قصيدة النثر في ليبيا

نشر بصحيفة برنيق، العدد 471، الثلاثاء 14 أبريل 2020م

مراجعة في كتاب قصيدة النثر في ليبيا (بداياتها وبنياتها)
للدكتور “سليمان حسن زيدان” أستاذ الأدب والنقد في جامعة طبرق.

كتاب قصيدة النثر في ليبيا

لن أكون مزايداً إذا قلت إن هذا الكتاب هو الأول من نوعه في الدراسات النقدية في ليبيا، كونه يهتم بتجربة قصيدة النثر في ليبيا، عنوان الكتاب هو (قصيدة النثر في ليبيا – بداياتها وبنياتها)1 لأستاذ الأدب والنقد بجامعة طبرق، الدكتور “سليمان زيدان“، والذي قدم للمكتبة الليبية في مجال النقد، أكثر من إصدار تناول فيها الشعر الليبي بشكل خاص.

وعن طريق الكاتب علمت إن هذا الكتاب قدم للمشر عن طريق وزارة الثقافة في العام 2012م، ولم يتم نشره ضمن مجموعة الكتب التي صدرت عن الوزارة، ليقوم الدكتور “سليمان زيدان” بطباعته على حسابه الخاص، لدى دار آفاتار للطباعة والنشر، القاهرة، العام 2020م، ويكون ضمن منشوراتها بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ51، التي انتهت فبراير الماضي.

الكتاب من القطع المتوسط، في 21 صفحة، مقسم إلى خمس فصول، لكل فصل مدخل، في 10 مباحث، إضافة إلى المقدمة، والخلاصة والخاتمة. يفتتح الدكتور “زيدان” كتابه بإهداء رقيق يخص به والدته، وروح أبيه، ثم زوجته شريكة الجد والاجتهاد، ويختم بأبنائه.

في مقدمة الكتاب، يركز الكاتب على مجموعة من النقاط الأساسية؛ أولها العلاقة بين (المُرسل) وهو المبدع، و(المُرسَل إليه) وهو المتلقي، والعلاقة الأزلية التي تربطهما، كمحفز للعملية الإبداعية، ثم يأتي لثاني النقاط، وهي قصيدة النثر كنوع أدبي حديث، يدخل ضمن اهتمامات الكاتب، وهو الذي درس من خلال البحث، التجريب في الشعر الليبي المعاصر خلال الفترة من 1967 إلى 2007م، متخذا من قصيدة النثر نموذجاً، لتشده هذه القصيدة إليها بقوة، بسبب شح الدراسات حول التجديد في الشعر الليبي وقصيدة النثر بشكل خاص.

ثالث النقاط؛ وضح فيها الكاتب المنهج الذي اتبعه في دراسته البحثية، وهو الاستقصاء والتحليل، من خلال وقوفه على مجموعة كبيرة من القصائد الشعرية، في قصيدة النثر لعدد من الشعراء متنوعي الأفكار والأساليب وطرائق التجريب وأنماطه. ثم يوضح الكاتب الجهد المبذول في غياب الكتابات النقدية، وتوزع الشعراء على رقعة جغرافية كبيرة، ووجد حركة نشر ضعيفة.

في النقطة الرابعة؛ يبين الكاتب أنه لتسهيل عملية البحث والدراسة، فإنه عمد إلى تقسيم البحث إلى 5 فصول لتلبية حاجة الخطة التي وضعها والتركيز أكثر. ويؤكد الكاتب أنه اعتمد بشكل مباشر على الإنتاج الشعري المنشور للشعراء، أما الدراسات فهي في مستويين مستوى أول يختص بقصيدة النثر في ليبيا، وهي: كتاب (قراءات في النص الليبي) لرامز النويصري، وكتاب (في الأدب الليبي الحديث) لأحمد عطية، وكتاب (قصائد وتجارب للشعراء الليبيين الشباب) للطاهر بن عريفة، (المشهد الشعري في ليبيا) دراسة لحسين المزداوي، و(الحركة الشعرية الحديثة في ليبيا) بحث دكتوراه لإبراهيم مفتاح علي أبوتبر. المستوى الثاني فيخص مجموعة من المصادر والمراجع التي تناولت قصيدة النثر بشكل عام.

الفصل الأول، جاء بعنوان (التجريب في الشعر المعاصر)؛ هذا الفصل بمثابة عتبة الدخول لموضوع الدراسة، بحيث يعول فسه الكاتب على بناء أرضية تحدد عليها المعالم الأساسية والظروف المحيطة بقصيدة النثر، محاولا تتبع فيها جذورها محلياً وإقليميا وعالمياً. لذا فإن المبحث الأول؛ يهتم بموضوعين أساسيين هما: نشأة قصيدة النثر، وتشكل قصيدة النثر العربية. ففي المرحلة الأولى يذهب الباحث إلى إرهاصات ما قبل طرح “سوزان برنار”، وما بعدها، للوقوف على معالم هذا النوع الأدبي الحديث، وتحديد تعريف له، وأيضاً وضع شروط فنية لهذا الشكل التعبيري الجديد، الذي اختلف في تسميته. ثم تتبع الكاتب مسيرة قصيدة النثر وتقلباتها فيما يخص التطور والرؤية حتى وصولها إلى الأدب العربي، وهو المرتكز الثاني الذي يقوم عليه المبحث الأول؛ بحيث يرصد الكاتب لحظات دخولها -أي قصيدة النثر- إلى الشعر العربي، على مستوى التأريخ والوعي بالتجربة الجديدة. وهو يتفق مع الرأي بأن النشأة الحقيقية لقصيدة النثر ترتبط بتجربة الشاعر “محمد الماغوط”، ومن بعد تبني (مجلة شعر) اللبنانية لهذا اللون الجديد، ودور كل من “يوسف الخال” و”أدونيس” في ذلك.

في المبحث الثاني المعنون (قصيدة النثر في ليبيا)، يحاول الكاتب القبض على الإرهاصات الأولى لتجربة قصيدة النثر في ليبيا، والتي كانت بتأثير مباشر من التجربة العربية، وهو يلمح إلى أن قصيدة النثر دخلت ليبيا بهدوء، على العكس من الضجة التي رافقتها في أكثر من دولة عربية، وهو يرى إن هذا الاستقبال الهادئ أفقد (الشعراء عاملاً مهماً كان سينعكس على الإبداع ويثريه، وهو الضغط الذي يولد الحوافز الشعورية، بإمكانها إذا ما التقت بالإصرار على المبدأ للذود عن الفكرة أن تفرز إبداعا مميزاً)2، ويضيف (وهذا يعكس ضعف الحركة النقدية في ليبيا التي اقتصرت في أغلب الأحيان على مقالات في الصحف والمجلات، وبعض الرسائل الأكاديمية)3. بالتالي سيكون من الصعب الوقوف على تاريخ محدد لدخول هذا الشكل الجديد، وأيضا ملامح هذا النص، الأمر الذي يصعب من مهمة الباحث في إيجاد بداية الخيط، الأمر الذي يعيده للعام 1921م، للوقوف على أول تسجيل شعري لشاعر من ليبيا يقارب نصه قصيدة النثر. ليعود الباحث ويؤكد إن منتصف سبعينيات القرن الماضي هو تاريخ ميلاد قصيدة النثر الليبية، التي تحققت فيها الشروط الفنية للنص، وهو يضيف (أن الشاعر الليبي وهو يكتب قصيدة النثر كان يجهل وبشكل أكثر في البدايات ما أثارته قصيدة النثر في إطلالتها الأولى عالميا ومن ثم عربيا)4، وهذا ما يفسر ارتباط شعراء قصيدة النثر في ليبيا بشعراء قصيدة النثر الرواد أو الكبار عربياً. ويؤكد الكاتب أن الثمانينيات والتسعينيات شهدت كما غير متوقع من إصدارات قصيدة النثر بالتوازي مع زيادة ملحوظة في كم من يكتبونها.

وهذا يستمر الباحث في تتبع سيرة قصيدة النثر في ليبيا، وقوفا في مجموعة من المحطات؛ أبرز أعلامها، ضعف التناول على مستوى التلقي، والدراسات النقدية، المضامين.

