القراءة في الزمن الرقمي

الكتاب الإلكتروني (الصورة: عن الشبكة)

بدايـات!!!

تعلقت بالكتاب مبكراً من خلال الصحف والمجلات التي كان يحضرها والدي معه، لأجد فرصتي للقراءة مبكراً بمكتبة مدرسة (الفيحاء) الابتدائية، حيث كانت ثم حصة للمكتبة أسبوعياً، وكراسة مكتبة أيضاً، نقوم بتلخيص ما نقرأه فيها، وتسلم قبل مغادرتنا المكتبة للأستاذ “محمد المحروق” -أو هذا ما أسفتني به الذاكر-.

وفي مدرسة (احمد رفيق المهدوي) الإعدادية، كنت موفقاً بأن يكون بالمدرسة مكتبة، وإن كانت صغيرة، حيث كنا نطالع فيها بعض الكتب والقصص وكتب المعارف العامة، وكان الأستاذ المشرف على المكتبة، أستاذ طيب وبشوش، وللأسف لا يحضرني اسمه، وخلال هذه الفترة نمت قراءاتي، ومن أهمها الروايات البوليسية؛ بداية من المغامرون الخمسة وصولا إلى أجاثا كريستي.

في ثكنة (أسد الثغور الثانوية)، كانت قراءاتي قد توسعت، وكنت أجد في مكتبة المدرسة غايتي، حيث ضمت مكتبة الثكنة العديد من أمهات الكتب والمراجع الكبرى، فكانت هذه الفترة غنية جداً، حيث قرأت في مكتبة المدرسة؛ نهج البلاغة، الأغاني، قصة الحضارة، تفسير ابن كثير، مجموعة من دواوين الشعر العربي، وغيرها، إضافة إلى بعض الكتب التاريخية والعلمية. وقد احترفت في هذه الفترة ولفترة بعدها تصميم وتنفيذ الصحف الحائطية.

عند وصولي الجامعة اختلفت الأمور!! حيث مكتبة كلية الهندسة، مكتبة تخصصية لا مكان فيها للأدب، لذا بدأت رحلة اقتنائي للكتب، وإن كانت بدأت منذ نهاية دراستي للإعدادية، مع المجلدات والقصص، حيث كانت ثمة مكتبة لبيع الكتب في بداية الجامعة، تتبع الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، وأذكر إن أول كتاب اقتنيته كان مذكرات الشاعر العراقي الكبير “محمد مهدي الجواهري” رحمه الله، ومن الكتب التي اشتريتها من هذه المكتبة؛ الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر “علي الفزاني” رحمه الله.

يقال: خير جليس في الزمان كتاب!!

وهذه غاية لا يدركها إلا عاشق للكتاب، وليس مجرد القارئ، وبينهما فرق لسنا في مقام شرحه، كنت أبحث عن الكتب، وأداوم على شرائها، وأذكر أنا كمجموعة شباب أنشأنا نادي للمراسلة تحت اسم (نادي اليمامة)، وكان مركزه غير الرسمي كلية الاقتصاد التي كانت في مدخل الجامعة، ولحبنا للكتاب والقراءة؛ كان أول أن أنشطتنا بعد الإعلان عن النادي هو معرض للكتاب.

موقف أول!!!

الكثير من الأنشطة التي كان للكتاب فيها حضور قوي في حياتي، إلا أن الكتاب في هذا العصر تغير، وتبدل، قبل أيام كنت ماراً بـ(مكتبة المعارف) مكتبة “عمي رجب الوحيشي”، حيث تكون من الوجهات الواجب التوقف عندها عند وجودي بمركز المدينة، وبالمناسبة؛ علاقتي بهذه المكتبة تعود للعام 1985م، حيث كنت اشتري منها (مجلة ماجد)، ومنها اشتريت كتاب (قضايا الشعر المعاصر) للشاعرة الكبيرة “نازك الملائكة”.

في هذه الزيارة دار حديث عن الكتاب، واقتناء الكتب، والقراءة، وكيف تراجع مستوى القراءة عما كان من سنوات خلت، مشيرا إلى أن أكثر من يرتاد المكتبة للشراء هم من الفتيات.

ومما قلته أن القراءة الآن تختلف عن السابق، فالمعادلة تغيرت، حيث مع جعلت ثوة الاتصالات الإنسان كائن كسول، بالتالي هو لم يعد يسعى للكتاب، فالكتاب هو من صار يسعى إليه، ليصله وهو في مكانه. وهنا أكد “عمي رجب” كلامي، من خلال تجربة ابنه “أحمد” الذي يقدم خدمة توصيل الكتب بالطلب، داخل طرابلس وخارجها.

موقف ثان!!!

