الرسم حرام

“الرسم حرام، وعليك التوقف عن الرسم”

عن الشبكة
عن الشبكة

كان الصفحة البيضاء تفتح أفقها لأنطلق، فلا حدود ولا موانع. ومع قلم الرصاص المبري بعناية، أجدني لأحلامي مكاناً، ومع ألوان الخشب، لا ما يمنع الأحلام من التحقق.

كنت أرسم بشغف، ولا أتوقف، أرسم كل شيء.

كنت أحبس نفسي في ركن بعيدٍ عنهم، وأرسم.

رسمت الجميع، من أبي وأمي إلى بقية الأقرباء. كنت آخذ صورهم وأضعها أمامي وأعيد تصويرها بقلمي الرصاص، المبري بعناية.

تعلمت الرسم بالألوان المائية، ورسمت المناظر الطبيعية، والأزهار، والعصافير، بشكل خاص (القصبي) و(الهدهد).

في أحد المناسبات، أهداني جارنا –المصري- مدرس اللغة الإنجليزية علبة ألوان زيتية، لحظتها أحسست أنني رسام.

فاشتريت فرشاً من (القرطاسية) وصنعت حامل لوحات، وبدأت الرسم متخيلاً أني بيكاسو أو دالي. ما زلت أذكر أن أول لوحة رسمتها بالزيت كانت لصحن فواكه، أعجبتني اللوحة، بالرغم من أني استخدمت الورق المقوى (الكرطوني)، ولم أتمرس جيداً في الرسم بالزيت كما هي خبرتي مع الأوان المائية. لكن اللوحة وجدت مكتنا فوق السرير.

*

“اتق الله، تصوير ذوات الأرواح لا يجوز”

بالصدفة دخلت عالم الرسوم، نعم كنت أكتب القصص وأرسمها، وأخترع الشخصيات. في البداية بدأت مقلداً لكن في المرحلة الثانوية صرت محترفاً بشهادة صديقي “وائل”.

ومن الرسوم دخلت الرسم الساخر، لكنه لم يأخذ من اهتمامي كثيراً. ظل اهتمامي منصباً على الرسوم والشخصيات، فكنت و”وائل” نخترع الشخصيات، ونرسم.

كنا نقوم بتخيل أحداث النصوص الشعرية ونرسمها، والمقطوعات النثرية ونعيد تشكيلها في رسوم وشخصيات. نتبادل كراسات الرسم، والخبرات، والحلم.

*

“ستكون مطالباً أمام الله بنفخ الروح في الصور التي ترسمها”

– رامز.

– نعم يا أستاذ.

– أريدك بعد الحصة.

– حاضر!!!

كنت منهمكاً في رسم المتنبي على فرسه وهو يصارع قتلته، منشداً:

الخيل والليل والبيداء تعرفني / والسيف والرمح والقرطاس والقلم.

توقفنا في الممر، حدثني طويلاً عن حرمة الرسم والتصوير، وكيف إن هذا تعدياً على خلق الله، بسند من الآيات والأحاديث النبوية. وجدتني أعده بالتوقف. ولأعود من فوري للبيت وأتخلص من هذه الخربشات.

في هذه اللحظة أشهر بالندم لتهوري، ما ضر لو احتفظت بها كذكرى، ما ضر لو (سكرت راسي) مثل “وائل” وواصلت هوايتي.

*

بعد ذلك بسنوات طويلة.

بدأت العودة للرسم بشكل خجول، لكني لم أكمل عملاً، كنت أخطط وأتوقف. أمارس بعض الخربشات، والسكتشات. أقتل بها الوقت وأركز بها. فمثلاً في الأمسيات، كنت أرسم الشاعر على المنبر، أو أرسم أحد الجالسين قريباً مني.

آخر هذه المواقف، كان في أحد الدورات، عن\ما كنت منشغلاً برسم المدرب، لأجده فجأة عند رأسي:

– Wow, it’s me!!!

*

عند خروجنا من البريقة بعد سيطرة الثوار عليها، في بداية شهر مارس 2011، وعند أحد منافذ التفتيش بمدينة سرت، أنقذتني كراسة حوت مجموعة من التخطيطات، وكان بها بعض الوجوه الأنثوية.

– ما شاء الله رسام!!!

– يعني….

– هي دبو على حالكم.

*

الرسم حرام.

أحتاج أن أرسم عندما لا أريد الكتابة ولا أستطيع، أجد صوت الأستاذ “علي” يخرج من كل مكان (الرسم حرام).

لن أقول لابني الرسم حرام. سأتركه يلون الحوائط، ويحلم على الكتب.

*

الرسم ليس حرام.

الرسم حرام

تعليقان على “الرسم حرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *