
مقدمة
تظل مسألة النهضة والتحديث في الوعي العربي واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً وإشكالاً؛ إذ كشف التعاظم المتزايد للنزعات السلفية والتقليدية عن تعثر المشرع الحداثي وتراجعه أمام استحقاقات المستقبل. في هذه المقالة نحاول تفكيك هذه الإشكالية عبر ثلاثة أجزاء متكاملة: تبدأ بمراجعة نقدية لمقالة الكاتب والروائي منصور بوشناف “عودة الابن الضال”، الزناد الذي قدح الفكرة، ثم تنتقل إلى تحليل الأسباب الجمالية والنفسية التي أدت لتفوق النموذج التقليدي، ونختم بتفكيك الهندسة المعرفية والسياسية التي تفرضها السلطة للسيطرة على الوعي العربي.
منصور أبوشناف و”عودة الابن الضال”
في مقالته المعنونة (عودة الابن الضال)، يقدم الكاتب والروائي منصور بوشناف رؤية وصرخة نقدية مريرة تُشخص حالة الهزيمة الثقافية والنكوص الحضاري التي تشهدها المنطقة. إذ يستهل الكاتب مقالته بالإشارة إلى حالة التراجع الشاملة عن كل ما أنجزه العقل والوجدان العربي في مسيرته التحديثية القصيرة، مشدداً على أن هذه الخطوات -رغم شائبتها وتشوهاتها- كانت تتجه نحو الأمام.
حيث ركز في مقالته على مجموعة من الإشارات المهمة، نلخصها في:
1. مأزق “الصدمة الحضارية” ومواجهة الآخر:
يرصد المقال كيف استيقظ العقل العربي من نومته الطويلة على صدمة الحداثة الغربية التي اكتسحت الأرض والثقافة والمعتقدات. أدت هذه الصدمة إلى الانقسام بين معسكرين:
المعسكر اليقيني (السلفي): الذي رأى أن سبب التخلف هو الابتعاد عن قيم التراث، فتجمد في درقته داعياً لإحيائه لمواجهة الطوفان القادم من الغرب.
المعسكر المتشكك (التنويري): الذي اتخذ من الشك في الميراث والذات بدايةً للبحث عن أسباب القصور والتشوه والأوهام داخل التراث نفسه.
2. هزيمة مشروع النهضة والحداثة:
على الرغم من أن الصدمة أثمرت عن مشروع ناهض حاول تحديث المجتمع عبر التعليم والمؤسسات العقلانية، إلا أن بوشناف يقرّ بهزيمة هذا التيار كلياً في الواقع العملي، لصالح تيار “العودة إلى السلف” والتمسك به حرفياً، مبيناً أن شعارات الديمقراطية والدولة المدنية لم تعد سوى “جعجعة إعلامية”.
3. القصيدة كمقياس للتردي الثقافي:
يتخذ الكاتب من المشهد الأدبي -ولا سيما الشعر- أنموذجاً تطبيقياً لقياس هذا الارتكاس. فيلاحظ طغيان قصيدة العمود الخطابية والمنبرية على كل المنابر (مستشهداً بأمسيات موسم طرابلس الثقافي الشعرية)، وتراجع قصيدة التأمل الصوفية أمام “سلفية الشعر”. حيث تحولت الأمسيات إلى محافل عكاظية بامتياز، أرجعت الأوطان إلى “حمى القبيلة”، وجعلت الجماهير تصفق طرباً للشاعر كما كانت تصفق للخطيب الشعبوي الديكتاتور.
4. ظاهرة “الغنائم” والسطو على المفاهيم:
ينبه بوشناف إلى سلوك ثقافي خطير يتمثل في سطو التيارات التقليدية على مفردات الحداثة واليسار (مثل: المثقف العضوي، الدولة المدنية، الثورة المضادة) وتفريغها من مضمونها العقلاني لتمصيرها وإعادتها إلى “الحضيرة”، عملاً بمشروعية واستراتيجية “الغنائم”.