في صيف العام 2019م جمعني نشاط بمجموعة من إعلامي السوشيال ميديا في تونس، استضاف السيد “طارق عطية”؛ المؤسس والمدير التنفيذي للبرنامج المصري لتطوير الإعلام، تطرق الحديث في أحد الجلسات حول القراءة، ودار نقاش بين الحضور، ثم انتهى بحوار ثنائي بيني وبين السيد “طارق”، الذي كان يدافع عن فكرة إن القراءة الآن، تتوفر من خلال المنصات ونتائج البحث، وغيرها من وسائل تقديم المعلومات، بينما كنت متطرفاً في الدفاع عن فكرتي في أن القراءة لا تكون إلا من خلال الكتب.

القراءة والعصر الرقمي

بالرجوع للموقفين المذكورين سابقاً، ربما لم تكن الفكرة في رأسي متبلورة كما هي الآن، بالرغم من انحيازي لمسألة ربط القراءة بالكتاب الورقي أو الكتاب بشكل عام، لكن في عصر هيمنة الرقم ووصول الشبكة المعلوماتية إلى أماكن بعيدة، وتزايد انتشارها في كل يوم، سيكون من الصعب استمرار هذه الفرضية، التي لا تتفق مع واقع شرائك لكتاب الكتروني من أمازون على سبيل المثال وقراءته، وأنت في الحقيقة لا تسمكه بقدر ما تكون العلاقة من خلال وسيط، بينما الكتاب حزمة رقمية في شكل ملف.

ببعض المراجعة، وعلاقة تعود بالنت إلى بدايات العام 1999م، وعلاقتي الخاصة التي بدأت بالكتاب الإلكتروني في 2007م وربما قبل، أستطيع القول إن شكل القراءة قد تغير بشكل كامل، وأنه لم يعد من الضروري ربط القراءة بالكتاب الورقي أو الكتاب بشكل عام، لماذا؟؛ لأن شبكة الإنترنت قد أوجدت الكثير من البدائل التي تمكنك من الوصول للمعرفة والمعلومة، سواء كانت في كتاب أو غيره.

فالمعلومات الآن متاحة بشكل كبير من خلال شبكة الإنترنت، فعلي سبيل المثال مراجعة لبعض المواقع كـموقع ويكيبيديا، تقدم للمتصفح العادي والمتخصص قدرا كبيرا من المعلومات، وهي بالتالي حصيلة معرفية قد يحتاج الباحث للبحث عنها في أكثر من كتاب أو مرجع! وبالمثل الموسوعات الإلكترونية، الموجودة على الشبكة أو المتاحة من خلال وسائط إلكترونية أخرى. وهي إضافة للمعلومة تتيح مجموعة من الروابط تمثل مصادر ومراجع للاستفادة المباشرة، دون البحث عنها أو تتبعها في المكتبات. بالتالي فإن الفائدة من القراءة متحققة وموجودة، من خلال التصفح. فالهدف هو اكتساب المعلومة والمعرفة، وليس الكتاب في حد ذاته!

الكتاب الإلكتروني

الكتاب الإلكتروني هو النسخة المطورة للكتاب الورقي الذي ظللنا نجلس إليه لسنوات طويلة باعتباره مصدر المعرفة والمتعة.

الكتاب الإلكتروني والذي استفاد من الثورة المعلوماتية تخلى عن شكله القديم، المادي، ليكون معنويا في شكل حزمة رقيمة، وجودها مرهون بالوسيط الذي يحتويها للعرض، كأن تستعرض كتاباً الكترونيا من خلال الكمبيوتر، أو الكمبيوتر اللوحي، أو الهاتف؛ الكتاب ذاته لكن الوسائط مختلفة، ولأنه حزمة أو ملف رقمي فإن الوسائط الرقمية تتعامل معه بسهولة، فيمكنك إرساله واستقباله ومشاركته والاقتباس من مكانك، ودون الحاجة لبذل جهد بدني.

صيغة الـ(PDF)، هي أحد صيغ الكتاب الإلكتروني المبكرة، والتي مكنت الكثير من تبادل الكتب والأبحاث وبشكل عام المستندات والحفاظ على شكلها أو هيئتها العامة دون الإخلال بها، ومع ما توفره هذه الصيغة من ميزات، تعتمد على نوع البرنامج التي يقوم على تشغيلها، وانتشارها الكبير على الشبكة، إلا إنها صيغة مقيدة وجامدة إلى حد كبير، ويصنف الكتاب على أساسها ككتاب غير تفاعلي.

