صياغة قديمة لعاشق

تبدأ القصة، منذ البداية الأولى للصبي يراقب كيف تكبر الصبايا دون مهل، وتغادر مربع الحكايات وتختفي بعيداً عن عيوننا، لنظل نحن الجماعة المشاغبة، نتآنس بهن في ليالي الصيف، على حافات الأفراح الصاخبة، نختارهن لنا، ونعد الغائبين باللواتي بقين دون أنيس

كان الوقت أكثر رحابة للحلم، والوقت الآن أكثر رحابة للحلم المشابه

بعد قليل تكبر هذه الجماعة، تكبر موازياتنا خلف الجدران، تعرفهن المدرسة بذات المريول

نعرفهن بذات الصورة، بذات الجدائل، بذات الضحكات، والأشياء التي بدأت تظهر فينا

عندما أمر بأماكننا ألعن كل الحجارة التي تشكلت منازل، وألعن البشر كيف يغتالون أشهى الأحلام على موائد الحاجة.. أماكننا التي اكتشفنا فيها ذواتنا تحولت عنا، وغادرتنا، حتى مدرستي لم تعد تعرفني كل ما فيها سار نحو غيرنا.. ولم يعد صوتي يوافقني

صار يخرج كثيراً ويلف دون أن أحكمه.. أضبطه كثيراً يغني، كانت الحكايات التي يصنعها تحتشد بالصور والمفردات، كنت أسمي كلماتي أغاني وأنطلق.. كانت المسافات الممنوحة لي توصلني بالمدينة، مركز البلاد، أكتشف أن العالم غير الذي زرته قبلاً، وأن الشوارع تحمل ما يخالف محفوظاتي، غصت أكثر، مدرستي الآن تطل على مقبرة وتتسند على هضبة ومنزل قديم، وصخب هو ما كنا نصنعه في كل ضحى، وعقب كل مغادرة..

المسافة الممنوحة كانت تعني حرية بذات الحجم حتى باب النهاية.

أتعرفين..

أحببت كل اللواتي ألتقيهن، وحفظت صورهن جميعاً.. أحببت حتى النساء، لأصنع فلسفتي الخاصة بالخلق.. كانت أولى كلماتي “حب” وآخرها “حب”

كيف تبدأ الأشياء لا أعرف

تكفي ابتسامتك لتختصر كل المسافة في الرقـعة الممتدة بيننا، من مكتب بالدور الخامس، أو التاسع، حيث العيون أكثر من أي مكان..

والذي سيمنعني من استكمال مراسم الحلم، في أن أقبل يديك علانية دون حضور يشغل المكان عنا، دون أن أتطلع لشفتين تنفرج خارجاً

تبدأ الأشياء دائما من المنطقة التي لا ندريها

لذا هي مدهشة وفي غاية الرقة والعذوبة

إنها تستطيع أن تخرج من مسامنا المختفية تحت الثياب.. كرائحتك التي لا اشتمها، وشعرك المصمت عن زيتون الجبال، إلا من لون الطين.. مسامنا التي يمنحها الصيف محاورة أكثر فتذيبنا دون وجد أو اشتهاء

أتعرفين كم من شيء جميل تحضر هذه اللحظة، شيء واحد هو أنت

تزأر في داخلي المسافة

لشفتيك حضورها المعلن صراحة، ولوجهك صحوة الغروب

أن تعلن المسافة أنها قريبة، أنها أقرب ما تكون، وأن المساحة المتاخمة لم تعد، وأن يداك من ترحل تحت الجلد، تعبث بثنايا الشرايين.. أن أصابعك حقيقة بين أصابعي، أن إبهامك يرقد وادعاً على ظهر يدي.. يمكن البدء بالصلاة

فيما مضى

كنت أهرب إلى حيث لا تعثر علي غير العين

وبإدراك تام، كنت أمارس طقس الحب علانية، وبحب، وبخشوووووع.. نعم

واحدً هذا الذي كان.. وواحدة

كان القفز على الطاولات تسلية، والغناء هو مساحة الصوت الوحيدة المعلنة، الحضور جسد الحقيقة الصاخب، وإغفاءتها براءة الحزن الذي يسكن القلب، والعين، وجملة “لو كنت باكراً”.. كانت كل الحروف المدقوقة، كل الحروف المبلولة، كل الحروف المتسربة برفق تحت الثياب، شيء غير الذي يعرفه كمّ الحضور، يزحمون المكان ببخار حديثهم، ورذاذ اللعنات

