الإنـترنـت

الإنترنت أو الشبكة الدولية للمعلومات، أو المعمام أو الشّابكة  كما عرّبها مجمع اللغة العربية في دمشق1، هو أحد منتجات الثورة المعلوماتية ومرتكزاتها، وربما كان إنتاجها الأبرز والمبهر، والذي من خلاله تغيرت الكثير من المفاهيم، وحدث الكثير من التحولات، فلقد استطاعت هذه الشبكة أن تحول العالم إلى قرية صغيرة، وأنه من خلال جهازك (حاسوب، هاتف) الحصول على ما تريد من معلومات، والتعرف على آخر المستجدات.

 

تعرف هذه الشبكة كمصطلح توصيفي بالشبكة العنكبوتية، لتشابك خطوها واتصال أطرافها وتمددها بشكل مستمر. بذا، فمن النقطة التي تتواجد بها، يمكنك الوصول لأي نقطة في الشبكة دون حاجة للانتقال فيزيائياً، بمعنى انتقالك الشخصي. وقد قصدت إلى استخدام الفعل (تواجد) من (وجد) كونه يصف حقيقة التعامل/الاتصال مع الشبكة، فالوجد في داخل الشبكة هو وجود افتراضي، يتم من خلال وسيط (جهاز حاسوب أو هاتف نقال، وغيره) يقوم على استدعاء الموقع المطلوب معرفاً بعنوانه، الموصول إلى الخادم (Server)، ونقل صورة تفاعل المتصفح. لتبسيط الرؤية، علينا تخيل مجموعة من النقاط المركزية أو الخوادم (Servers)، وهي تمثل خزائن المعلومات والبيانات، متصلة إلى بعضها البعض في مسارات متبدالة (في اتجاهين)، وعلى أطراف هذه الشبكة يتوزع المتصفحون. ولنا أن نتخيل الآن حجم الخوادم وهي تبني شبكاتها، وكيف تتصل هذه الشبكات، وكيف تتحول كل عقدة إلى ملتقى تلتقي في خيوط الشبكة، وتتوزع إلى بقية الشبكات، فندرك الكم الهائل الممكن الاتصال به.

ويربط الإنترنت ما بين ملايين الشبكات الخاصة والعامة في المؤسسات الأكاديمية والحكومية ومؤسسات الأعمال، وتتباين في نطاقها ما بين المحلي والعالمي وتتصل بتقنيات مختلفة، من الأسلاك النحاسية والألياف البصرية والوصلات اللاسلكية، كما تتباين تلك الشبكات في بنيتها الداخلية تقنيا وإدارياً، إذ تدار كل منها بمعزل عن الأخرى (لا مركزياً)، ولا تعتمد أيا منها في تشغيلها على الأخريات. وهي تحمل قدراً عظيماً من البيانات والخدمات، ربما كان أكثرها شيوعا اليوم صفحات النصوص الفائقة المنشورة على النسيج الشبكي (Web)، كما أنها تحمل خدمات وتطبيقات أخرى مثل البريد الإلكتروني، وخدمات التخاطب الفوري، وبرتوكولات نقل الملفات. والاتصال الصوتي وغيرها.

و مثل الطفرات في وسائل الاتصال عبر التاريخ، أضحت للإنترنت اليوم آثار اجتماعية وثقافية في جميع بقاع العالم، وقد أدت إلى تغيير المفاهيم التقليدية لعدة مجالات مثل العمل والتعليم والتجارة وبروز شكل آخر لمجتمع المعلومات. ومع التقدم السريع في تكنولوجيا الاتصالات، وتطبيقات الحاسوب، والرغبة القوية للأفراد في الاتصال من خلالها والاستفادة منها، تحولت الشبكة إلى عالم حي، وهو حتى وإن كان عالماً افتراضياً، إلا إنه استطاع –ويستطيع- أن يغني الكثير عن ممارسة حياتهم الطبيعية، فلم يعد الأمر مجرد استخدام الشبكة لقراءة البريد أو تصفح المواقع أو قراءة الأخبار ومتابعة الجديد أو مخاطبة الأصدقاء والآخرين والتحدث معهم (Chatting)، لقد تجاوز الأمر هذه الحدود، لبناء منظومة حياتية خاصة ومغلقة، فالكثير من المواقع بالاعتماد على البرمجيات الحديثة، يمكن للراغب الاشتراك بها وممارسة حياته من خلالها، دون أن يغادر الشخص كرسيه من أمام الجهاز1.

ولأن غايتنا هي البحث في الأثر الثقافي على الشبكة، سنخصص حديثنا عن الآثار والأنشطة الثقافية العربية على الإنترنت.

وكون الأدب –كأحد صور العمل الثقافي- لا يتشكل إلى في التلقي، لتذوق أبعاده الإنسانية والإبداعية، فإن أول ما تقدمه هذه الثورة المعلوماتية من خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، هي إتاحته على هذه الشبكة (تقديمه)، بحيث: يسهل الوصول إلى هذه المادة الأدبية، تبادلها، ويمكننا تسمية هذه الخدمة (خدمة النشر). خدمة النشر هذه، تظهر في المواقع الثقافية والأدبية المتاحة للمتلقي، في شتى صنوف الثقافة والأدب والمعارف عامة، ويمكن تقسم هذه المواقع إلى: مواقع ثقافية جامعة- مواقع أدبية متخصصة- مواقع شخصية (أدباء، كتاب، مبدون)- المجلات والصحف الإلكترونية (متخصصة، شاملة)- النوادي والمنتديات- النشر الإلكتروني- المكتبات2.

وإن كان النشر يمثل الطرف الأول للمعادلة، فإن الـتّلقّي كطرف ثاني للمعادلة، يمكن اعتباره كأحد المرتكزات المهمة في العملية الإبداعية، إذا يتحول النص من مبدعه إلى طرفٍ آخر، هذا الطرف الآخر يعيد قراءة النص، ومن ثم إنتاج دلالة معرفية خاصة به يختصر فيها النص. والشبكة تقدم للمبدع أفقاً أكثر لتلقي هذا النص، فلا يعود الأمر محصوراً في الإقليم المحيط بقدر ما يتعداه إلى أقاليم أبعد (جغرافياً)، بالتالي يحقق للنص أكثر من قراءة منتجة، تختلف باختلاف المتلقي، بالتالي اختلافاً يمكن توزيعه جغرافياً، وبالتالي قراءات تفسر جغرافياً، كما لا يخفى اختلاف مستويات التلقي من متلقٍ لآخر3. والمتلقي هنا يمثل القارئ أو الناقد، والذي من الضروري معرفته باستخدام هذه التقنية للوصول إلى مايريد، وهذا يستوجب قدراً معرفياً على المبدع (كطرف ثالث) أن يكون على ذات المستوى من المعرفة –ولا نقول أكثر-، ليتمكن من تقديم نصه دون الإخلال به محتوىً وشكلاً.

__________________

1- في العام 2009 ربحت إنجليزية قضية طلاق ضد زوجها الذي وجدته مشتركاً في أحد مواقع الحياة الافتراضية وكان متزوجاً من شخصية على الشبكة ويعيش معها حياة الأزواج.

2- رامز رمضان النويصري (المعلوماتية في خدمة الأدب) ورقة- 14/12/2005/ قصر الثقافة- طرابلس. بتصرف.

3- المصدر السابق.

الإنـترنـت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.