(بنيات دلالية لقصيدة النثر في ليبيا) هو عنوان الفصل الثاني، والذي ندخل معه قلب قصيدة النثر من الجانب الفني، بعد مدخل تعريفي وتاريخي، ورصد لبدايات قصيدة النثر.

في المبحث الأول، يناقش الكاتب موضوعين؛ التماثل الإيقاعي والجمل التنافرية.

تحت العنوان الأول، يناقش الباحث مسألة الإيقاع في قصيدة النثر، حيث يتحول الإيقاع، المعروف في القصيدة العربية من الملموس المادي، إلى المحسوس المعنوي. وهو يرصده أو يصنفه في:

تماثل الأفعال والحروف.

التضاد.

الإيقاع السمعي والبصري.

أما العنوان الثاني، في هذا المبحث الأول، فيناقش الباحث مسألة الجملة التنافرية إيقاع بكسر الإيقاع، بحيث يستكمل رصده لإيقاع قصيدة النثر فيقول (إن تكسر الإيقاع في الجمل المتنافرة يجعل المتلقي في دائرة ضغط مزدوج لا يخرج إلا برصد علاقة اللفظ بغريمه والرابط الذي يحقق المعنى في غياب الانسجام بين التعبيرات المتجاورة والمتنافرة)5، مؤكد إن قصيدة النثر قصيدة ذهنية تعتمد على وعي المتلقي. وأن الجملة هي وحدة بناء قصيدة النثر.

المبحث الثاني، في هذا الفصل، جاء بعنوان (دلائليات الشعرية في قصيدة النثر في ليبيا)، والذي يناقشه الكاتب من خلال أربعة مسائل.

في المسألة الأولى (علامات الترقيم)، يناقش الباحث استخدام الشعراء لعلامات الترقيم في نصوصهم الشعرية، وأن هذا الاستخدام ليس اعتباطيا، بقدر ما هو مقصودا لغاية تعميق دلالات النص، بغرض (تقوية الخطاب بامتصاص ما فيها من إشارات تعين في ترسيخ الدفقة الشعورية، وتفتح وتجسد معان أوسع قد يكون المتلقي أكثر تكثيفا وتشعبا لمدلولاتها من المبدع نفسه الذي هو حبيس فكرة معينة حددها انفعاله مسبقا)6.

(التشظي) هي المسألة الثانية التي يتناولها الباحث في هذا المبحث الثاني؛ والذي يعيده الكاتب لطبيعة الواقع الذي يعيشه الشاعر، الواقع العربي، والظروف التي نشأت فيها هذه القصيدة، (لذلك كان التشظي ملمحاً بارزاً من ملامح تكوينها العام، وخطا بيانياً من خطوط التجريب المتعددة في الشعر المعاصر، وتشكل اللاغرضية السبب الفني الأبرز لظاهرة التشظي؛ حيث إن النص الشعري لا يقف عند غرض محدد كما هو الشأن مع الأنواع الشعرية الأخرى)7.

مع (المجاز) ندخل عالم التأويلات، وهي أحد العناصر المهمة التي تعمل عليها قصيدة النثر، وتحاول من خلالها إيصال مجموعة من الرسائل التي يحاول الشاعر التعويل عليها، وإن لم تكن ظاهرة.

(استنطاق الفراغ) هو آخر محطات الباحث في هذا المبحث، والذي يتناول فيه مسألة البياض المتروك في النص، كمناطق صامتة يتعمدها الشاعر، بحيث (يوظف الفراغ عن إصرار إبداعي لخلق مساحة نصية كبيرة أو صغيرة دون إعمال السواد فيها، كي يدعم نصه بقوة تعبيرية إضافية قد تكون بلاغة الصمت فيها أقوى من بلاغة الكلام)8.

