وما أدراك ما الصفوة

الجهة الخارجية من مقهى الصفوة

لم تكن الصفوة مجرد مقهىً يتبع فندق الصفوة، بمنطقة الظهرة بوسط مدينة طرابلس، والذي جاءت الأوامر بتغييره إلى الصفاء، لأن الشعب الليبي سواسية كأسنان المشط، لا صفوة فيه. لكنا بقينا أوفياء لاسم الصفوة. ربما غروراً، بقدر ما كان مدرسةً تمازجت فيها القراءات، والتجارب، وتلاقحت الأفكار فيها والرؤى، عايشت أحلاماً، جزء منها حقيقة الآن، والكثير منها مازال هناك بجوار النجوم المنيرات في السماء.

لا أذكر تحديداً (تاريخياَ)، متى بدأت جلساتنا بهذا المقهى، مقهى الصفوة (أو الصفاء)، ولا كيف بدأت القصة، خاصة أني لم أتعود (ومازلت) الجلوس إلى المقاهي. لكن الثابت إن الشاعر الراحل “لطفي عبداللطيف” كان يتخذ من هذا المقهى مكاناً لقضاء بعض الوقت، خاصة وإنه قريب من مكان عمله، بـ(طريق السكة)، حيث يأتي بعد صلاة العصر للجلوس إلى طاولة بذلك المقهى.

أما ما أذكره بشكل واضح؛ إن بدايتي كانت صحبة الصديق القاص “إبراهيم الككلي”، في العام 1998، والذي كنت وإياه نقضي الكثير من الوقت سوية في شوارع طرابلس، نتحدث في كل شيء، وقد نمر في طريقنا على الصديق القاص “خالد شلابي” -رحمه الله-، بمقر عمله، بمكتب بريد (جامع بورقيبة)، وقد ننطلق ثلاثتنا في رحلة تنتهي عادة عند (الغزالة).

هنا أجد من الضروري أن أعود للخلف بضع خطوات (سنوات)، كتمهيد لما سيأتي من أحداث.

كمجموعة بدأت علاقتنا (أغلبنا باستثناء بعض الأصدقاء) عن طريق برنامج ما (يكتبه المستمعون)، والذي كان يُبث عبر راديو الجماهيرية، وهو من إعداد الكاتب والقاص “سالم العبار”، وقدمه مجموعة من المذيعين؛ بداية مع الإذاعي والشاعر “عبدالله عبدالمحسن”، والذي سجلت المقدمة بصوته، وانتهت مع “سالم الفيتوري”.

كان هذا البرنامج يهتم بالكتابات الشابة، ولمعت فيه مجموعة من الأسماء الشابة، التي تعرفت إلى بعضها في (مهرجان النهر الصناعي العظيم) في العام 1994، تقريباً، وللأسف لم أكن من ضمن الحضور، بسبب دراستي بكلية الهندسة، لكني تواصلت مع أغلب الكتاب الشباب وقتها، عن طريق الرسائل البريدية، ليتحول هذا التواصل البريدي إلى تواصل إنساني من خلال الزيارات واللقاءات في أكثر من مدينة ليبية.

وكان للشاعرة “أم الخير الباروني” الفضل الكبير في اجتماعنا في أكثر من لقاء، من خلال اللقاءات الشعرية، الصباحية والمسائية بكلية الصيدلة بجامعة الفاتح (طرابلس الآن)، واجتماع الأصدقاء من؛ غريان، الزاوية، صرمان، زلطن، جنزور، وغيرها من المناطق القريبة من طرابلس.

بالتالي كانت هذه المجموعة تحمل الكثير من المشتركات، غير الزمن والمناخ، إنما الرؤية ومفردات الكتابة والقراءة التي تشكلت بطريقة غير مباشرة عبر البرنامج المسموع (ما يكتبه المستمعون)، الذي لا يمكنني أن
أنكر دوره الكبير في التكوين الأدبي لجيلنا؛ مع إدراكي لتحفظ الكثير حول مصطلح الجيل والمجايلة في تجربة الأدب الليبي.

وهذا ما كان!

مقهى الصفوة (أو الصفاء كما أُريد له)*، تحول إلى ملتقى أدبي، يمكن الاختلاف إليه، في فترة ما بعد العصر، العشية، ليكون الإثنين من كل أسبوع، هو اللقاء الأسبوعي الذي يتحول فيه المقهى إلى ما يشبه سوق عكاظ، أو دار الندوة.

أما لماذا هذا المقهى دون غيره؟ فلم أفكر في ذلك يوماً، لكني أقول ربما بسبب مكانه الذي يتوسط وسط العاصمة، ويفتح على أكثر من طريق، إضافة طبيعة المكان الهادئة؛ في ذلك الوقت.

كان عمدة هذا اللقاء، الشاعر الكبير “لطفي عبداللطيف”، ويمكننا باطمئنان تسميته (عرَّاب اللقاء)، فكان وجوده ضرورياً ولا أذكر أنه غاب عن هذا اللقاء إلا لطارئ أو سفر. إضافة إلى القاص “يوسف بالريش” أحد أركان هذا اللقاء، والشاعر “عبدالرزاق الماعزي”، ورجل الخارجية والموسيقى “مفتاح سويسي”، وبحضور مميز للقاص “مفتاح قناو”.

