على هامش الرّاكِبين

عتبة للدخول!

قبل أيام وعبر اتصال هاتفي، سألني الصديق يونس الفنادي، وهو الكاتب والإعلامي، إن طرق سمعي عنوان (الراكبون على أكتاف الموتى)، للراحل الكبير سليمان كشلاف (1947-2001م). حاولت بما أمكنني إجراء عملية بحث في دماغي، فذكرت ما أمكنني من عناوين للراحل، ولم يكن بينها هذا العنوان. وانتهى الاتصال على وعد بالبحث في أرشيفي من الصحف والمجلات التي كتب بها الراحل سليمان كشلاف، خاصة وإن الفنادي قال إنه سبقني في البحث في كتب الراحل عن هذا المقال.

في المحادثة أخبرني الفنادي، إنه سمع بهذا المقال من خالد، ابن الراحل سليمان كشلاف.

بعد هذا الاتصال بيومين، أو ربما يوم، هاتفني الفنادي مرة أخرى، وأخبرني إن المقال نشر بمجلة (لا)، وأملى علي بيانات النشر، فاتجهت من فوري إلى المكتبة، حيث استخرجت أعداد مجلة (لا)، حتى وصلت للعدد المطلوب، فقمت بتصويره، وإرساله للفنادي، ومن بعد قراءة المقال، خاصة وإن الصديق يونس الفنادي، طلب مني قراءته لأنه يريد ان يناقشني فيه.

الدخول!!

قرأت المقال المعنون (الراكبون على أكتاف الموتى)، نشر بالعدد رقم (12)، السنة الأولى، من مجلة لا، والصادر في 1 ديسمبر للعام 1991م، على الصفحتين 60 و61. وهذا المقال لا يختلف عن مقالات الكاتب الراحل سليمان كشلاف، التي يعبر فيها عن رأيه بكل قوة وصراحة، همه الفكرة التي يريد إيصالها، أو الطرح الذي يسعى من خلاله إلى تحريك الساكن، أو مدافعاً عن قضايا إنسانية وفكرية.

من هذا المنطلق، يناقش الراحل كشلاف، مسألة الكتابة حول إبداع الآخرين، فكان أن بدأ بتجربة الكاتب الكبير علي مصطفى المصراتي -رحمه الله-، كمثال للمناقشة من خلال ثلاث كتب صدرت ممهورة باسمه، وهي كما يورد الكاتب في متن مقالته (فما الذي فعله الأديب “علي مصطفى المصراتي”؟ أعاد نشر ديوان “مصطفى بن زكري” ووضع اسمه عليه، كذلك فعل بديوان “أحمد البهلول”، ثم أضاف كلمتي (تحقيق وتقديم). أما ديوان “أحمد الشارف” فقد كتب عليه “دراسة وديوان”).

ثم ينتقل الراكل كشلاف إلى ثلاثة أمثلة أخرى، هي:

(يتكرر الأمر من جديد من الأديب الدكتور “أحمد إبراهيم الفقيه” فيكتب دراسة عن المجموعة القصصية للدكتور “وهبي البوري” وينشر المجموعة القصصية بعنوان (بدايات القصة القصيرة في ليبيا) حاجباً اسم الكاتب الأصلي -بدون أي مبرر من منطق – ليضيفها إلى مجموعة مؤلفاته).

(ويتكرر الموضوع بصيغة أخرى مع الكاتب “حسن علي خشيم” حيث يضع اسمه على كتاب (تقارير بعثة الصليب الألماني في الحرب الليبية الإيطالية) بعد أن يضيف كلمتي “مراجعة وتقديم حسن علي خشيم”.

كيف تمت المراجعة ونحن نعرف أن “حسن علي خشيم” لا يقرأ أو يكتب باللغة الألمانية؟؟)

(وتكر السبحة من جديد، ويصدر كتاب (الليل والسنون الملعونة.. قصائد ومقالات مجهولة) للشاعر “علي الرقيعي”، …، فالكاتب “بشير العتري حنين” الذي جمع النصوص وقدّم لها أصدر الكتاب يحمل اسمه طويلاً عريضاً يتضاءل إلى جانبه الشاعر المبدع “علي الرقيعي” ويتوارى خجلاً، وكأنه ينكر هذا الفعل وهو في قبره.)

الكاتب سليمان كشلاف

قد يتفق البعض، وقد يختلف مع هذا الطرح، ونقصد ما قدمه الراحل الكبير سليمان كشلاف، دون أن يختلف اثنان حول انحيازه للثقافة الليبية، وغيرته عليها وعلى رموزها وأعلامها، خاصة وإنه قدم من خلال مقالته، موضوع الحديث هنا، ما يوضح ويبين فكرته.

كما يمكننا مناقشة بعض مما جاء في هذه المقالة، فعلى سبيل المثال؛ فيما يخص شيخ الشعراء أحمد الشارف (1864-1959م)، لم يرد أن له ديوان مطبوع في حياته، وهو القاضي الذي شغف بالشعر، وربما لهذا السبب لم يهتم كثيرا بجمع نصوص في كتاب، حتى جاء الراحل علي مصطفى المصراتي، من باب التعريف بأعلام ليبيا وأدبها، بجمع أشعار شاعر القطرين؛ أحمد الشارف، في كتاب صدر في طبعته الأولى العام 1963م، مقدما له بدراسة.