كنت.. كانت.. كنا.. كانوا.. كنا غير الحضور

أقتنص ساعتي بكل حرية، وأعود

كانت تخالف العادة في كل شيء، تأتي من النقطة غير المعلنة.. كأن تحضر في زمن الجواري، كأن تكون “رابعة”، كأن تكون ملكة متوجة، كأن تلاحق الفراشات، وتتسلق الأشجار تشكل الثمار عقوداً وأساور، وتقول: كُل..

حائراً أي الجنى أحق..!!؟؟!!

ذات حضور.. ذات ضغط، وكانت المسافة أضيق ما تكون، كانت المسافة تعني أن يكون قلباً للهروف، فكان صدرها..

كنت أجيد الهروب، وأتعلم الفرار.. أتقن جدولة الكلام والزمن وأقنعه بالحضور الوثير للفكر، صرت فيلسوفاً لشدة ما هربت..

عامً من وصل

عامً من هروب

وعام اكتشاف..

الجميل، غير ما نعتاد

الأجمل، قمر يغازلنا بنصف وجه

المكان، مركز العالم حيث نقف، تتقاطع الأنوار عندنا

الشِّعر، يبدأ من شفتيك، في تموج البحيرة

عيني، تحاول الإحاطة بكل المكان

كتفانا ملتصقان، أشمُّك الآن أكثر، رائحة الشعر، أيضاً على غير العادة، العادة التي أريد، في الزيتون أن يسكن درجك، وفي المشمش عتبات الوجه

أكتشف أن يدك ظلت معي، وأني لا أفلت كفي عنها، شيءٌ من مناخ الليلة الأولى، شيء من عبير النشْوة العجلى، مخاتلة النسيم، وحجة كشف الطقس في بدن الأصابع، وبعض الحال كشف.. وبعض الأمنيات منىً، وأحلام.. العالم أرحب تحت أقدامنا.. ينتهي عند حدود التعب، والتواء الطريق.. لكنه مازال

يضايقني كل العالم المحيط بي، ولا أعرف كيف أهرب بنفسي فيك بعيداً عنهم، ولا أعرف كيف أقتل شبح الوقت المتربص عند الأفق، وطابور الأسئلة المتكررة السمجة، في عيون المراقبين، دوران فلكي الخاص

أتعرفين..

فقط، أتمنى أن أدفن وجهي في صدرك، ولينتهي العالم هنا، أن أضغط بقوة ناحية صدرك، أن تتفتح المسام وتعلن حضورها، أن تكتـفي عيني من الحال بمجرد المراقبة، ومن المرحلة بأن تغمض على مشهد شعرك المرفوع فوق

عينك تبحث دائماً عن الفصل التالي.. وتعيرني المرحلة بالضعف، وبالخوف، وبالحب

أكتشف أن يدك هنا، وأن الأغطية لا تثير الدفء

يدي على يدكِ/ نظرات باحثة.. ولا حديث، أحتاج أن أقول الكثير، بحجم ما مشيت اليوم

وبحجم ما استنضح الصيف من عرق، وبقدر الفتيات اللواتي شاغبنا مشيهن، واقتسمناهن

وبنينا على أجسادهن حكايات وأغاني، “نادر” يغني، وأنا أغني.. كلانا يغني أغنيته، وتغلب في النهاية أغنيتي، التي “أنت”

عند عتبة البحر، تريدين أن أقرأ تفاصيل الرغبة، وأن أكشف تاريخ كل الرغبات التي ظلت ساكنة..