في المقابل توجد صورة تفاعلية للكتاب الإلكتروني، وهي موجودة في أكثر من صيغة سواء على الشبكة أو من خلال التطبيقات، أو من خلال أجهزة القراءة كـ(كيندل)، حيث توفر للقارئ ميزة التفاعل مع الكتاب بحيث يمكنك تدوين ملاحظات، واختيار الاقتباسات وإظهارها، كما إن الكتاب يقدم شروحات للمصطلحات والمعالم والأسماء، بالتالي فإن الكتاب يتفاعل معك ويقدم لك مجموعة من المعلومات والمعارف الحافة بالكتاب، بل ويمكنك مشاركة هذه المعارف مع آخرين. المسألة التي تجعل من هذا الشكل التفاعلي قاصر في الانتشار هو كلفته والوقت الذي يتطلبه لإعداد كتاب بهذا الشكل التفاعلي والحي.

ماذا لو كنت لا تملك الوقت للقراءة؟ لكنك تحب أن تأخذ المعلومة من كتاب، أو أن تستأنس بقراءة كتاب وأنت تمارس أحد نشاطاتك اليومية، هنا سيكون الكتاب الصوتي هو الخيار الصائب.

الكتاب الصوتي صورة أخرى صارت متوفرة وبشكل كبير على الشبكة، من خلال تسجيل الصوتي، وفي العادة للكتب ذات الحضور والتي تتصدر قوائم القراءة. وعلى الهامش؛ توجد الآن أكثر من منصة بودكاست التي توفر هذه الكتب، وأيضا بعض المواقع المتخصصة، وحتى يكون هذا الكتاب أكثر قربا؛ ثمة الكثير من تطبيقات الهاتف الجوال التي تقدم هذه الكتب الصوتية.

أيضا اليوتيوب توجد به بعض الكتب المنشورة كفيديو، لكني لم أنسجم معها، بالرغم من أنه يمكن تشغيلها كخلفية أثناء القيام ببعض الأنشطة أو الجلوس والاستماع إليها وتدوين الملاحظات.

قد لا تكون راغبا بالاستماع لكتاب لمدة ساعتين، أو أكثر وعلى أكثر من حلقة، فما الحل؟

الحل أيضا متوفر سواء على اليوتيوب أو البودكاست، من خلال المراجعات والملخصات، فالكثير من محبي الكتب والقراءة، يقومون بتسجيل مراجعاتهم للكتب التي قاموا بقراءتها، وبثها. وعن تجربة؛ قد تغنيك هذه المراجعات عن قراءة الكتاب، فهي في العادة تجيب عن كل ما يدور في رأسك من أسئلة حول الكتاب. هذه المراجعات في العادة قصيرة ومركزة.

وبخصوص مراجعات الكتب؛ هناك على منصات التواصل ومنصات التدوين (المدونات) تتوفر مراجعات في شكل نصوص، يمكن الاطلاع عليها وقراءتها.

لم ينتهي الأمر بعد!!!

نعم الأمر لم ينتهي هنا!!! بل ربما بدأ بشكل آخر!!

ففي العصر الرقمي، قامت مجموعة من الخدمات على هامش هذه الهواية، فمن المراجعات إلى مجتمعات القراءة، التي تتداول الكتب فيما بينها، عن طريق عرض الكتب وترشيحها، وكذلك التعليق عليها ومراجعتها، واقتراحها للمناقشة. هذه المجتمعات في أغلبها تملك تطبيقات لتكون أقرب للراغبين في القراءة.

هناك أيضا التطبيقات الخاصة بالدوين، والتي تقدم خدمة تدوين الملاحظات، وتضمين مرجع كل اقتباس أو ملاحظة، سواء كانت الملاحظة مكتوبة، أي كنص، أو صورة ملتقطة عن كتاب ورقي أو كتابة الكتروني.

هناك أيضا منصات بيع وشراك الكتب، والتي توفر خدمة توصيل الكتاب حتى باب البيت، والتي انتشرت في مجتمعنا بشكل كبير عن طريق منصات التواصل الاجتماعي.

أما إن كنت كاتباً فهذه الشبكة العنكبوتية توفر لك خدمة الطباعة عن بعد، والطباعة بالطلب والنشر الإلكتروني والربح من مكتبك. وهذا شأن آخر ربما نفرد له مقالاً خاصا به.

في الختام، في عصر الهيمنة الرقمية، لم يعد من حاجة للسعي وراء الكتاب، فمن كرسيك، يمكن استعراض الكتب المتصدرة لقوائم القراءة، معرفة المعلومات الخاصة بها، وعن كتابها، الحصول على ملخصات وأجزاء من الكتاب متاحة للقراءة، إضافة إلى ما يتم نشره من مراجعات حولها، وعندما تستقر النية، بضغطة زر، وبعض البيانات، سيصلك الكتاب، ولك أن تختار بين الورقي أو الإلكتروني.

القراءة في الزمن الرقمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.