5. مفارقة “الابن الضال” والعنوان:
يختتم المقال بتشكيل دلالي عميق؛ فالأزمة ليست حنيناً عابراً، بل هي نكوص يقتل “المستقبل”. وفي مفارقة فلسفية ذكية، يُصبح “المستقبل” هو الابن الضال في نظر المجتمع العربي؛ حيث المجتمع يمارس حنينه الضامي إلى الجمود الحضاري، متوهماً أنه بردّ هذا الابن (المستقبل) إلى أحضان الأمس، قد هداه من ضلاله.
أسباب العودة وتفوق النموذج التقليدي
في ظني؛ إن غلبة أو بروز النموذج التقليدي على النمط الحداثي ليس مجرد نكسة عابرة، بل هو استجابة لبنية جمالية ونفسية معقدة تجعل المتلقي العربي ينحاز تلقائياً للنموذج الموروث على حساب التجريب الذي يخافه، ويمكنني تلخيص أسباب تفوق النموذج التقليدي في أربعة أسباب:
1. البنية السمعية وشعرية “الشفاهية”:
تتميز الأذن العربية تاريخياً بأنه أذن “سماعية” تتغذى على الوزن والقافية والتنغيم. فالوزن الخليلي التقليدي ليس مجرد شكل فني، بل هو نظام تنفسي (حركة / سكون) ولغوي يرتبط بالنبر والتكرار، مما يجعل القصيدة العمودية سريعة النفاذ والقبول. هذا إضافة إلى تتميز القصيدة التقليدية بالمباشرة والوضوح الفكري (الفخر، الهجاء، الحماسة)، مما يُتيح للمتلقي استهلاكاً مريحاً لا يتطلب منه مشاركة ذهنية معقدة في بناء المعنى.
2. البنية النفسية: الخوف من “التيه” والبحث عن الأمان:
إن الذهاب إلى التجريب والحداثة يعني ممارسة الشك، والشك بدوره يولد القلق ويفترض الحرية المسؤولة. ففي لحظات الأزمات الكبرى والهزائم الحضارية، يهرب الوعي الجمعي من “حرية الفكر ومخاطرة التجريب” ليلتجئ إلى “أمان التكرار ودفء الجاهز”. وبالتالي؛ تحول الموروث والقوالب القديمة إلى خطوط دفاع لحماية الذات والهوية من التلاشي أمام الآخر، فتصبح القصيدة الحديثة مفككة ومربكة تتسبب في شعور المتلقي بـ “التيه”.
3. أزمة النخبوية والانفصال:
من جانب آخر، عانى المشروع الحداثي الأدبي والفكر من ثغرة ذاتية؛ حيث انسحبت القصيدة الحديثة في كثير من الأحيان إلى عزلة نخبوية وتجريب ذهني مغلق، وانقطعت عن نبض الشارع، مما أوجد جداراً بينها وبين الجمهور العادي.
4. المنبرية والاستعراض الجماهيري:
القصيدة العمودية هي بنت “المنبر” والتنفيذ الجمعي، تُخاطب الجمهور وتخلق حالة من النشوة المتبادلة والتنفيس الجماعي. بينما القصيدة الحديثة هي بنت “الكتاب والقراءة الفردية التأملية”. وفي مجتمعات يعاني فيها فعل القراءة التفكيكية لحساب الشفاهية والشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، كان طبيعياً أن تنتصر القصيدة المنبرية السلفية.
العلاقة الشائكة بين السلطة والوعي العربي
لا يقتصر مرجع أزمة “الارتهان للماضي” على طبيعة ذوقية أو جينات فكرية متوارثة، بل يُعتبر نتيجة هندسة معرفية وسياسية تُغذيها وتستفيد منها الأنظمة والمؤسسات القائمة من خلال:
1. تحويل الماضي إلى أسطورة تعويضية:
فعندما تفشل الأنظمة السياسية والثقافية في بناء حاضر مزدهر يقدم التنمية والحرية، يلجأ المجتمع بتشجيع ضمني إلى تحويل “الماضي” إلى “فردوس مفقود”. فتصبح المعادلة المعرفية كالتالي:
الماضي = الأصل، اليقين، الطهارة، والكرامة.
المستقبل/الحديث = المجهول، التهديد، الشك، والضياع.