تحت عنوان (قصيدة النثر ووسائط التراسل والتعبير) تناول الباحث في الفصل الثالث من الكتاب، آليات شعرية النثر من خلال مبحثين؛ ففي المبحث الأول يتحدث الباحث عن ثلاث نقاط رئيسية؛ يتناول في الأولى (أنساق الحروف وأثرها في البناء اللغوي الشعري)، فيبدأ من بناء الجملة والكلمة، ومن بعد الحرف، فـ(العناية بنضد الحروف متجانسة من حيث التكافل والتفاعل في خط سير الكلمة من بدئها حتى ختامها الأولي (الكلمة ذاتها) النهائي (الجملة والسياق العام)؛ أكثر إلزاما لخلق المعنى وترويج الأفكار بأليات مفعمات بالإثارة والتشويق ومن ثم الاقتحام الطوعي في النص وانتشاء ما يصبغ من لذة نضجت على غصن ذات واحدة لتطعمها ذوات أخر)9.

ثم ينتقل الباحث للحديث عن (التعبير بالحذف)؛ والذي يثير من خلاله الشاعر ذائقة المتلقي كون هذا الحذف إضمار بنية الإظهار، أو استظهاره في فكر المتلقي. وهو هنا يتوقف عند أكثر من أسلوب يعمد إليه شعراء قصيدة النثر؛ بداية من العنوان، إلى الحذف الداخلي في النصوص والاستعاضة عنها بعلامات الترقيم، أو المساحات.

في المبحث الثاني؛ المعنون (تراسل التجارب الشعورية)، يعرض الكاتب هذا العنوان الرئيس في عنوانين فرعيين. ففي الأول يتناول الكاتب (لغة الحواس)، ومحاولة الشعراء نقل التجربة أو اللحظة الشعرية (من حيزها اللا حسي الكامن في أعماق الشاعر إلى الحسي المدرك بحواس المتلقي، والشعور سابقها؛ لتتلاقح التجربتان)10. العنوان الفرعي الثاني، تناول في الباحث (ثنائية الزمان والمكان) واللغة الشعرية، وهي ألية -كما يؤكد الباحث- يعمد إليها الشاعر ليحاكي بها المتلقي ويستثيره ويحفزه عبر العلاقة الأزلية بين الكائن البشري وعنصري الزمان والمكان، بعرض تواصل التجربة الشعورية التي عاشها الشاعر، خاصة وإنهما قادران على حمل مستويات من الحالة الشعورية والانفعال.

عنون الكاتب الفصل الرابع (الغنائية في قصيدة النثر الليبية) والذي يبحث فيه الكاتب عن إيقاع قصيدة النثر خارج الإيقاع التقليدي. وهو يتناول هذا الفرض من خلال مبحثين.

في المبحث الأول (الجملة الغنائية)، يعود الشاعر إلى نقطة البداية، ونقصد الحداثة، حيث الحداثة في الشعر انعكاس لحداثة الواقع. وعندما خرجت قصيدة النثر عن إيقاع القصيدة العربية، عولت على مرتكزين؛ الجمل والحروف. من خلال مجموعة من التقنيات التي يعند إليها الشعراء، ومن خلال مجموعة من الشواهد يتتبع الدكتور “زيدان” هذه الغنائية التي تصنعها التماثلات في أكثر من شكل.

المبحث الثاني سار على ذات الخطـ، بالتركيز على (غنائية الحرف)، وهنا يعول الباحث على ما يمكن للحرف؛ كقسم من أقسام الكلام -التواصل- من دلالات، لبلوغ غاية الشاعر، فالحروف شكل (أساسا في تشكي الجمل ومن ثم أساسا في تحديد الدلالات فهي تنقل الكلام من مستوى صوتي إلى آخر)11.

المميز في هذا الفصل حجم الشواهد الشعرية التي عمد الكاتب إلى دراستها، وهذا يعكس حجم النصوص الشعرية التي شكلت عينات البحث، والتي أستطاع من خلالها الخروج بهذه النتائج التي تكشف الكثير من طاقات قصيدة النثر الليبية، ومستوياتها الفنية والإبداعية. أيضاُ ما مميز هذه الشواهد سعة إحاطتها بالعديد من الأصوات الشعرية؛ من مختلف الأعمار والتجارب الشعرية. وهو ما يعكس جهد الدكتور “سليمان زيدان” المبذول حتى هذا الفصل.

