الإدهـاش ومزاج العـصر.. في حـبّات المزغـني

قصيدةُ النثر نص مربك ومرواغ، لا يألف السكون. فلا يمكن تسمية شكلٍ بنائي بذاته، أو قالبٍ يحدد النص. كما لا يمكن حصرها في نمطٍ أو طور. الشعر في قصيدة النثر متحرك ومتغير، لا يعتمد المسارات الثابتة، ولا يمنكه الحفاظ على صورته لفترة طويلة، لذا فإن النص –كتجربة- أكثر اعتماداً على الشاعر وإمكاناته، ورهناً للحظاته. وإن اتفق المنظرون على السمات العامة لقصيدة النثر، فإنها لم تتقيد بأيٍ من القواعد أو الخطوط المحددة لها، فظلت نصاً مشاكساً.

قصيدة الومضة، أو البرقة، أحد الأشكال البنائية التي اعتمدت عليها قصيدة النثر، وبغض النظر عن المصطلح التصنيفي من صلاحيته، فهو يقدم وصفاً لقصيدة النثر القصيرة، والقصيرة جداً كوحدة بنائية1، والتي يمكن أن تكون مكتـفية بذاتها بعنوان منفصل، أو في مجموعة مقاطع موزعة على أرقامٍ أو عناوين. الملمح العام هو اكتفاء هذا البناء بذاته، وتفصيلاً تكثيف النص، وتحديد معالمه في صورة مكتملة. وفي قراءة سابقة2 كنت قد تناولت الومضة الشعرية، وحددت بعض الشروط العامة لها3، في محاولة للوقوف على خصائص هذا الشكل، لكني في كل مرة كنت أدخل فيها تجربة شعرية، أخرج أكثر يقيناً بصعوبة قولبة هذا النمط الشعري، وأقصد قصيدة الومضة، أو النثيرة4.

 

هكذا وجدت نفسي أعود من جديد، لتعود ذات الأسئلة والقراءات السابقة، والنقاشات والخلاصات المكتوبة وأنا أعيد قراءة (حبات ومحبات)5 للشاعر “منصف المزغني”، لأجدني أقف عند (حبات) وأكتفي. وهذه الـ(حبات) تتوزع على 27 صفحة من مجمل صفحات المجموعة الـ210، بنسبة 12%، والتي كتبها الشاعر -كما يبين في بداية حبّاته- في الفترة من 1987 وحتى 2010، بمجمل 71 حبة –مفرد حبات- لـتجربة 23 عاماً.

بداية وجدت نفسي مبهوراً أمام مفردة (حبات) التي اختارها الشاعر عنواناً واصفاً لمجموعة النصوص الشعرية القصيرة التي تصدرت هذه المجموعة، وفي رأيي، إن استخدام (حبات) كعنوان واصف يعكس ذكاء الشاعر، وفطنته وظرفه. فالحبة هي جزء من مجموع (كل)، وهي مستقلة بصفاتها وخصائصها في المجموع، الذي قد يكون من ذات الجنس أو أجناس مختلفة لذات النوع، بمعنى، إن النص الشعري القصير (الحبة)، يمثل وحدة مستقلة تعكس ذاتها، وتتظافر كـ(حبات) لتعكس صورة الوحدة الكبرى، أو المعنى الكبير الذي تمثله.

وأزعم إن “المزغني: هنا يقم لنا سلة من الفواكه، كل حبة فاكهة لها طعمها ومذاقها المختلف، والمميز عن غيرها، هي في كلها حبات تجتمع في نوع الفاكهة، الزاهية اللون والشكل والرائحة.

بدأت حديثي هنا عن قصيدة النثر، وكنت أقصد، التلميح لقدرة هذا النص على المراوغة، لكن هذه الحبات لم تراوغ، نزلت بين أصابعنا هادئة، لا لتقول تمتعوا بمذاقي، بل لتدهشنا بهذا المذاق. نعم، الشاعر هنا يتعمد/يعتمد الإدهاش، ولا يروغ إنما يمارس الإيحاء، معولاً على ذاقة القارئ لمشهد موازي، يكون كفيلاً برفع مستوى الدهشة، لإعادة قراءة النص بطريقة مختلفة.

طقس6: خاتم/ في الإصبع/ وربطة في العنق/ فزوجان/…../ من الأحذية.

المدخل لهذا النص، عادي وهادئ، أول صورة تقفز إلى مخيلتك حال النزول للسطر الثاني، عرس، وعند السطر الرابع تتأكد الصورة وتتضح (فزوجان)، لكن المفاجأة تسكن السطر السادس. الشاعر بداية عمد إلى تقطيع النص في ستة سطور، تاركاً الخامس لسلسلة من النقط، ليفتح الأفق أمامنا لإبعادنا عن الصورة العلوية، ليفاجئنا بـ(من الأحذية) والتي تلغي صورة الإيحاء المُمَهد له، ليستبدل زوج الإحذية صورة الزوج الذي ظننا. وهي صورة تعكس واقعاً معاشاً بين الأزواج، زوجان (أحذية) لهما ذات الصفات العامة (من الجلد وبذات التفصيل) مختلفات في الجنس (أيمن/أيسر)، وبرغم القرب الظاهر فهما بعيدان عن بعضهما (متجاوان ولا ولن يلتقيا). وأعتقد إن إخراج النص كما ظهر محشوراً، أضر بغاية الشاعر، فلو أفردت له الصفحة لكانت المسافة أكبر للإيحاء، وتأجيل المفاجأة.

