
في مقالي السابق، تطرقت إلى فرضية أزعم أنها باتت أشبه بالقانون غير المكتوب في فضاء الإعلام الرقمي؛ وهي أن “شهرين” من التجربة المستمرة لأي منصة تقنية جديدة تعد مدة كافية تماماً لاستكشاف جوهرها، وفهم شيفرتها الخاصة، والحكم على مدى ملاءمتها لبيئة العمل الصحفي الثقافي.
اليوم، وبعد أن أخضعت أدوات الذكاء الاصطناعي لهذا الاختبار الزمني الدقيق وتجاوزته بكثير، أجدني مدفوعاً لتدوين تفاصيل هذه التجربة الاستثنائية التي غيرت بشكل جذري من آليات إنتاج المعرفة والكتابة الإبداعية والصحفية لدي، وفي مجال العمل بشكل خاص.
لم تكن علاقتي بالذكاء الاصطناعي قائمة على الانبهار الساذج أو الاندفاع غير المدروس للتجربة، بل اعتمدت على الفضول النقدي والمهني. وفي قطاع العمل اليومي المزدحم، تبلورت هذه التجربة في الاستفادة القصوى من هذه الأدوات في صياغة وكتابة التقارير الشاملة، ومراجعة المنشورات الفنية المعقدة، وفك مغاليق القوانين واللوائح التنظيمية التي غالباً ما تتسم بلغة جافة تحتاج إلى تبسيط وتفكيك لتصل إلى القارئ بسلاسة، وبشكل عملي تحويلها من نصوص إلى قوائم تحقق ولوائح إجرائية.
خلال هذه الرحلة الاستكشافية، استقر خياري المهني على ثلاث منصات رئيسية، أجد أنها تمثل اليوم “الثالوث المقدس” للإنتاجية المعرفية، وهي:
جوجل جيمني (Google Gemini)،
وبريبليكستي (Perplexity)،
وديب سيك (DeepSeek).
لقد وفرت هذه المنصات مجتمعة بيئة عمل غنية وشديدة التنوع، لبت كل المتطلبات الفنية والتحريرية التي أحتاجها في مجال عملي، وهو مجال تقني معقد إلى حدٍ ما.
ولكي تعم الفائدة بشكا أكبر، ويمكنني توزيع الأدوار بين هذه المنصات الثلاث بناءً على طبيعة الأداء والتميز الوظيفي على النحو التالي:
جوجل جيميني (Google Gemini): رفيق الصياغة والتحرير والإنشاء
يتجلى حضور جوجل جيميني كشريك كتابي بامتياز؛ إذ يمتلك قدرة فائقة على فهم الفروق الدقيقة في اللغة، وتعديل النبرة التحريرية لتناسب موضوع ومحتوى التقرير، أو إعادة صياغة الموضوعات والمنشورات بشكل مختصر دون الإخلال بالمضمون.
الجانب الثاني من هذا الاستخدام، يتمثل في إنشاء هياكل الدلائل والمراجعات والمنشورات الفنية. إضافة إلى الاستخدام الأكثر شيوعا، وهو الرد على الإيميلات والرسائل.
بريبليكستي وديب سيك (Perplexity / DeepSeek): بوصلة البحث المعرفي
حين ينتقل العمل إلى مرحلة التقصي وجمع المادة الخام، يبرز ثنائي بريبليكستي وديب سيك. إذ يتميز “بريبليكستي” بكونه محرك بحث معرفي فائق الدقة، يمنحك المعلومة مقرونة بمصادرها الأصلية، مما يسهل عملية التحقق ويختصر ساعات طويلة من البحث التقليدي في محركات البحث العادية.
أما “ديب سيك”، فيأتي كعقل تحليلي مذهل قادر على الغوص في التفاصيل المعقدة، وتفسير البيانات الإحصائية، وتقديم مقاربات بحثية عميقة تمنح الموضوع عمقاً أكاديمياً وفنيًا رصيناً.
إن الميزة الكبرى والجوهرية لهذه الأدوات تتلخص في كلمتين: الوقت والجهد.
ففي مجال العمل، يمثل الوقت التحدي الأول للمهندس أمام “المواعيد النهائية” وضغط العمل المستمر، حيث أتاحت لي هذه المنصات تفويض المهام الروتينية المجهدة -مثل البحث الأولي والمراجعة والتلخيص، والترجمة الفورية الدقيقة، ومراجعة النصوص والمذكرات الطويلة- للآلة أو ما يعرف بوكيل الذكاء الاصطناعي، مما مكنني من التفرغ التام للمتابعة اليومية وتنفيذ المهام والزيارات الميدانية.
ختاماً، إن أهمية هذه الأدوات في بيئة العمل المعاصرة لا تكمن في استبدال القائم بالعمل أو إقصاء فكره، بل في تحويله إلى “موجّه ومحلل ومفكر”. لقد منحتنا التكنولوجيا أدواتٍ حررت عقولنا من أعباء البحث الروتيني المنهك، لكي يظل جهدنا خالصاً للابتكار.