2. تكتيك “صناعة الخوف المعرفي”:
في هذا؛ تستعين الأنظمة التقليدية والسلطوية بسلاح الترهيب النفسي؛ فيُصوَّر كل خروج عن النمط المعرفي والتراثي الموروث بأنه تفريط في الثوابت، أو انسلاخ عن الهوية، أو انسياق وراء مخططات الآخر الغربي. هذا الترهيب يحرم العقل العربي من الشك التنويري ويقوده للارتهان طواعية للنصوص والقوالب الجاهزة.
3. التحالف الضمني بين السلطة والنمطية المعرفية:
حيث تجد السلطات غير الديمقراطية في العقل التقليدي حليفاً غير مكلف:
فالعقل الحداثي النقدي: عقل يتساءل، يراجع، يفكك الشرعيات، ويطالب بالمشاركة والتغيير.
أما العقل التراثي السلفي: عقل يُقدس الأب والشيخ والحاكم، ويستند إلى مفهوم “السمع والطاعة” والمحاكاة.
لذلك، تُفضل المؤسسات دعم واستنساخ الخطاب الاحتفالي المنبري لأنه يُخدر الجماهير ويعطل طاقة الفكر النقدي.
4. حلقة إعادة الإنتاج عبر المناهج والإعلام:
تستمر هذه الهيمنة المعرفية عبر منشآت التأثير الأساسية؛ فالمناهج التعليمية تعتمد الحفظ والتظهير وتغيب منهج البحث والشك التنويري، بينما تُعطي وسائل الإعلام الثقافية الأولوية للشكل البلاغي السطحي على حساب الخطابات الفكرية التي تفكك المشكلات الهيكلية للمجتمع.
ختامًا
تُظهر المراجعة النقدية العميقة لجدل “عودة الابن الضال” أن شفرة النص الحقيقية لم تكن تكمن في محاكمة شكل القصيدة العمودية أو إدانة أوزانها وقوافيها، بقدر ما كانت محاكمة صريحة للعقل الثقافي العربي حين يتخلى عن أسئلة النهضة ويستبدل المغامرة النقدية بالاطمئنان إلى الموروث والجماهيرية الزائفة.
فالمقال لم يكتب دراسة نقدية في أشكال الشعر، بل اتخذ من الظاهرة الشعريّة والأمسيات المنبرية شاهدًا كاشفاً وإشارة إنذار لتراجع الوعي العام، حيث استُعيض عن النقد بالتصفيق، وعن الجمال بالهتاف. وإن اختزال هذا الطرح الفكري في كونه مجرد هجوم على الشعر العمودي يظلمه ويُفرغه من محتواه؛ إذ إن “الابن الضال” الحقيقي الذي يبحث عنه هذا الجدل ليس شكل القصيدة، بل هو العقل الذي غادر مشروع النهضة وما زال يتلمس طريق العودة.
وبالتالي؛ فإن ما خلص إليه منصور بوشناف وما تكشفه القراءة التحليلية للمشهد الثقافي يؤكد أن الخروج من دائر المأزق العربي لا يتطلب القطيعة مع التراث، بل يتطلب تغيير أسلوب التعاطي معه؛ بتحويله من “أحكام وقوالب تقديسية ملزمة” إلى “تجربة تاريخية قابلة للنقد والتحليل”. إن استعادة المستقبل تستوجب تحرير العقل من “الخوف المصنوع”، والانتقال من حراسة المقابر الحضارية إلى شجاعة التجريب وصناعة العصر الخاص بنا.
ومع اتساع الفجوة اليوم بين الجدل الثقافي النخبوي وبين القارئ المعاصر الذي هجر معارك القصيدة يتجلى هذا التراجع؛ حيث غادر القارئ الساحة بهدوء نحو السرد والرواية بحثاً عن نص يلامس تحولاته الواقعية، ليظل السؤال المعرفي والأكثر إلحاحاً قادماً من واقع الأزمة: هل تكمن المأساة في صراع الأشكال الأدبية، أم في العقل الثقافي ذاته حين يعجز عن تجديد خطابه ويترك المسافة تتسع بينه وبين المستقبل؟