معادلة؛ الثوابت، الأحلام، والرضا!!!

رواية علاقة حرجة للروائية عائشة الأصفر

بعد تقدمي في قراءتي لهذه الرواية، وجدتني استدعي رواية (العنكبوت) للدكتور “مصطفى محمود”، وكنت قراتها في فترة مبكرة من حياتي؛ والتي في اللحظات الأخيرة منها، أفقت بعد سقوط الكرسي بي للخلف، ودخولي في حالة من السبه، أو الشرود، بسبب أحداث الرواية المتسارعة وخيالها العلمي المغري بالغوص فيه أكثر وأكثر، حد انفصالي عمن حولي والمحيط.

لماذا رواية (العنكبوت)1؟

(العنكبوت) رواية قصيرة، وهي تنتمي لروايات الخيال العلمي، وهي التجربة التي سبقت روايته الدكتور “مصطفى محمود”، والتي نالت عنها جائزة الدولة؛ وهي رواية (رجل تحت الصفر) كأول التجارب الرائدة في مجالها.

المهم!!!

السبب الذي جعل عقلي لا إرادياً يستدعي هذه الرواية، هو وجود شبه بين الروايتين في مسألة الحيوات السابقة، لكن باختلاف جوهري، فرواية الدكتور “مصطفى محمود” تمحورت حول ما يعرف بـ(تناسخ الأرواح)، والتي تعتمد فرضية؛ أن الإنسان يعيش ملايين السنين ويولد ملايين المرات، وفي كل مرة يكون لهُ اسم مختلف عن الذي قبله. وذلك من خلال محاولة تفسير لوظيفة (الجسم الصنوبري) أو (الغدة الصنوبرية)، والذي لم يصل العلم فيه لرأي بات. هذا الجسم الصغير  يعزى إليها ما يتصل بالحاسة السادسة والمدركات الروحية والتواصلية. بالتالي فإن بطل الرواية يعيش أكثر من حياة يحاول اكتشافها، متنقلا بين مجموعة من الحيوات الإنسانية والحيوانية.

وإن تماست (العنكبوت) مع الرواية التي بين يدي فيما يخص الحيوات السابقة، إلا أن القصدية في كلا الروايتين مختلف، وأيضاً الخط العام للرواية ككل.

ذاكرة أم حياة؟

بعد تقدمي أكثر في الرواية، استوقفني سؤال آخر: هل الذاكرة حياة؟
بمعنى، لو تغيرت ذاكرة أحدنا، هل يعني ذلك أنه يعيش حياة أخرى؟
وجدتني أجيب بنعم!!

لماذا؟

لأن أول ما خطر في بالي هو الشخص (الفاقد للذاكرة)، الذي عليه البدء في حياة غير التي عاشها، أو يبدا في ممارسة حياته التي توافق ذاكرته اللحظية، أما التي كانت، فقد فقدها. فالذاكرة مخزن للمعارف والمعلومات والتجارب، وهي التي تمنح الإنسان الإطار الذي يحدد علاقته بالأشياء والمحيطين وما يدري ومالا يدري.

فلو تغيرت ذاكرتي على سبيل المثال، سأكون الذاكرة التي أحمل، وبالتالي ستتغير قناعاتي وطريقة تعاملي مع الأشياء والمحيط، بالاعتماد على ما تحمله الذاكرة من مخزون معرفي؟

الأمر أقرب شبهاً بالفلاش ميموري، فماهيتها مرتبطة بما تحمل، وكذلك الإنسان، جسد يحتاج ذاكرة تحييه وتمنحه ماهيته.

ثم لماذا قد أسعى، أو قد يسعى إنسان لتغيير ذاكرته؟

خيار التغيير!!!

لماذا قد يسعى إنسان ما، لتغيير ذاكرته؟ والقصد حياته؟

قد يكون هناك أكثر من سبب، لكني قد أقتنع في حال معرفتي بالذاكرة التي ستحل بي، وبالتالي الحياة الجديدة التي أعيشها، لكن أن أمد يدي لاستخراج ذاكرة ما، فهو مالا أستطيعه، ومع هذا ثمة سبب لتعليل هذا العمل، أو الفعل!!!

قد يكون الهروب إحداها!؟ وهو ما دفع بطل روايتنا لاتخاذ هذا القرار، بتغيير ذاكرته وتحمل تبعات هذا الاختيار. لنكتشف أن (الهروب) هو تيمة العمل، بل إنه اختيار كل شخوص العمل.

