تكون له قيمة إلا بوجود خانة تسنده، بالتالي.

لكن تخيلوا، لو إن شاعرا فذا، يملك يدي سارد، وعبقرية كيميائي، َقام بتدوير خانة الصفر؟

النتيجة

ستكون النتيجة كتاب (تقطير العزلة)* للشاعر الكبير “مفتاح العماري”، بعنوان فرعي (محاولة لتدوير خانة الصفر). والسؤال هنا؛ ماذا يقطر العماري، ولماذا يدوّر خانة الصفر؟

في هذا الكتاب يقدم العماري تجربة جديدة في تحويل الذات إلى منتج إبداعي، حينما تتوفر الظروف المثالية للتجربة؛ وضع غير مستقر، عزلة، ووهن.

هذا الكتاب رحلة في عوالم “العماري”، ودرس مهم المقاومة، والاستمرار من خلال تقطير العزلة التي يعيشها، وتدوير القيمة المهملة (الصفر) وتحويلها إلى عمل إبداعي، يعتمد السرد، بلغة شعرية شفيفة، وتطريزه بلوحات واقعية تجعل من رحلة ممتعة لا يمكن إلا الاستمرار فيها حتى نهاية الكتاب.

“العماري” هنا استعان بكل شيء، بداية من تاريخه، ذاكرته، إلى نمط حياته اليومي، والأصدقاء القارين والعابرين. هو هنا يقاوم الاضمحلال والإهمال، بطريقة مختلفة، بطريقة تكشف ما يملكه من قدرة على كتابة نص نثري مغاير، يكون السرد فيه أداة للتلوين والتشكيل.

باختصار هذا الكتاب درس في الكتابة الإبداعية، أنصح به الكتاب الشباب.


* مفتاح العماري (تقطير العزلة – محاولة لتدوير خانة الصفر)، الهيئة العامة للثقافة، طرابلس، 2020م.

عندما يأكل الشاعر نفسه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.