هل تعرف بابلو نيرودا؟

الشاعر التشيلي بابلو نيرودا
الشاعر التشيلي بابلو نيرودا

كان مر على وجدوه بيننا حوالي العام، ودود ومبتسم بشكل دائم، في حال دخولك إليه وهو يجلس معنا، سوف لن تحرز جنسيته، ما لم يتحدث، لذا قمنا بتعليمه عبارات الترحيب، حتى أتقنها، فكان يصعب على من يلتقيه أن يكشف عجمته.

وفي حديث ودي، تطرقت إلى جمال أمريكا الجنوبية، وخصب البيئة جمالياً وثقافياً، والدليل ما قدمه أدب أمريكا الجنوبية، وهنا انتبه زميلي “مايورجا” سائلاً:

– ماذا تقصد؟

فذكرت له مجموعة من الروايات لكتاب أمريكا الجنوبية، فتوقنا عند بعضهم، خاصة “بويلو كوهيلو”، وكان في كل مرة يعلق على طريقة نطقي للأسماء، ويعيد نطقها أمامي بالنطق الصحيح، حتى وصلت إلى “بابلو نيرودا”، ليقفز:

– هل تعرف “بابلو نيرود”؟

بلهجته الإسبانية، مستغرباً.

فقلت له نعم، واجتهدت في ترجمة مقطع من محفوظاتي له باللغة الإنجليزية، فكنت فاشلاً بامتياز، فسحبني إلى داخل المكتب، وأدار جهاز الحاسوب خاصته، وعمد إلى أحد الملفات، وشرع يقرأ لي من أشعار “نيرودا” باللغة الإسبانية.

كنتُ أتذكّرك وروحي تضيق

بهذا الحزن الذي تعرفين.

أين كنتِ آنئذٍ؟

بين أيّ أناس؟

أيّة كلمات كنتِ تقولين؟

لماذا يداهمُني كل هذا الحب

عندما أشعر بالحزن، وأَشعرُ بكِ بعيدة؟”

كان صديقي “كريستيانو مايورجا” يقرأ بهيام، فكان الكلمات ترقص في المسافة التي بيننا، وموسيقا هادئة [في خلفية المشهد، كما أقول عادة] تنساب في انثيال، وبين اللحظة والأخرى، يصيح (هاي هاي). بعد انتهائه التفت لي، قائلاً:

– هل فهمت؟

– نعم، كل كلمة وكل جملة؟

نعم، أستطيع الجزم أني فهمت ما كان يقول، وإن كان ما قرأ من نصوص باللغة الإسبانية، فالشعر كما الموسيقا واللوحة، يصلك تأثيره ويهزك من الداخل.

ربما هذا يعود بي، لمرحلة متقدمة من حياتي الأدبية، عندما حضرت أمسية للشعر الفارسي، أقيمت برابطة الأدباء والكتاب بطرابلس [كما كانت تعرف قبلاً]، وكان برنامج الأمسية إلقاء مقاطع شعرية باللغة الفارسية، تتبعها ترجمة لبعض الأبيات، وتعريف بالشعراء، فكنت أستمتع بإلقاء الشعر في لغته الأم، أكثر من الترجمة. ثم جاءت المرة الثانية، عندما سمعت مقاطعاً لنصوص في لغتها الأم، من خلال مجموعة من المناشط كانت تقيمها الرابطة وتشرف عليها، وكانت بالإنجليزية.

مع دخول الإنترنت، وتمكنها مني، تجدد بحثي عن الشعر في لغته الأم، وقررت أن أبحث عن النص ص المسموعة، فبدأت بالاستماع للقصائد باللغة الإنجليزية، ولمعرفتي بها كان من السهل علي فهم النص، وترديده. فقررت دخول مغامرة أخرى، فكانت تجربة الاستماع إلى الشعر باللغة الفرنسية، بمساعدة الصديق “برونو كوكوا”، وهو أيضاً مهندسٌ زميل.

المغامرة الثالثة كانت ذهابي إلى آسيا، في رحلة من الشعر الهندي، والباكستاني، خاصة الأشعار الصوفية، التي أوصلتني إلى فن (القول) وهو الغناء الصوفي في باكستان، من خلال العملاقين “نصرات فاتح علي خان” و”عابدة بروين”، وأستطيع الجزم أن الأشعار الهندية والباكستانية من أجمل ما سمعت من شعر، موسيقا وانسيابية.

الشعر في لغته الأم، أجمل مما في الترجمة.

هل الترجمة خيانة؟ لا، لكنها تحرمنا من موسيقا الشعر، وإيقاعه على لسان الشاعر، أو من يلقي النص، فالمترجم يجتهد في نقل المعنى والصورة، بينما الشعر يملك من القدرة ما تمكنه من الوصول إلى السامع، وتمكنه من معنى النص، وحتى لحظاته وصوره، ودهشة الشاعر في مشاهده وصوره، بأي لغة كان.

قد يفهم البعض أني أقصد موسيقا الشعر، من وزن وتفاعيل، فأقول: لا. إن ما أعنيه هي طاقة الشعر الناتجة عن تواشج المفردات، ونفس الشاعر، وعلاقته بالنص حال الإلقاء، أو من يقوم بقراءة النص، تماهياً وتغنياً، وتمثيلاً.

مع كثرة الاستماع، تستطيع أن تكتشف دوائر النص، وحركاته، وانتقالاته، واتكاءات الشاعر، ولعبة التكرار الجميلة، في مفردة، أو جملة تظل تنتظرها، وتكررها وإياه، أو عندما يصعد الشاعر نصه، في سلمٍ من الكلمات [التي يلقيها مفردة]، ثم يتوقف. أو وهو يسترسل في جملة، قد تطول، وتطول، ثم ينقط صوته.

يقول صديقي “كريستيانو مايورجا” إن الكثيرين في (نيكراجوا) يحفظون مقاطع من أشعار “نُرودا”، حتى وإن كان من (تشيلي)، فهو كما يقول:

– تكلم عنّا جميعاً، بلا تخصيص.

طرابلس: 17-1-2016

هل تعرف بابلو نيرودا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.