المرأة الشاعرة، واللغة المتطرفة

قراءة في نصوص “هدى الغول”

في محاولة -مني- لتقديم نصوصنا الشعرية، بدأت مبكراً في محاولة الكتابة النقدية، من خلال قراءة تجربتنا الشابة وقتها، وأظن إن أولى هذه المحاولات كانت في العام 1999م. لذلك نشأت علاقة حبٍ، بيني وبين النصوص الشابة، وأجدني لا أتأخر في الكتابة عن التجارب الإبداعية الشابة، خاصة في الشعر، وأحتفي بها، ربما بسبب طابع العفوية الذي تسلكه هذه النصوص الشابة، وربما للعناية التي يحوطها بها كتابها الشباب، وأيضاً جرأتها في التجريب، واكتشاف ما وراء الستار.
 

الشاعرة “هدى الغول” تكتب نصها بوعي العارف، والقابض على لحظته والمتحكم في سير اللحظة الشعرية، رغبة في عدم انفلاتها، أو أن تغامر بالشاعرة، فنجدها تجتهد في ضبط المشهد بقوة، تقول في (راعي القلم):
هناك في زاوية حرجة
حاصرتني أنت والقلم
كأنك من أمسك به
ولم أعد راعيته
لأنه يعرفك منذ البداية.
لطالما أخبر عنك دفاتري
حتى صارت أجندتها لك
إنها تسمعني
كل ليلة أجلس خلف مكتبي الصغير
لأحدثها عنك
استلقي فوق السرير

 
إنها هنا في قمة التركيز لا تريد أن تكون مخرجاً مبتدأ، إنما المخرج الممسك بأدواته والمتمكن من الركح، تحدد الزاوية، والمحاصر، ومن تخاذل (القلم)، لأنه كشف كل شيء (لطالما أخبر عنك دفاتري/ حتى صارت أجندتها لك).
هذا الوعي الممارس على النص، هو صورة الرقيب الداخلي، الذي تربى داخل الشاعرة كمرأة شكلها المجتمع من خلال مخزون كبير من العادات والتقاليد، التي تحرم المرأة حقها في الإبداع، تقول في (عن وطني):
على كف عفريت
أحمل الحرف
أخبئ المخطوط تحت نخلة
ولا صوت لقصائدي
الشاعر يسبح كسمكة
يتنفس في العمق
يعيش بلا جناحين
….
 
فهي في علاقتها بالرجل، تحاول أن تحافظ على مسافة آمنة، إذ يظل متخيلاً لا حضور مادي له، إذ لا مجال للمغامرة، تقول في (في ذاكرةِ أصابع متقدة):
أنظر إلى وجهي في المرآة/ مازال مطبوعًا بملامح أبي/ مصبوغًا برغيف أمي/ مأسورًا في منفاك/ أنتظرك في فسحة من قدر/ أراك بين صورهم المتوارية في ظلي/ أقطع الطريق رجيف قلبي/ عن ارتعاش يديّ حيال حضورك/ حيث لا مجال للمناورة.
 

الشاعرة هدى الغول

وهي حتى عند دعوتها له، إنما تبحث عمن يستمع لوجعها، ويحتضن ألمها أكثر من إمتلاكها، تقول في (إلى أخطر امرأة في العالم):
تعالَ../ نرسم أذيال الخيبة/ نمزق الورقة،/ نرميها على سقف النسيان../ نغتال مواعيد الكهرباء،/ ونكتم عدادات الزمن../ أخبرك../ عن النمور التي فرت من فساتيني،/ وابتلعت وجه الريح../ عن كعب الغزال/ الذي التصق بحذائي،
 
إنها تحبس رغبتها داخلها، مخافة هذا المجتمع الذي يقتل كل روح تواقة للانطلاق، وتبحث عن آخر يشاركها التحليق عالياً، تقول:
لا أُشغل رأسي بالبدايات
ولا أحسن اقتطاف حديث بديهي
لا أذكر أول رسالة حب كتبتها
ولا أول قبلة أهديتها لرجلٍ
خُلق من ورقِ
واستحال قصيدة.
 
المرأة، الأنثى، التي تسكن الشاعرة لا تكتفي بمجرد المراقبة، بقدر ما تحاول أن تقتنص الفرصة والمغامرة بالدخول إلى المشهد، والاستئثار به، ولأنها مدركة، فإن “هدى” تترك لها الركح لكي تنطلق وترسم المشهد، وكما تشاء، تقول:
أهب للعالم أبناء/ بدون أب.. / تزدهر روحي/ تُدثرهم حدائقي/ أطهو فرص البوح/ أفك أزرار الرغبة/ يتدفق فرات الحنين/ يلهو عطرك بخيوط ثوبي/ يزعزع كياني.. / لازال سحرك/ عالقًا بمخيلتي.. / لازلتُ أحبك.. / وأعتقد كأي عاشقة غبية/ بأن قلبك يوما ما/ سيهواني..
 
الشاعرة “هدى الغول”، إضافة إلى الشعر تكتب القصة القصيرة، والنص المفتوح، إضافة إلى فنون الكتابة النثرية كالهايكو، وهنا سيكون عليها استخدام اللغة في جنس أدبي بشكل مختلف، وهي تدرك هذا وتجتهد في ذلك، فتراوح اللغة بين المرونة التي تحتاجها للهروب وإدارة الركح، والتجاوز التي تحتاجها قصيدة النثر.
على مستوى الصورة، تشتغل الشاعرة “هدى الغول” على مستوى المشهد ككل، فتأسيساً على ما قدمناه في بداية هذه القراءة، تحاول أن تمتلك الركح كمخرج، فتعمد أن يكون النص مشهداً متكاملاً، معولة على الثيمة الأساسية للنص في إبرازها، فتحكم النص وحدة يتشكل فيها وينطلق.
 
تجربة “هدى الغول”، وإن تشابهت في ملامحها العامة مع تجارب شابة أخرى، إلا أنها تملك خصوصيتها ناحية منازعة النص بين الشاعرة الراغبة في إدارة النص، والمرأة الأنثى الساعية إلى المغامرة والانطلاق، وهي أحيانا (لغة متطرفة) حادة كما وصفتها كعنوان لأحد نصوصها، هذا الصراع هو الذي نطالعه نصاً يحمل مستوى من التفاعل الدرامي.
وأختم بهذا المقطع:
أجمع كريات دمي الملتصقة بلساني الملتهب
أنثرها على صحراء جسدي
التواقة لأصابع بنات الريف
 لمناجلهن الموشومة على ساقي
ترانيمهن الطوّافة حول أبراج المدينة
وتواقيعهن على حنجرتي
لرقصاتهن في مخيلتي أوان القِطاف
لأغانيهن المحتجزة في رأسي
المسحوحة في لغتي
 

المرأة الشاعرة، واللغة المتطرفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.