آخر فصول الكتاب؛ الفصل الخامس يركز فيه الكاتب على (شعرية قصيدة النثر لغة وصورة). في المبحث الأول الذي اختار له (اللغة الشعرية) عنواناً يناقش الباحث من خلال أربع مرتكزات مسألة اللغة الشعرية في قصيدة النثر كون الأدب واللغة صنوان.

في المرتكز الأول؛ يتناول الكاتب (التكرار) كأحد أساليب القصيدة، كونه أحد عناصر الإسناد الوظيفي لدور اللغة فيما يتعلق بالخطاب، وهو يقسمه إلى: تكرار بسيط، وتكرار مركب.

المرتكز الثاني (السرد والحوار)؛ فيقول الباحث (واعتمدت قصيدة النثر -بحكم صلة الرحم النوعية بالنثر- على السرد مستفيدة من خاصيتها في بنية النص، فكانت لب انشغالها، والحوار جزء من السرد، كما لهما صلة وطيدة ببنية الدلالة في النص)12.

(المقاربة والاختلاف) هو المرتكز الثالث والذي يبين فيه الباحث هذا الجانب من اللغة الشعرية في قصيدة النثر، حيث الاعتماد على التقارب والتباعد في ذات الوقت، ففي اللحظة التي يقترب فيها الشاعر من هدفه يبتعد.

المرتكز الأخير في هذا المبحث هو (لغة الحياة اليومية)؛ حيث يبين الباحث أهمية المفردة ودورها في النص الشعري، وكيف استخدم العديد من الشعراء في قصيدة النثر، العديد من مفردات الحياة اليومية في نصوصهم بنية أن يصل خطابهم كما تصوروه للمتلقي.

في المبحث الثاني (الصورة الشعرية)، يقترب الباحث من خلال أربع زوايا، فبعد أن يمهد لماهية الصورة الشعرية، يبدأ بعرض الزاوية الأولى (التشبيه)، والذي يتناوله من خلال: تشبيه المحسوس بالمحسوس، تشبيه المحسوس بالمعقول، تشبيه المعقول بالمحسوس، تشبيه المعقول بالمعقول.

الزاوية الثانية في هذا المبحث هو (الرمز)، والذي يبحث في العلاقة بين الرمز كأداة للشاعر، والمتلقي كمفسر لهذا الرمز ومرجعيات هذا الرمز ودلالاته عند الشاعر والمتلقي، كأحد المرتكزات المهمة في قصيدة النثر.

(القناع) هو الزاوية التي الثالثة التي يتناولها الباحث، فيقول (خيط رفيع هو ذلك الفاصل بين الرمز والقناع، فما القناع إلا صورة من صور الرمز، وآلية من آليات التعبير الشعري لخلق تكثيف فني يبتعد بالقصيدة عن التقريرية، ويمنح الذهن فرصة استكشاف المعاني والمقاصد غير الظاهرة من خلال المقاربات بين دلالات الحقيقة والمجاز الضمني للكلمات التي تشكلت من تلاحمها الصورة الفنية المبنية على تقنية القناع بغض النظر عن نوعه وسيلة لها)13.

آخر زوايا هذا المبحث (الأسطورة والفلكلور)؛ حيث يؤكد الكاتب اتكاء قصيدة النثر بشكل كبير على الاستدعاءات الأسطورية، مانحة الشاعر بعدا فنيا مكنه من خلق تشكيلات مختلفة لرؤى متفاوتة الأزمنة. وكذلك هو الحال مع الفلكلور سواء كأحداث أم شخصيات.

بعد هذه الرحلة، نعيد التأكيد على أهمية هذا الكتاب في رصده لقصيدة النثر كأول كتاب نقدي يقرأ تجربة هذا الجنس الأدبي في تجربة الشعر الليبي، ويقف على أهم لحظاته ويركز على مجموعة من التقنيات الفنية التي جعلت من هذا النص، تجربة مميزة.

كما ومن الواضح الجهد الذي بذله الباحث، الدكتور “سليمان زيدان” واشتغاله النقدي، ووقوفه على كم كبير من قصائد النثر، وما توفر من دراسات اهتمت بهذا النص على المستوى المحلي، والعربي، ومرجعيات عالمية أرخت لهذا النص الحديث.