وهنا سأسرد ما استطاعت الذاكرة أن تستحضره من أسماء اختلفت إلى هذا المقهى، وكانت تجلس إليه، ورفقة مجموعة منفصلة أو تنضم إلى جلستنا: كامل المقهور، محمد المغبوب، أحمد الشريف، عبدالرزاق العاقل، حسين المزداوي، عبدالحكيم كشاد، محمد الدنقلي، الصيد الرقيعي، سالم العالم، خالد شلابي، إبراهيم الككلي، غازي القبلاوي، عبدالدايم اكواص، أم الخير الباروني، حنان محفوظ، محمد القدافي مسعود، محمد السائح، خالد درويش، ربيع شرير، عمر عبود، صلاح عجينة، صابر الفيتوري، حليمة العائب، مراد الجليدي، سعد الغاتي، يوسف إبراهيم، عبدالحفيظ العابد، محمد الربيعي.

من أهل الفن التشكيلي: علي العباني، القدافي الفاخري، نافع الخطيب-العراق.

الشاعر لطفي عبداللطيف بفندق الصفوة

من أهل الفن: كاظم نديم، شوقي غريب.

مثقفون: الدكتور “مفتاح الميسوري”- مترجم القذافي، أحمد الناجح، فوزية الباروني.

من الأدباء والكتاب العرب، ممن أقاموا وعاشوا في ليبيا: جميل حمادة-فلسطين، مفيد البلداوي-العراق، فايز نعمة-العراق، زيد الشهيد-العراق.

وهذا لا يعني أن كل هذه الأسماء تلتقي مرة واحدة، إنما كل لقاء وظروفه، تارة نتوزع على طاولة واحدة، وحتى أربع طاولات.

كان مجلسنا في العادة في الوسط من الجهة الخارجية للمقهى، وفي حال كان الطقس باردا أو ممطرا، كنا نجلس داخل المقهى، وأكاد أجزم، أن الشعر كان له نصيب الأسد في هذه اللقاءات، حيث كانت جلساتنا كثيرا ما تتحول إلى أمسيات شعرية، نتبادل فيها الإلقاء والقراءة، ونتناول كل نص بالتعليق والنقد، وكان الشاعران “لطفي عبداللطيف” و”عبدالرزاق الماعزي” يعلقان ويقدمان الملاحظات الفنية، وما قد يحتاجه النص من تصويبات، وكان الشاعر “لطفي عبد اللطيف” عندما يستمتع بأحد النصوص قد يطلب إعادته، أو أنه يغمض عينيه استمتاعا.

أذكر أنه في مرة كنت ألقي أحد نصوصي، فوجدته أغمض عينيه، فارتقيت بالأداء حتى وجدته يصيح في ناظرا إلي: لا. للأسف لحنت، وكان رحمه الله يحرص أن تكون القراءة سليمة، كونه يرى أن اللغة أحد الأدوات المهمة للمبدع، والشاعر بشكل خاص.

كانت الملفات الثقافية بالصحف الليبية يتم تناولها في هذه اللقاءات، إضافة إلى القصة القصيرة والرواية، وقد يأخذنا الحديث عن الفنون والموسيقى، وما أدراك ما الموسيقى خاصة عندما يتحدث الشاعر “لطفي عبد اللطيف” ويبدأ بالترنم بأحد الأغاني.

ومما يحضر في ذاكرتي الآن؛ صوته وهو يغني (ليه يا بنفسجي بتبهج)، أما أجمل الأغاني التي يحب تردديها، وهو من اعترف لي بذلك فهي أغنية (تحت اليسمينة في الليل).

يقفز إلى سطح ذاكرتي اللحظة، أن بداية علاقتي مع الرائع “لطفي عبداللطيف” كانت عبر إذاعة طرابلس، صوت النهر والبحر، عبر برنامج كان يعده ويقدمه مساء، فكنت كثيرا ما أشارك عبر الهاتف، لذا كنت سعيدا في أول لقاء به.

شهد هذا اللقاء الثقافي عديد المساجلات والنقاشات الأدبية والثقافية، كما شهد ميلاد عديد القصائد والنصوص، إذ يكون هذا المناسبة لعرض جديد كل منا، فقد شهد هذا اللقاء ميلاد ومباركة العديد من نصوصنا، ولازلت أذكر كيف قرأ علينا الراحل “لطفي عبد اللطيف” نصه (كف السندبادة)، وكيف طلبت منه أكثر من مرة إعادة نصه (حدث الحزن قال)، وكيف جمعني وإياه حديث عن الخلفية المسرحية التي ينشط عليها نصه، ولماذا مسحة الحزن الطاغية في نصه؟، فأجابني: نحن الذين عشنا في المهجر، كان الحزن والشوق خبزنا اليومي. كما عرف هذا اللقاء أيضا نصوص “محمد المغبوب” المثيرة للجدل وخاصة نصه (زوجة الوزير)، وتجربة القاص الراحل “يوسف بالريش” في حوسبة القصة القصيرة، واحتفالنا بصدور أولى ألغازه البوليسية الموجهة للفتيان، وحكاية القاص “مفتاح قناو” وطائر (الباتروس).