رواية الهروب!!!

وهكذا عندما تقدمت أكثر وأكثر في قراءة رواية (علاقة حرجة)2 للروائية الليبية “عائشة الأصفر”، أكتشف أن (الهروب) هو السلوك الطبيعي لشخوص العمل (كخط عام للرواية)، كسلوك دفاعي تجاه الواقع والمحيط، وعندما تفكرت أكثر لم أندهش عندما اكتشفت أن حياتنا هي لعبة (هروب كبيرة).

فنحن حقيقة؛ نعيش من هروب إلى هروب، والذي نسبغ عليه الصفات والشعارات للتعايش معه، والاستمرار في اللعبة. هذا الهروب ليس كلنا يستطيعه أو ينجح فيه، لذا يسقط البعض كما حدث لصاحبنا “جبر”.

“جبر” قرر الهرب، لكنه لم يهرب كما يهرب البشر نظرائه، إنما عمد إلى طلب تغيير ذاكرته، وتحقق له ما أراد؛ ليعود بعد غيبة إنساناً آخر، ليس الذي كان، فهو الآن بذاكرة امرأة، مما يعني نفوره من جسده الذكوري، الأمر الذي سيجعله في محاولة دائمة للهروب منه، ومحاولة تغييره. هذه الذاكرة الأنثوية، هي ذاكرة عالمة ذرة، عبقرية، مما يجعل من نظرته للأشياء تختلف، وتفكيره يعول على الماديات والحقائق. هذه الذاكرة الأنثوية العبقرية، انتهت في جسد صاحبتها الأصلية في حادث، لذا فثم نهاية معلقة، أو بمعنى آخر خاتمة هاربة.

هروب “جبر” لم يكن من تاريخه، إنما من واقعه ومحيطه. وفي مرارة الواقع تهون مرارات الخيار، وإن كان استبدال ذاكرة، استبدال حياة!!!

خطوط متوازية

الرواية تعمل على مستويين؛ مستوى فلفسي يمثله تخلي جبر عن ذاكرته، او استبدال حياته، والثاني وقائع الرواية التي تؤرخ لأحد أحياء مدينة (سرت)، وتحديداً (الحي 2) ما بعد 2011م.

الإشارة الأخرى التي نلتقطها في هذه الرواية، هو ديناميكيتها العالية، فبالرغم من الفترة الزمنية التي تغطيها بداية من تحول “جبر” إلى خروجه، فإن الرواية شهدت الكثير من الأحداث والفعاليات، التي عشناها واقعاً كقراء، ونستذكرها، وكأن الراوية تحاول من طرف خفي، أن تبرر لـ”جبر” فعلته، أو إنها تدعونا -تلميحاً- إلى تجربة هذا الخيار، خيار استبدال الذاكرة، طالما أن هناك الكثير غير “جبر” ممن غابوا وعادوا بذواكر أخرى!!!

علاقات حرجة!!!

ربما يكون عنوان (علاقة حرجة) الذي اختارته الروائية “عائشة الأصفر” عنوناً دلالياً في صيغة المفرد لمجموعة العلاقات الحرجة التي تعج بها الرواية في كل مستوى.

ففي المستوى الأول، وهو أكثر ما شغلني في الرواية؛ تظهر العلاقة الحرجة بين الذاكرة (العقل أو اللب) والقالب (الجسد) فكلاهما لا يتوافقان. وهذا طبيعي، فالذاكرة/ اللب يحمل السمات والصفات الأنثوية، بينما القالب ذكوري، مما يوجد نوعاً من التنافر الدائم، ويمكننا أن نسمي هذه الصورة؛ تماس مادي أو تجسيدي.

الصورة الثانية لهذه العلاقة الحرجة، التماس التاريخي، بين الذاكرة والزمن الذي عادتي فيه. فالذواكر التي يتم الاختيار فيما بينها، أو الهروب إليها هي ذواكر ماضوية، أو تم الانتهاء من استخدامها مؤقتاً أو أرجئ (بتعبير مادي)، بمعنى إنها ذاكرة ماضية أو ذاكرة قديمة، تاريخها هو تاريخ آخر استخدام لها (مازال حديثنا مادياً)، والأمر نفسه للذاكرة التي يتم التخلي عنها، فهي تتوقف عند تاريخ استبدالها، لتبدأ أخرى من نقطة انتهائها!! وهو أمر مربك، وسيكون من الصعب التعايش معه، في أن تكون متأخراً عن الواقع بأكثر من 50 عاماً، الفجوة الزمنية الكبيرة، هي صورة أخرى لعلاقة حرجة.

