عندما يكون الموت رفيقاً

أنا والموت.. لاحميد المرابط
أنا والموت.. لاحميد المرابط

إشكالية الجنس!!!

الكثير من الكتاب تناول الموت كعنصر رئيس في الكتابة، أو محور للعمل الأدبي المقدم، وفي هذا السياق تأتي باكورة الإنتاج السردي، للقاص الشاب احميد المرابط، الذي جعل من الموت رفيقاً لبطل النص، ظل يرافقه ولازال باعتبار الحقيقة التي لا تفارقنا. 

لكن قبل الدخول بعوالم العمل، سأتوقف قليلاً في محاولة لتحديد جنس هذا العمل، فعلى الغلاف الخارجي للكتاب، جاءت جملة (قصة قصيرة)، مما يشي بكون ما يتضمنه الكتاب هو مجموعة من القصص القصيرة، مما يستدعي مباشرة اشتراطات القصة القصيرة، والاستعداد لتفتح ذائقة القراءة على هذا الجنس الإبداعي. لكننا ما إن نتعدى صفحات البداية، وندخل أول عنوان، منتقلين من بعده للعنوان التالي، حتى نكتشف مع المضي أكثر في صفحات الكتاب، إننا أمام نص روائي، أقرب للرواية القصيرة أو النوفيلا.
وفي ظني إن الاستشكال، جاء من اعتماد تقسيم النص إلى عناوين وقفية، جاءت لرصد الأحداث، فكان كل عنوان حدثاً أو التقاطة أو تجسيداً لحالة، فاختار الكاتب أن يسميها قصص، لكن القارئ سيكتشف ارتباط هذه العناوين أو القصص، وارتباط أبطالها وشخوصها، والخط الدرامي الذي يمتد خلال النص، ويجمع الأحداث حوله.

الموت رفيقاً!!!

العمل الذي بيد يدي هو (أنا والموت)* للقاص الشاب احميد المرابط، الذي أصر أنه رواية قصيرة، ولا ينتمي للقصة القصيرة. وتحت هذه الفرضية أبدأ في قراءة النص.

تتناول هذه الرواية، مسألة الانفلات الأمني الذي تعيشه ليبيا، وخاصة الجنوب، الأمر الذي شجع بعض المارقين على امتحان الحرابة، وهو ما حدث مع بطل القصة، الذي وجد نفسه مخطوفاً من أحد هذه الجماعات التي تعتمد السطو والخطف للحصول على المال.

وخلال هذه الفترة التي يكون فيها بطل الرواية صحبة رفاقه تحت سلطة هذه المجموعة الخارجة، يرصد الكاتب ما تعرضت له المجموعة من صنوف العذاب، والتنكيل، إضافة إلى التنقلات، التي يقوم بها أفراد هذه المجموعة، الأمر الذي يجعل الموت قريباً جداً منهم، وخلال فترة الاحتجاز، يرصد الكاتب الكثير من المواقف والأحداث، مسقطاً إياها على الواقع الذي تعيشه ليبيا، وما تمر به من أزمات، كأزمة الوقود، التي كان دافع توفير بعض اللترات خلال السفر من الفقها إلى سبها، السبب لمحاولة اختصار الطريق بعبور الصحراء، ليجدون في انتظارهم مجموعة مارقة، غير ليبية، تمتهن الحرابة، فتنجح في الإيقاع بثلاث سيارات من أصل أربعة، بعد أن نجحت إحداها بالفرار. لتبدأ المعاناة!

أنا والموت!!!

من المفروض، إلى الموت الخيار؟ 

نعم، هذا ما اختار بطلنا، فبعد الهجوم على الخاطفين، في محاولة لفك أسر مجموعة الرفاق، قامت المجموعة المارقة، بتركهم في الصحراء، تخففاً، لتترك هذه المجموعة تهيم في الصحراء، بما تعاني من تعب وإرهاق وعطش، أقعدهم عن الاستمرار، ليقرر بطلنا المواصلة، فهو لا يريد انتظار الموت، بل سيسعى ليلتقيه في الصحراء!! وهذا ما كان!!

بمساعدة قداحة، وبعض الخبرة، وما لوث به البشر الصحراء من قمامة استطاع بطلنا لأن يستمر حياً لأيام حتى العثور عليه، ليجد أن رفاقه هم أيضاً تم إنقاذهم!! ليكتشف إن الموت الذي كان رفيقهم في هذه المحنة، زار أصدقائهم وأقربائهم الذين اشتبكوا مع الخاطفين.

تجربة أولى!!

كونها التجربة الأولى للكاتب الشاب احميد المرابط، هذا يجعلنا نركز أكثر خلال القراءة، وملاحظة كل حركات النص. في المجمل النص يمنح القارئ تجربة مطالعة جيدة، خاصة وإن الكاتب تتبع الكثير من التفاصيل، مانحاً النص درجة عالية من التشويق.
الكاتب أيضا جعل بطل الرواية، هو الراوي الرئيسي، مما جعل النص والأحداث تدور حوله، وما نراه هو ما يراه البطل، وهنا أعود للقول بأن النص أقرب للرواية القصيرة، ولا علاقة له بالقصة. 

تقنية الراوي الرئيسي، واستئثاره بالقص، جعل النص أقرب إلى الحكي، ومباشر، دون العناية بالتصوير الفني، أو الاشتغال السردي، مع المحافظة على نسق القص واللغة، التي حاول الكاتب الاجتهاد فيها انسابت سلسلة واصفة ومباشرة بلا محمولات دلالية.

وأزعم إن الكاتب تحت تأثير هذا الحدث، حادث الاختطاف، حاول توثيق هذه المغامرة، وإثباتها أدبياً، فالنص يوثق للكثير من اللحظات التي عاشتها المجموعة المختطفة، التي يذكرها الكاتب بالاسم، كما يذكر صلات القربى بينها، ويلمح لما تعيشه المنطقة من دخول الخارجين عن القانون واستغلال الوضع الأمني للارتزاق بالسلب والنهب والاختطاف، وهو أيضا من خلال هذا التوثيق يثبت حضور أسماء من قضوا في المواجهة المسلحة التي جرت مع الخاطفين.

ختاماً.. هذا العمل ينبئ عن موهبة جيدة في الكتابة السردية، في انتظار جديدها، وكلنا أمل أن القادم سيكون أفضل.


* احميد المرابط (أنا والموت)، قصة قصيرة، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع، طرابلس، 2020م.

عندما يكون الموت رفيقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.