في ظني إن هذا الفضاء الثقافي، مقهى الصفوة، هو الذي صاغ وصهر تجربتنا، فقد قدم لنا مناخا خصبا لنمو تجاربنا الإبداعية، وشكل نصوصنا، وشحننا بالكثير من الطاقة، لنخرج من دائرة الممارسة إلى فضاء الاشتغال والتجريب، وهو ما شجعني على الاعتقاد بأنا كمجموعة أدبية شابة؛ فينا الشاعر والقاص والكاتب، إنّا قد نكون المجموعة الأدبية الليبية الأولى، التي تشكلت في ذات الظروف والخلفية الثقافية، لتكون جيلا بامتياز، فكان أن أطلقت نظرية أو طرح (التسعينيون).

وبالرغم من معارضة الكثير وتعليق الأكثر عن هذا الطرح، إلا أني تأكدت أنا كليبيين لا نستطيع العمل ضمن مجموعة، وأن (أخطى رأسي وقص)، و(نص دبارة العربي ليه)، وغيرها، هي ثقافة راسخة حتى في ذات المثقف الليبي، لذا لم ينجح طرح (التسعينيون) بالرغم مما حشدت له اطلاعا وتنظيراً وكتابة، والسبب أن مكوناته ذاتها، وهم المجموعة، اعترضت عليه ورفضته!، فالكاتب أو الأديب الليبي يعشق الفردانية!!

دعونا من هذا، ولنعد لمقهى الصفوة!!!

يمكنني الزعم بأن أميز التجارب التي عاشها هذا الملتقى هي تجربة (شعر المحكية)، مع الشعراء؛ سالم العالم، والصيد الرقيعي، ومحمد الدنقلي. كنا نعايش هذه التجربة بشكل يومي، خاصة تجربة “العالم” وهو يخرج عن عباءة الشعر الشعبي. وتحليق “الرقيعي” بجناحين قويين، مبتدأهما إيقاع الفراهيدي وخبرهما مخيلة خصبة. أما “الدنقلي” فكان يعرف كيف يدغدغ القلب قبل الأذن، وكيف يبتسم.

ومن الإنجازات الثقافية لمقهى الصفوة، أنه المكان الذي شهد ولادة أكثر من مهرجان ثقافي، كمهرجاني زلطن للشعر والقصة، ومهرجان زلة، وأيضا إقامة العديد من الأمسيات الأدبية في؛ طرابلس، الزاوية، غريان.

الكثير من الذكريات التي مازالت بين الفينة والأخرى، تبرق في ذاكرتي، ومن هذه الذكريات المميزة والتي أعتز بها، هي لقائي بالشاعر “لطفي عبداللطيف” عقب عودته من مشاركة أدبية في دولة البحرين، لأجده بعد السلام يشكرني، وعند استفهامي، رد علي -رحمه الله-:

– عندما وصلت البحرين وجدت أن لجنة المهرجان لديها سيرة ذاتية لي، وبعض النصوص، وعند سؤالي لهم عن كيفية حصولهم على هذه المعلومات، أجابني أحدهم: عن طريق موقع (بلد الطيوب).

وهنا للأمانة أقول؛ إن الشاعر الراحل “لطفي عبداللطيف” كان يزودني بنصوصه الشعرية لنشرها عبر موقع (بلد الطيوب)، وهو من أدباء وكتاب ليبيا القلائل الذين استجابوا لدعوة الموقع وتفاعلوا معها بكل إيجابية.

ومن الذكريات الجميلة أيضاً، حديث الموسيقار “كاظم نديم” -رحمه الله- في إحدى الليالي، وخروج الحديث من الموسيقى إلى التاريخ، وتاريخ استقلال ليبيا بشكل خاص، حيث سرد على مسامعنا الكثير من المحطات والمعلومات المهمة، ليختم الجلسة باستذكاره لجزء من خطاب الاستقلال الذي ألقاه الملك إدريس السنوسي -رحمه الله-.

ماذا بعد؟

سأتوقف هنا!! ليس لأن الذاكرة لم تعد تسعفني، إنما لأني أريد أن استمتع بتلك اللحظات في داخلي، واستمتع بإغماضه العينين وتلك الرعشة تسري في جسدي.

مازال هناك الكثير!! لكني سأتوقف هنا.

وهنا؛ أتقدم بالشكر للصديق الكاتب والإعلامي “يونس الفنادي” الذي ألح علي لكتابة هذه الذكريات لما لها من أهمية لتأريخ للحياة الثقافية في ليبيا.

___________________________

* بتوجيه تم تغيير اسم الفندق وبالتالي المقهى من (فندق الصفوة)، إلى (فندق الصفاء)، فالمجتمع الليبي الحر السعيد كل سواسية ولا وجوود للصفوة فيه.

وما أدراك ما الصفوة

تعليق واحد على “وما أدراك ما الصفوة

اترك رداً على يونس شعبان الفنادي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.