أما فيما يخص تحقيق الراحل المصراتي لديوان (أحمد البهلول) المتوفي في؛ 1701م، فهو يدخل في باب التحقيق، كونه بناءً على ما أورده الراحل كشلاف في مقالته، فالمصراتي -رحمه الله-، قام بتحقيق ديوان (البهلول) الذي صدر في أكثر من طبعة، وفي كثر من بلد عربي وغير عربي، وهو ما اشتغل عليه المصراتي محققاً في هذه النسخ، أو ما وصله من طبعات، ليكون كتابه (ديوان أحمد البهلول) جهداً مميزاً في ضبط وتحقيق نصوص البهلول الشعرية.

وعلى هذه يمكن قياس ما قدمه الأستاذ بشير العتري، عندما اهتم بجمع وتوثيق نصوص الشاعر علي الرقيعي (1943-1966م)، والذي توفى عن ديوانين شعريين، تاركاً خلفه مجموعة كبيرة من النصوص المنشورة في الصحف والمجلات، والمخطوطة. دون أن ندخل في طريقة إخراج الغلاف وتحديد حجم بنط كتاب الأسماء.

على هامش الراكبين!!!

أعود للفنادي، وللحديث الذي دار بيني وبينه، حول فكرة المقال، وبعد نشره له (منشور الأستاذ يونس الفنادي: هــــنـــا)، بتوطئة حاول فيها مقاربة الفكرة، واقتراح أن يكون موضوعه مبحثاً لمجموعة من الحوارات والندوات التي تبحث فيما وراء الفكرة، ويقصد؛ المصطلح والتجنيس الثقافي للمنتج الإبداعي.

واسمح لنفسي، بعد هذه الإطالة المتعمدة، أن أقف عند مجموعة من الملاحظات، على هامش مقال (الراكبون على أكتاف الموتى) للكاتب الكبير سليمان كشلاف -رحمه الله-، وما دار بيني وبين الصديق الكاتب يونس الفنادي، وتوطئته لمنشوره حول المقال سابق الذكر:

أولى هذه الملاحظات، هي غياب الأدب الليبي عن المشهد العربي، خاصة الحواضر الثقافية المتعارف عليها، وأقصد مصر وبيروت، فبعد إعلان استقلال ليبيا في ديسمبر 1951م، والبدء في بناء دولة ليبيا الحديثة، كان العمل الثقافي، وللأسف ولازال، خارج دائرة اهتمام الدولة، أو لنقل ليس بالأولوية، وهذا مفهوم لدولة تحاول الوقوف على قدميها بعد رحلة معاناة طويلة استمرت لعقود وعقود من الزمن.

الملاحظة الثانية، إن العمل الثقافي في ليبيا، هو عمل أهلي، سواء في شكل أفراد أو مجموعات، وفي الغالب تكون هذه المجموعات ذات نظام غير مؤسساتي (بالمعنى الحديث). لذا فإن الجهد الأكثر في الأعمال الثقافية، قام بها أفراد، وهو ما نعيشه حتى الآن، إذ لم تنجح أياً من مؤسسات الدولة، أو غيرها من تخفيف العبء عن كواهل هؤلاء الأفراد، في جعل الثقافة من أولوياتها، أو هدفاً استراتيجياً.

وهنا محط الملاحظة الثالثة؛ هو رغبة هؤلاء الأفراد في التعريف بالأدب والثقافة الليبية، بالبحث في التاريخ الليبي، وما كتب عن ليبيا والليبيين، وهو ما سعى إليه الراحل الكبير علي مصطفى المصراتي، والذي أنفق الكثير من وقته وجهده وماله على التعريف بأعلام ليبيا وأدبائها، وثقافتها بالتجميع والتحقيق، والتقديم والدراسة. ولا زال هذا الجهد مستمراً في غيره من المجتهدين المؤسساتيين من أمثال: عمار جحيدر، وعبدالله مليطان.

وهذا ما يقودنا للملاحظة الرابعة، أن تجربتنا الثقافية في ليبيا خلت من عنصرين مهمين، وهما انقطاع التجربة، وغياب النقد. وهما عاملان قويان وفاعلان، كونهما يجعلان من التجربة الثقافية الليبية سلسلة متصلة الحلقات، قوية وثابتة، وقادرة على الاستمرار وإثبات حضورها بقوة.

ختاماً، أنا دائما ما أفترض حسن النية في كل عمل، وانحاز بشكل مباشر ومبالغ فيه -أحياناً- لكل ما هو ثقافي، بالتالي فلا أعتقد إن ثمة سوء نية فيما قام به الكاتب والباحث والمناضل علي مصطفى المصراتي -رحمه الله-، على سبيل المثال، كان همه أن يكون اسمه موجودا على أكثر عدد من الكتب، وإلا فإن الكثيرين سيجدون أنفسهم في القفص، والتهمة (الراكبون على أكتاف الموتى)، وكما قال الفنادي في توطئته: (ولكن في كل الأحوال يظل مقاله ليس بالنص الإلهي المقدس، الذي لا يقبل النقاش والتصدي له، والحوار حوله).

على هامش الرّاكِبين

تعليق واحد على “على هامش الرّاكِبين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.