رضـــى

إلى من سقطوا من أجل إنقاذ حياة.

صورة لأحد الهاربات من الاشتباكات بمنطقة المشروع.
صورة لأحد الهاربات من الاشتباكات بمنطقة المشروع.
عن صفحة الأستاذ جمهة الترهوني.

 

1
التفت لصاحبة الجالس إلى مقود السيارة، متحفزا، غمزه ثم تقدم بسرعة، وخبرة من يعرف المكان.

خلال اليومين الماضيين، حفظ جغرافيا المنطقة، وتآلف مع أصوات الأسلحة، والتي ما إن تنطلق حتى تختفي معها كل الأصوات، ولا يعود من الممكن التواصل، لذا اتفق وزميله ٱن يستخدما الإشارات.

2
عند المنحنى، التفت لصديقه الجالس إلى مقود السيارة، متحفزا، ورفع إبهامه، يطمئنه واختفى.

3
قبل أسبوع، كان يعد نفسه للعودة للدراسة، فصل جامعي جديد، لقاء مع الحلم، والآمال الكبيرة، التي برغم الوضع الذي تعيشة البلاد كان يحس باقترابة.
أشهر الصيف الذي بدأ يجمع حوائجه، كانت مبشرة، فقد عمل فيه بجد واستطاع جمع ما يكفي حاجته خلال الفصل القادم، وطور مهاراته في هوايته الأثيرة، التي تربطه بالهواتف الذكية، وتجعل منه مقصدا للباحثين عمن يعالج أعطال أجهزتهم، وينعشها، أو يعيد لها الحياة.

4
قبل أن يغادر السيارة، مال على صديقه:
– لا تخف، فعلناها، وبتوفيق الله سنفعلها هذه المرة.. لقد منحنا ساعة، وعلينا استغلالها قدر ما يمكن.

5
قبل يومين، عندما بدأت الاشتباكات جنوب طرابلس، كان وقتها في طريق عودته للبيت، متوقفا كالعادة في المقهى الذي يشغل الركن المقابل للشارع حيث يسكن، والذي يعتبره سكان الحي نقطتهم الدالة، وملتقاهم وناديهم، كانت كل طاولة تشتعل بما تنقل من أخبار الاشتباكات.
مرق بينها، رافعا كوب القهوة، حتى خرج وجلس على الركابة الملاصقة لباب المقهى، لينضم إليه صديقه الأثير.
مالذي يحدث؟
اشتباك جديد، كما في كل مرة!!
أي اشتباك، ما أسمعه يشي بحرب؟
المسألة ليست الحرب!!! المسألة في العائلات العالقة، والتي تتساقط عليها القذائف، ولا مهرب!!!
لله الأمر من قبل ومن بعد.
ما برنامجك ليوم الغد؟
عادي!!!
أنا متطوع مع الهلال الأحمر، نحاول مساعدة الناس العالقين!!
جيد، غدا ستجدني بانتظارك!!!

6
قبل ساعتين، أخبروا أنه ثمة أم عالقة، ولم تستطع الخروج خوفا على أطفالها الأربعة، وأنها منذ بداية الاشتباكات بلا كهرباء، ويكاد شحن هاتفها ينضب.
تلقفا العنوان، وما إن منحا الاذن حتى انطلقا، كانت الخطة الوصول للمكان بأسرع ما يمكنهما، قبل أن تعود الاشتباكات. والعلامة الدالة ررداء أبيض عالى الباب.

7
وصل لنهاية الشارع، تقدم بحذر، وأصوات بعض الصليات المتقطعة تصله. تأمل الطريق الرئيسي الذي عليه عبوره للوصل للجهة الثانية حتى يصل الأم ويعمل على إخراجها.
لمح الباب والرداء الأبيض المعلق عليه، خطى، لكنه توجس عبور الشارع العريض. رفع شعار الهلال الأحمر، وتقدم.. صوت صليات أخرى وصل مسامعه. تقدم مسرعا، عبر الطريق، شيء ما عبر، لكنه واصل حتى وصل الباب.
طلب من الجميع الاستعداد، عن الإشارة الأولى انطلقت الأم حاملة طفلها الصغير رافعة شارة بيضاء. في الثانية انطلقت الأخت الكبرى صحبة أخيها، ليصلا أمهما في الجهة الأخرى للطريق، عندما تأكد من إغلاق باب البيت، حمل الصغير، وما إن وصلهم حتى طلب منهم سرعة التحرك.
انطلق الجميع، طلب منهم أن يتقدموه، وظل هو في المؤخرة، حاملا الصغير الذي ظل طوال الطريق يربت على كتفه.

8
عند المنحنى، أشار لصديقه بإبهامه.
انطلقت الأم، بأطفالها، بعد أن أنزل الصغير من على كتفيه، باتجاه السيارة. صعدوا جميعا، وتجهز الصديق، لكنه لم يصل، التفت للأم:
هل هناك أحد غيركم؟
لا.
لحظتها صاحت:
دم.. دم.. دم!!!

انطلق الصديق الأثير ناحية المنعطف، ليجده جالسا إلى الحائط، صامتا ومبتسما.
صاح الصديق الأثير، واختفت صيحته في أصوات الأسلحة.


			
رضـــى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.