انشغالات: ارتفاع البنايات…/ ارتفاع أسعارها…/ أزمة الإسكان../ أشياء…/ لا تهم الحلزون.

النص هنا –وكل النصوص- يعتمد على ذات المبدأ الإيحاء، حيث يعول الشاعر على هذه المنطقة لخلق صورة ما أو الإيحاء بها، وهي نية مبيتة، حتى تتعود مخيلتنا هذه الصورة وتستدعي ما يدعمها من تفاصيل لتكوينها، ومعارف لخلق قاعدة لها، وفي (إنشغالات) يجعلنا المدخل نستحضر كل ما يتعلق بمسألة الغلاء وأزمة السكن، أحاديث الصحف والإذاعات، تصريحات المسؤولين، حديث الناس في الشوارع، صور المباني وهي تمتد أفقياً واحدة بعد الأخرى، عدم قدرة المواطن على شغلها. وتعمل (أشياء…) في السطر الرابع على تحديد المشهد وحصرة، وتجهيزنا للنزول للسطر الخامس (لا تهم الحلزون). في حركة أولى عمل الشاعر على قطع جملة (أشياء لا تهم الحلزون)، كإجراء لتأجيل المفاجأة. ليعود هذا النص في شكل سؤال عن علاقة الحلزون؟. فالصورة الموازية، هي الاكتفاء، وقد يكون الحلزون هو شخص الشاعر أو أي إنسان مستقل عن كل ما يحدث من حوله، سائراً في هدوء.

نواة8: قشري/ ضحكتي/ تجدي/ دمعتي.

في هذه النصوص (الحبات)، العنوان جزء مكمل للنص، وكأنه فاتحته، ومدخله الأساس، وبتفسير رياضي، فإن العنوان الطرف المقابل للنص (العنوان = النص)، بمعنى، إما العنوان هو نتيجة النص (المحصلة)، أو النص هو تفسير العنوان (المعنى). فلو حجبنا العنوان، لوجدنا إن النص يتحرك في حركتين متقابلتين، خطوة أولى (قشري ضحكتي/ تجدي دمعتي) وهي تمثل حركة الصورة، وخطوة ثانية (قشري = تجدي / ضحكتي = دمعتي)، وهي حركة المعنى.

“المزغني” في هذه النصوص، يتحرك من خلال آلية عمل ممنهجة، تعتمد في حرة أول على الإيحاء (النية المصدرة)، ومنح النص مسافة ذهنية أو تخييلية، بنية تأجيل المفاجأة وهي الحركة الذانية التي يكشف فيها الشاعر عن صورته التي أراد (النية المبيتة)، وفي اكتمال الحركتين يكون الأدهاش (النية المؤجلة) كنتيجة ترجعها ذائقتنا كمتلقين، وهي صورة في الغالب تتصل بعنوان النص.

الومضة نص اشتغال لا نص حالة، فهي نص يعتمد على الشاعر أكثر مما يعتمد على الحالة الشعورية، فهو نص يقوم الشاعر بإنشائه على المعنى أو الصورة التي يريد. إن أكثر ما شدني لمعاودة قراءة حبات “المزغني” تنوعها وطرافتها، واشتغال الشاعر عليها، فهي وإن كانت ومضات أو برقيات، أوحبات، فإنها تحمل من المعاني والإحالات الكثير، فالشاعر وإن اعتمد مبدأ الإدهاش كصيغة عامة، إنما نوّع على الاشتغال عليه، مما منح المجموعة تنوعاً وغنى، ومع إن النثر كان مدخلي لهذه القراءة، إلا أن الإيقاع –كما هو متوقع- لم يغب عن هذه النصوص. وما اختم به هذه الوقفة، إن هذا النص يعكس من ناحية مزاج العصر الحديث، عصر السرعة، والحجوم الصغيرة، المضغوطة، فالاحتراف في التصغير، وهذا النص البرقي، الخاطف، يمكن تمريره في رسالة قصيرة (MSM)، أو كمجموعة، الأمر الذي تتحقق معه أحد نماذج الأدب/النص الرقمي. أو كأيقونة، يعول فيها على الشكل المحدد لغاية، والمعنى الذي تكشف عنه الإيقونة. وقد نرى مستقبلاً نصوصاً تصويرية لا يُعتمد فيها على ما يمكن للشاعر من رسمه، بل على إمكانيات الشاعر التشكيلية في إنتاج نص محسوس بصرياً. وفي الانتظار أعيد التهام الحبات من جديد.

__________________

1- هناك من يرى إن قصيدة النثر هي نص مكون من فقرة أو فقرتين. وهو يحدد النص في البناء القصير.

2- كانت أولى ملاحظاتي عن الومضة الشعرية من خلال (الومضة الشعرية.. صحيفة الزحف الأخر، العدد:2085/ 18/7/1996.)، ومن بعد تناولت هذا النص من خلال التجارب الشعرية.

3- الومضة الشعرية_ صحيفة الجماهيرية_ العدد: 3509_ التاريخ: 17-10-2001.

4- بعض الاسماء التي توصف هذا النمط البنائي لقصيدة النثر.

5- منسف المزغني (حبات ومحبات)_ كتاب دبي الثقافية 42_ نوفمبر 2010.

6- المصدر السابق: ص 22.

7- المصدر السابق: ص 30.

8- المصدر السابق: ص 17.

نشر بصحيفة المجلس الثقافي_ العدد: 06_ 31/01/2011

الإدهـاش ومزاج العـصر.. في حـبّات المزغـني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.