عند عتبة البحر، تهمس يدك أنك تحتاجين أكثر من مجرد الحضور، وأكثر من مجرد الكلمات، وأكثر من كوننا وحيدين.. تحتاجين يدي، تجمعك إليهما بقوة، بقوة أكثر، تظل تحافظ عليك قريبة من القلب، وتبعث بسرها مشافهة، عيناً بعين

كنت أراقب في تجلٍ صارخ غيم عينيك، وهو يجتاحني بقوة، ويعبث في خلوة المكان، من ذراعينا المعقودين.. أراقب كيف يحتشد الغيم، ويبرق، ولا ينزل.. كنت أراود المغامرة عن ذاتها لتأبى، وأقص الحكايات.. كنت أغامر بالمراوحة واقتناص لحظة المرور، من مأزق القبلة.. كنت أريد المرور بلا جسد

في طريق العودة بكيت وحيداً، بكيت في زاويتي الصغيرة حيث ضمني طريق العودة.. ليتني قبلتك، اكتشفت أنك أكبر من مجرد هذا الجسد الذي يحتويك، أكبر من مجرد هذا الكيان الذي تصوغين تفاعلاته وعلاقته.. رأيتك كل هذا العالم، لذا بكيت، وتمنيت لو قبلتك تلك الليلة كما أشتهي أن أضمك الآن، أذيب الكثير من همي، وأعتصر صدرك بقوة حتى آخر ما فيَّ من شكوى، وأفيض بعدها

ما الذي يملكه هذا الحضور؟.. لم أعد أسأل نفسي.. صرت أراقبها كيف تخاتلني وتجيء في ساعات القيظ وحيداً، وكيف تدخل بجرأة أمام الأصدقاء فأصمت، وأدعها تحكي، أكتشف أن الأصدقاء رحلوا بعيداً عني وأن يدهم من تجعلني أكتشف أنك كنت هنا.. أراقب كيف تدخل فراشي بقوة وتظل حتى الصباح تحكي ولا تمل..

ما الذي يجعلها تطفو دائماً؟.. فتغور الفتيات بعيداً وتبقى هي، في وكأن الشوارع غدت لها وحدها، فهي الرائحة والغادية، السائقة والراجلة، المدينة تستعيرك وتواجهني بك

رأيت كيف تكور كعادته عندما يحزن في فراشه، كأنه ذلك الصغير الذي لم تمنحه ذات يوم زميلته وردتها الحمراء، وكيف انتظرها عاماً كاملاً قبل أن يودعها بقبلة في ممر المدرسة، فلا تعود.. رأيت كيف أمسك أقلامه واحداً بعد الآخر، يستنطق فيها الميلاد، ولا تجيب كعادتها عندما تكتشف إنه حزين.. كيف عاد لخبيئته، يستنطق فيها كل الحكايات القديمة، وكيف يضم إليها بقية صورة، وكثيراً من أمنيات، وأجمل كلمات صاغتها شمس الصيف، ومناخ الرطوبة، ودرجة 42 حرارة، لإبريل لن يكون، وبعض قلبٍ لم يعد قادراً على الإبحار.. الخبيئة كانت فارغة، لقد نسي أنه ذات ظهيرة رسم وعداً بحجم حلقتين، وخبئهما قريباً من يده.. واكتشف أن الوعد ذاته غيره الخوف، وذاته التي لا تهادن..

أمنح مسافة ليتمكن من ممارسة طقوسه كما يشاء.. وأعبئ وقتي للفراغ الذي سيشكله غيابه.

بعد أن نام، كنت قد مددت يدي إلى أقلامه..

قلم أول.. ربما لأني شاعرٌ حداثوي كان يمكنني قرائة كل الدلالات، فأمكنني أن أحدد فعلاً معنى كل الحديث (سامحوني لم أساطع أن أدون كل ما قاله القلم).

قلم ثاني.. ستتحول الفاصلة إلى صحراء حقيقية..

قلم ثالث.. سيكون من الممكن الآن مغادرة الفصول، والاكتفاء بهزيمة أخيرة..

قلم رابع.. تظل البلاد في كل فعلها قادرة على منحنا مجاز المغامرة، ودمنا الذي نريقه عندما تنام..

قلم خامس.. سريرٌ آخر يزورك هذه الليلة..

قلم سادس.. تنام البلاد دائماً قبل الحكاية، وتستفيق لتجد غيري ينتظرها..

قلم سابع.. تغير مسار الحروف مرة أخرى، وصعد الألف..

قلم ثامن.. أقول وجدتها..

قلم تاسع.. (هنا استفاق، لم يكن بالإمكان الاستمرار)..

صياغة قديمة لعاشق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.