كما لا يغيب في الكثير من مواضع الكتاب رأي الباحث النقدي والواضح في الكثير من المسائل الفنية، وهو ما تمثله المباحث الكثيرة وتفريعاتها، حتى يمكن له الوقوف عند كل عتبة، من عتبات النص.

ولعل هذا البحث يكشف الكثير من خفايا قصيدة النثر الليبية، أو في ليبيا، ويضعها على ذات المستوى من مثيلتها العربية.

وفي الختام، أختم مع ما خلص إليه الدكتور “سليمان زيدان” من نتائج14:

  • كثيرة هي نصوص قصيدة النثر في المشهد الأدبي الليبي، لكن الكثير منها يصنف حشواً لا إبداعاً.
  • تميز عدد من شعراء قصيدة النثر في ليبيا، ومجاراتهم لقرنائهم في الساحة الشعرية العربية.
  • ضعف الحراك الأدبي أسهم في ضعف الوجود الشعري خارج حدود معينة لا تتعدى ليبيا وفي أغلب الأحيان جزء منها.
  • للغنائية في قصيدة النثر الليبية إشعاعها شكلاً ومضموناً، وقد جاءت غنائية حزينة بفعل سيطرة نغمة الحزن لسوء الواقع.
  • حضور الغنائية في كثير من النصوص جاء عفوياً ولم يكن عن سبق قصد.
  • اعتماد الشعراء على موروثهم النفسي لشحن التجارب الشعورية للمتلقين.
  • يعبر الشاعر بخطاب الذات الفردية لكن السياق غير ذلك، فهو جمعي الذات.
  • النصوص منفتحة على كل التقنيات بما فيها علامات الترقيم ذات الأثر الغنائي.
  • باستثناء مرحلة البدايات، فإن التواصل بين الأجيال مفقود ولا رابط بينها، حيث حقب قصيرة؛ الستينيون، السبعينيون، الثمانينيون، التسعينيون أبلغ شاهد على انعدام التأثر، ووجود استقلال شبه تام لخلف الأجيال المتلاحقة عن سلفها.
  • تخلق بعض القصائد بين الوزن واللا وزن ومن ثم فهي نثر.

_________________________

1- د.سليمان زيدان (قصيدة النثر في ليبيا – بداياتها وبنياتها)، آفاتار للطباعة والنشر، القاهرة، ط1 – 2020م.

2- المصدر السابق – ص 42.

3- المصدر السابق – ص 42.

4- المصدر السابق – ص 52.

5- المصدر السابق – ص 84.

6- المصدر السابق – ص 102.

7- المصدر السابق – ص 106.

8- المصدر السابق – ص 111.

9- المصدر السابق – ص 126.

10- المصدر السابق – ص 145.

11- المصدر السابق – ص 196.

12- المصدر السابق – ص 237.

13- المصدر السابق – ص 269.

14- المصدر السابق – ص 284 و285.

قصيدة النثر في ليبيا

تعليقان على “قصيدة النثر في ليبيا

  1. د. سليمان حسن زيدان يقول:

    المُؤلَّف أيُّ مُؤلَّف يبقى بلا أثر إن لم يجد من يُنَوِّه إلى وجوده بالقراءة والمراجعة والحديث والدعاية العلمية لتحدث المعرفة بمضمونه ، ثم تنتشر ، مثله مثل العمل الإبداعي كالقصيدة أو القصة أو الرواية أو اللوحة الفنية التشكيلية ؛ فإنَّها تبقى جليسة نفسها ، حبيسة غلافها ما لم تجد قارئًا لها عليمًا بمضمونها ، يقرأ ثم يُترجم هذه القراءة إلى دراسة نقدية لها ، تُعَرِّف بها ، وتُنوِّه عن مضامينها الجمالية المعبرة الحاملة لما قد يلتقي مع تجربة المتلقي البعيد عنها قبل إعلامه بها؛ وما مُؤلَّفي هذا (قصيدة النثر في ليبيا : بداياتها وبنياتها) بناجٍ من الغفلة عنه ، أو عدم المعرفة بمحتواه لولا وجود رجال أمثال الناقد الشاعر رامز النويصري أطال الله في عمره وأبقاه عَلمًا ومَعْلمًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.