الصورة الثالث، والتي أشرنا إليها نهاية الفقرة السابقة، الفجوة الزمنية بين الذاكرة، التي ستبدأ من آخر توقف زمني وتاريخي لها، وبين اللحظة التي تعيشها، بين تاريخ وفاة الدكتورة “سميرة” أو توقف عمل ذاكرتها، وتاريخ عودتها للعمل من جديد، وحتى تتأكد هذه الفجوة، نجد إلى هذه الذاكرة قد عملت من قبل في جسد حيوان، وهو ما أعادني للتماس مرة أخرى مع رواية (العنكبوت) للدكتور “مصطفى محمود”.

نعم فكرت كثيراً!!!؛ هل حياة الإنسان سلسلة من الحيوات المتتالية؟ كما في فرضيات رواية (العنكبوت)، وهو مالا أتقف معه!! أم إنا نعيش حياة واحدة بكل تفاصيلها؟ ولكنا قد نهرب من واقعنا إلى واقع آخر؟ وهو ما يمكنني تقبله!!

هذه الفرضية ممكنه، وهو ما ترجحه الكاتبة، فالهروب قد يساعد على تغيير الواقع، وبالتالي تغيير التاريخ (الشخصي)، وصناعة ذاكرة جديدة، كيف؟ لهذا أكثر ملمح في العلاقات الحرجة الكثيرة في المستوى الثاني للرواية، ونعني العلاقة بين “فضل” و”لمياء”، التي تخبرنا الرواية أنها قائمة على الود.

لكن مع تفاعل الأحداث وتتالي المواقف، نكتشف هروب “لمياء” ورغبتها في تغيير واقعها وبالتالي تاريخها، فهي تعمل على منصات التواصل الاجتماعي بشخصية مغايرة عما تعيشه أو تشترك فيه و”فضل” الذي يحافظ على مسافة ثابتة من كل ما حوله. “لمياء” لا تعمل بذات الفلسفة، بالتالي تزيد المسافة بينها وبين “فضل”، وتقترب من “لمياء” التي تريد أن تكونها؛ شخصية جديدة بتاريخ جديد.

هل تنتهي الحكاية عند هذا الحد؟

بداية ما المقصود بـ(علاقة حرجة)؟

في رأيي إن مفردة (حرجة) هنا ليست من (الحَرِج) وهو الممتنع عن الإثم، أو الذي يخاف الإقدام على الأمر (المتحرج)، إنما هي الموضع الضيق عند الحاجز أو الحد، وهنا يكون القصد؛ التماس في العلاقة، أو تماس الحدود بين العلاقات، والغاية وصف التوتر.

فهمنا لهذه المسالة، يجعلنا نتقبل النهاية المفتوحة، أو المواربة التي عمدت إليها الكاتبة “عائشة الأصفر”، فنحن لا نستطيع توقع ما ينتج من تماس هذه العلاقات، أو التنبؤ بما سيكون عليه الحال، في حال تماسها.

الحكاية لم تنتهي بانتهاء الرواية، إنما بدأت وتركتنا أمام دالة مفتوحة الاحتمالات، وحقيقة تجعلنا نعيد النظر في أنفسنا، وفيمن حولنا؛ هل ما نعيشه هو الواقع الذي نريد؟ وهل الهروب هو الحل؟

أنهيت الرواية، لكنها لم تنتهي بداخلي، وظل السؤال معلقاً: أيهما الأكثر مرارة؛ الواقع الذي نعيش، أم استبدال الذاكرة؟ إنه ذات السؤال المعلق كلما مر أمامي خبر يتحدث عن قوارب الهجرة غير القانونية؛ أيهما الأكثر مرارة؛ الواقع الذي نعيش أم الحلم الذي نغرق من أجله؟

إنه معادلة؛ الثوابت، الأحلام، والرضا!!!


هوامش:

1- صدرت هذه الرواية في العام 1965م.
2- عائشة الأصفر (علاقة حرجة)، دار البيان للنشر والتوزيع والإعلان، بنغازي، 2020م.

معادلة؛ الثوابت، الأحلام، والرضا!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.