فجر عروس البحر

طرابلس9

 

 

20 رمضان/ أُغسطُس: يميل علي أخي الأصغر عند الإفطار:

– خليك في الحوش، بنمشي مع “……..” إلى سوق الجمعة.

وعند باب البيت سمعته يجيب والدتي:

– بنمر عالعمال، نشوفهم شن داروا في السور والباب الرئيسي.

هي المرة الرابعة أو الخامسة التي أفترق فيها عن زوجتي وابني خلال الأحداث، نظراً لسكناي القريبة من مركز الأحداث. اليوم هو الـ20 من رمضان الموعد المقرر لبدأ عملية (فجر عروس البحر). في الحي اجتمع الشباب في محاولة لتأمين المنطقة ضد أي هجوم، فتمركزوا عند المداخل مسلحين بالهراوات والسكاكين، وبنادق الكلاشنكوف، لا ينفكون عن التكبير، وعند لحظات الصمت لم يكون تُسمع إلا أصوات التكبيرات من المساجد، وطلقات الرصاص، مفرداً وصلياً. عقب صلاة العشاء توقفت عند أحد المداخل سيارة تابعة لأحد الكتائب مجهزة برشاش مضاد للطائرات، فكمن الشباب أعلى الشارع، وفي محاولة البعض الالتفاف، تم تبادل إطلاق النار فكان نصيب بيتنا رصاصة طائشة استقرت في السور الخارجي. وتحت إصرار الشباب تراجعت السيارة، لكنها لم تبتعد كثيراً، لتقع في كماشة بين مجموعتين، انتهت بها محترقة، فتم التنسيق بين مجموعات الثوار في حيينا والأحياء المجاورة، لتوفير التغطية وتأمين المنافذ ومراقبة الشوارع والمناطق الخلفية. كانت القنوات الإخبارية بدأت متابعة ونقل ما يدور من أحداثٍ في طرابلس، وشارعنا في مقدمة الأخبار.

– نعم، أنا بخير، لا تعاود الاتصال بي، ولن أعود الليلة للبيت.

كان صوتُ أخي عبر النقال لاهثاُ، مختلطاً بأصوات التكبيرات وطلقات الرصاص.

21 رمضان/ أغسطس: عاد أخي عند الظهيرة، قال:

– خلاص، سوق الجمعة تحررت.

لم ندعه يدخل حجرته حتى قص علينا أحداث الليلة الماضية بالتفصيل، لحظات وعاد للخروج.

– إلى أين؟

– مع جماعة الشارع، بنأمنوا الطريق.

وأعلن عن تحرر المنطقة من (زناتة) إلى (الضهرة) و(فشلوم)، ومن (زاوية الدهماني) إلى (رأس حسن)، وعلق علم الاستقلال عند المداخل وعلى البنايات، وتم توزيع مجموعة من الشباب عند البنايات العالية للمراقبة، وكان نصيب (جامع صفية) -كما يطلق عليه- 4 من ثوار فشلوم. فترة ما بعد الظهر حدث اشتباك قوية، ولم يستجب المتطوعون لدعوات الاستسلام التي انطلقت عبر مكبر صوت (جامع عمورة)، فانتهوا. وانتهى اليوم  بقذيفتي هاون.

– شن الاخبار؟

– جنزور تحررت، وهاوينه السيل قريب يوصل للماية.

الخبر الرئيسي لنشرات الأخبار: وصول ثوار الزاوية والجبل مشارف طرابلس الغربية، وثوار مصراتة عبر البحر لتاجوراء.

22 رمضان/ أغسطس: عند ساعات الصباح الأولى وصلت الدفعة الثانية من ثوار الجبل ودخلت (ميدان الشهداء) ملتحمة من ثوار طرابلس، وأهاليها، وها هو “عبدالعظيم محمد” مراسل الجزيرة، يبث أول مراسلاته من (ساحة الشهداء) بقلب العاصمة الليبية (طرابلس). لم تكن (ساحة الشهداء) الهدف، إنما الوصول لمعقل الطاغية في (باب العزيزية).

– شن الأخبار عندكم.

– لا إله إلا الله، المجرم يقصف فينا من باب العزيزية.

في (بن عاشور)، حيث منزل العائلة، كانت تصلنا أصوات معركة (باب العزيزية)، تتوقف لدقائق لتعاود الرشاشات زمجرتها، والمدافع دويها ودكها لأسواره. بعد صلاة العصر دوى انفجار قوي، كانت أحد قذائف الهاون سقطت قريباً من حينا.

– آه، شن الأخبار؟

– شنو، الضي قاعد ماجاش.

– الضي مش مشكلة، المهم تتحول هالغمة.

23 رمضان/ أغسطس

– معليش تقلنا عليك، شن الأخبار.

– مراسل الجزيرة ع البوابة الخلفية لباب العزيزية.

معركة باب العزيزة، أكدت وحدة الصف الليبي وعزمه على إزالة الطاغية، كل ليبيا شاركت بشبابها في دك هذا المعقل، الذي تهاوى كهيكل من ورق. ودخل الثوار بأسرع مما كنا نتوقع، ومما كان يبثه إعلام النظام. سقط باب العزيزية، الكل خرج يهتف، ويستنشق عبير الحرية التي حرم منها لعقود. من بن عاشور، زاوية الدهماني، السوالم، الترسانة، 11 يونيو، سوق الجمعة، الهاني، النوفليين، رأس حسن، الجرابة، كنا أربعتنا في السيارة نهتف بما أوتينا من قوة: إرفع راسك فوق، إنت ليبي حر. ليلتها لأول مرة أنامُ بعمق.

 

24-26 رمضان/ أغسطس: طرابلس محررة. وحتى اللحظة تصدح سماءها بالتكبير، وعندما تنقطع الكهرباء، ترتفع حناجر الرجال والشباب بها، ومن خلفهم النساء تهتف وتطلق زغاريدها.

______________

تنويه: سلسلة المقالات هذه كتبت خلال الفترة من شهر مارس وحتى سبتمبر 2011. في محاولة لرصد أحوال طرابلس الحبيبة.

نشر بصحيفة فبراير


فجر عروس البحر

تعليقان على “فجر عروس البحر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.